2019/02/10 15:15
  • عدد القراءات 4424
  • القسم : العراق

داعشي ألماني وقع في الأسر: التضليل دفعني الى البحث عن الدين بين الإرهاب

بغداد/المسلة: قرر لوقاس غلاس الالتحاق بداعش بعد مدة وجيزة على انتهائه من المدرسة، ولم يمر وقت طويل على إعلان التنظيم الإرهابي "خلافته" المعولمة في صيف 2014، حين ترك بلدته، دورتموند، وتوجه مع زوجته لبدء حياة جديدة في سوريا.

 كان يومذاك في التاسعة عشرة من العمر فحسب، "جل ما أعرفه هو أن تنظيم داعش كان يفرض الشريعة الإسلامية ويحارب بشار الأسد، يقول والجدية تبدو عليه تحت عيون معتقليه في منشأة عسكرية شمال سوريا، "جئتُ لأمارس ديني، وحسبتُ أنني سأجد ما أبحث عنه هنا، ولكن واقع الأمور كان بالغ الاختلاف.

 وغلاس، مواطن ألماني، هو الآن في الثالثة والعشرين من العمر، وكان واحداً من آلاف الأجانب الذين توجهوا إلى هذا البلد في خضم حرب أهلية عنيفة للعيش في كنف تفسير متشدد للإسلام التزمه تنظيم داعش أمام أتباعه، ولكن التنظيم لم يكتفِ بهذا، وكثيرون لعبوا دوراً بارزاً في حُكم التنظيم المرعب والإرهابي، ومنهم أدوا دور الجنود ومنهم الجلادون منفذو الأحكام، والمجندون.

 وفي الأشهر الأخيرة، على مشارف نهاية الخلافة، اعتقل مئات الأجانب حين مغادرتهم داعش، ولكن اعتقالهم هو بداية عملية معقدة لا تلوح نهايتها في الأفق، ومعظم الدول لا تريد عودة هؤلاء المواطنين الذين غادروا للالتحاق بالخلافة تخوفاً من تحولهم الى مصدر خطر أمني إذا ما عادوا، ومحاكمتهم بالغة الصعوبة في غياب أدلة على ما ارتكبه هؤلاء الأفراد خلال عيشهم في ظل داعش، وهذا ما لا يَخفى الأجانب المغادرين الخلافة، ومعظمهم ينكرون الارتباط بداعش أو يقولون إنهم لم يكونوا مقاتلين، ويزعمون أنهم كانوا طباخين أو أطباء أو عمال إغاثة وجدوا أنفسهم بطريق المصادفة في أرض الخلافة. "كلهم يقولون الامر نفسه"، يقول مسؤول استخباراتي يتولى ملف الداعشيين المشتبه فيهم، و"نحن لا نصدقهم".

وليس غلاس من هؤلاء، فهو يقرّ بأنه عضو في داعش، وأنه عمل في جهاز الشرطة التابع لها طوال عامين، ولكنه يزعم أن بروباغندا التنظيم غررت به، ولم يكتشف حقيقة داعش إلا بعد فوات الأوان. 

وتلقي قصة غلاس الضوء على كيفية عمل أكثر التنظيمات إرهاباً في العالم المعاصر، وتبدد أوهام كثير من أتباعه مع انقلاب أحوالهم.

في مقابلة خاصة مع إندنبندنت، يروي قصة التحاقه بداعش وكيف انفرط عقد التنظيم.

وخلّفت هذه الكلمات وقعها في غلاس، فشعر أن عليه الذهاب، واقترن بزوجة ألمانية. وعقب شهر، سافرا إلى تركيا حيث دفعا لمهرب من أجل عبور الحدود الى سوريا، وبعد وقت قصير، وجد نفسه في مدرسة دينية داعشية، "كان 400 منا في معسكر واحد، وهم من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا وشمال أفريقيا"، يقول.  

وأراد غلاس القتال مع التنظيم ضد الحكومة السورية، ولكن إصابته لم تخوله القتال في الجبهات الأمامية، فعُيِّن في شرطة محافظة حلب. "كانت مهمتي الأساسية تولي الحراسة في حواجز على الطريق. وكنت أوقف السيارات، وأبحث عن سجائر أو مخدرات فيها".

وهو يقول بإصرار "لم أوجه يوماً سلاحاً إلى أي إنسان"، وكان هذا عمله طوال عامين، وكانت الحياة أقرب ما تكون إلى حياة طبيعية في عين ألماني يعيش في منطقة حرب ساخنة، ولكن في 2016، صارت غالبية الجهات المتقاتلة في الحرب الأهلية السورية على عداء مع داعش، وبدأ التنظيم يخسر في حلب في وقت كانت تتقدم المعارضة السورية، فانسحب مقاتلو التنظيم من حلب إلى الرقة، وغادر برفقتهم غلاس وأسرته. فهو رزق وزوجته أولاداً.

ولكن حين كان غلاس عنصراً في شرطة داعش، كان التنظيم يرتكب أفظع انتهاكاته، ففي أغسطس "آب" 2014، اجتاح مقاتلو داعش بلدة سنجار حيث سفكوا دماء المدنيين اليزيديين وخطفوا آلاف النساء وسبوهن واستعبدوهن جنسياً، ثم قتل داعشيون الصحافي الأميركي، جايمس فولي.

 وفي أيلول "سبتمبر" من العام نفسه، نشر التنظيم شريط فيديو يظهر قطع رأس الصحافي الأميركي - الإسرائيلي، ستيفن سوتلوف، ثم نشر شريط تصفية عامل الإغاثة البريطاني، ديفيد هينس، وجميع هذه العمليات رمت إلى الترويج إلى اقصى حد للتنظيم، ونُشرت على قنوات البروباغندا الداعشية، وكانت الغاية منها صدم العالم وبث الخوف في أوصال أعدائه.  

وواصل غلاس عمله في حراسة نقاط الحواجز الداعشية في حين كان التنظيم يعيث الخراب في المنطقة، وهو يصر على أنه لم يعرف بارتكاب هذه الجرائم، على الرغم من نشرها على نطاق واسع، ولم يغير رأيه إلا في 2006 بالرقة، "كنت شاهداً على بعض الأمور في داعش، وكانت أمور أرفضها وأرى أنها غير إسلامية".

 "تظهر بعض الفيديوهات الدعائية الداعشية، حرق الناس، وإغراقهم. شعرت بالصدمة حين رأيتُ هذه الأمور وهي محظورة في الإسلام، وهذه أمور أرفضها"،بعدها قررتُ الرحيل".

وحين أدرك غلاس، بحسب قوله، حقيقة التنظيم، كان الأخير يشن هجمات قاتلة بعيداً عن حدوده. ففي فرنسا والولايات المتحدة وتونس، أودت هجمات مستوحاة من داعش بالمئات، ولكن داعش كان يتراجع في العراق وسوريا، ويخسر الأرض في البلدين هذين، فالولايات المتحدة دخلت النزاع، وبدأت تقصف قصفاً عنيفاً كل مناطق الخلافة التي أعلنها داعش أحادياً، "فطلبتُ الرحيل".

 "أعطوني ورقة ذيلها بختمهم أشخاص كانوا مسؤولين عني، ومنذ تلك اللحظة صرتُ مدنياً ولكن في أراضي الخلافة"، وأضاف "لم أرغب في الانتماء إلى داعش بعدَ اليوم، ورغبت في أن أكون براءً من هذه الأشياء".

 وهو يقول إنه حاول الفرار ذات مرة مع عائلته، ولكن شرطة داعش السرية قبضت عليهم. "سجنوني طوال شهر ونصف الشهر، وأطلقوا سراحي سراحاً مشروطاً بأنني لو حاولتُ المغادرة مرةً ثانية فسيقتلونني".  

منذ تلك اللحظة يقول إنه صار سجين داعش، وأُجبر على الانسحاب معهم من الرقة إلى دير الزور، وتقلصت رقعة خلافة داعش أكثر فأكثر، ومُني مقاتلوها بهزيمة تلو أخرى.

 وفي نهاية الأمر، صارت سلسلة من البلدات على طول الفرات آخر معاقله، وشنّت قوات سوريا الديموقراطية "قسد"، بدعم أميركي، هجومها على آخر معاقل التنظيم في ديسمبر. فالخلافة صارت محاصرة، وتتعرض يومياً لضربات جوية، في موقعة داعش الأخيرة.
"وأتذكر مرات قليلة قصدتُ فيها وعائلتي وأطفالي السوق، وكان القصف في جوارنا، وشاهدت بأم العين قتلى من النساء والأطفال، بعضهم بُترت أذرعهم وبعضهم صار بلا رأس"، "لم يكن المرء يعرف ماذا سيحصل في اليوم التالي، وكان يتوقع الموت في كل لحظة".

 وفي الأشهر الأخيرة، رحل الناس من مناطق سيطرة داعش. ولم يعد يُحكم القبضة على حركة الناس. وغادر آلاف من النسوة والأطفال مناطق داعش، ويُعتقد أن كثيرين منهم هم أقارب مقاتلي داعش.

 ويقول غلاس إن شعوراً بالتخلي عن صفوف مؤيدي داعش ومقاتليه حين اختفى قادته، "كان لسان حال الجميع سؤالاً واحداً: أين هم؟ لماذا لا يظهرون؟ وهم يزعمون أنهم مسؤولون عنا وعن المسلمين، فلماذا لا يساعدوننا؟ وصارت غالبية الناس من مناطق داعش. حتى مقاتلو التنظيم، يكرهون القادة هؤلاء".  

وفي نهاية المطاف، وقع غلاس في الأسر حين عبر الحدود شرق بلدة السوسة في 6 يناير "كانون الثاني" وأُبعد عن عائلته ولا يزال معتقلاً الى اليوم، وزوجته وأولاده موقوفون في معسكر اعتقال مع آلاف من العائلات التي يُشتبه في أنها عائلات عناصر داعش

متابعة المسلة


شارك الخبر

  • 1  
  • 1  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •