2019/07/11 15:24
  • عدد القراءات 3454
  • القسم : العراق

المالكي عشية انعقاد مؤتمر الدعوة الاسلامية: وحدة الدعاة واحترام ارادتهم الجمعية والمزاوجة بين الخبرة والدماء الجديدة

بغداد/المسلة: وجّه الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي بياناً مهماً وخاصاً الى الدعاة، عشية انعقاد المؤتمر العام للحزب، شدد فيه على ضرورة معالجة الأزمة النفسية والسلوكية والاخلاقية كمدخل لتنفيذ مشروع إعادة بناء الدعوة وإصلاحها وتجديدها. كما أكد معيارية وحدة الدعاة واحترام ارادتهم الجمعية في قرارات المؤتمر، إضافة الى ضرورة تداول المسؤوليات، والمزاوجة فيها بين الخبرة والتجربة من جهة، والفاعلية والدماء الجديدة من جهة أخرى. وكشف عن أنه سيكون مع أي قرار يتخذه المؤتمر، وإن تعارض مع رغبته وقراره.

وفيما يلي نص البيان: 

بسم الله الرحمن الرحيم
(( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)). صدق الله العلي العظيم 

 بعد حمد الله تعالى، والصلاة والسلام على نبيه وصفوة خلقه، أحيي الدعاة الأبرار وأشد على أياديهم، ونحن على أعتاب انعقاد مؤتمرهم العام، الذي ندعو الله (تعالى) أن يكون ممراً ومنطلقاً لغدٍ أفضل لدعوتنا التغييرية المجاهدة. 

 ولا يقتصر خطابي هنا على "الدعاة" أعضاء المؤتمر؛ بل كل "الدعاة" الأبرار؛ لأن هناك المئات من الأحبة "الدعاة" الحقيقيين من ذوي الكفاءات العالية والتاريخ الدعوي المشرف والخدمات الجليلة، لم تسمح لهم المعايير الفنية أو الظروف أو الملابسات من حضور المؤتمر، وهم معنيون أيضاً بكل قضايا "الدعوة" وتفاصيل عملها ومشروعها التغييري الإصلاحي المستقبلي، شأنهم شأن أعضاء المؤتمر الحالي.

 و لا آتي بجديد إذا قلت بأن حضور المؤتمر وعدم حضوره ليس معياراً نهائياً في تصنيف "الدعاة" وقياس مستويات إخلاصهم وعطائهم للدعوة، واندكاكهم بفكرها ومسيرتها. ولا أريد هنا أن أكون في موقع المسوغ لقرارات الهيئة التحضيرية، لكني أحسن الظن بها. ونأمل أن تشكل مخرجات عملية الإصلاح وإعادة البناء حلاً حاسماً لأي التباس يحول دون مشاركة هؤلاء الأحبة في مؤتمرات "الدعوة" القادمة. وبالتالي فإن عدم حضور بعض "الدعاة" هذا الموتمر ليس نهاية المطاف. 

أيها الأخوة والأخوات الدعاة ..

هناك من يشكك بقدرتكم على الإصلاح والتجديد وإعادة البناء، بل يشكك بنوايا أصحاب البرامج والحراكات الإصلاحية، فضلاً عن التشكيك بقدرة "الدعوة" على التحرر من أزماتها و الإنطلاق بقوة من جديد. لكني أؤكد للجميع بأن عجلة النهوض قادمة، و ورشة إعادة البناء ستعمل بكل طاقتها، انطلاقاً من مؤتمركم الكريم.

 وإذا كنتم قد عقدتم العزم و وضعتم الرؤى من أجل إصلاح حزبكم المبارك و إعادة بنائه وتجديد فكره و مؤسسته وتفعيل مشاريعه التنظيمية والسياسية، فمن أين تكون البداية؟ 

 لا أعتقد أننا نختلف في أن البداية ينبغي أن تكون من الجانب النفسي والسلوكي والاخلاقي، أي من نقطة تصفير أزمات الذات، وشحن النفس بطاقة الصفاء والسلامة وحسن الظن، والتحلي بصفات الرحمة و التسامح والتواد، ونبذ مظاهر التلاوم و التشكبك في النوايا. وأقولها دون مواربة، بأنّ عدم تجاوز الأزمة النفسية والأخلاقية والإيمانية، يجعل الحديث عن مشاريع الوحدة و إعادة البناء والمأسسة والتجديد والإصلاح، دون جدوى حقيقية.

 لقد أشارت الآية المباركة (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) إلى أن التغيير الذي يتحق عبره هدف الإصلاح وإعادة البناء، إنما ينطلق من حضور إرادة التغيير في نفوس "الدعاة" وعقولهم. و حين تحضر إرادة التغيير في "الداعية" الفرد، فإنها ستتحول الى إرادة جماعية ترسم خارطة التغيير الشامل التي تأسست "الدعوة الإسلامية" من أجله. 
ولا يمكن لـ "الدعوة" أن تحقق حتى جزءاً يسيراً من هدفها التغييري الفردي والاجتماعي، دون أن يكون للتغيير مفعوله في وسط "الدعاة" أولاً، فميدان "الدعاة" أنفسهم قبل أي ميدان آخر.
 وبالتالي فإن السلوك العملي لـ "الداعية" الفرد و"الدعوة" الجماعة هي التي ستنعكس على المجتمع، وتتحول الى نماذج حية يقتدي بها الآخرون، وإن تطبيق المفاهيم التربوية التي بلورتها "الدعوة" لأبنائها هي معيار انتماء "الداعية" لـ "الدعوة". وبخلافه ستفقد "الدعوة" شرعية وجودها، لأن "الدعوة" ليس مجرد اسم لحزبنا، بل هي وسيلة "الداعية" في عملية التغيير الإجتماعي الشامل، كما أن مصطلح "الداعية" ليس مجرد عنوانٍ حزبي، بل هو صفة لمن يقوم بالدعوة الى الله وشريعته وأخلاقه وسلوكه القويم بين الناس.

وبما أننا نتحرك في ساحة مفتوحة، نمارس فيها كل ألوان النشاط، التنظيمي و السياسي والحكومي والاجتماعي والثقافي والحقوقي وغيرها، فإن مكارم الأخلاق والسلوك المستقيم والعمل الصالح والأداء المنتج، هو معيار شرعية وجودنا الحركي. وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالسلوك الدعوي والأخلاق الدعوية، والتي تتسع للأخلاق السياسية والأخلاق الحزبية والأخلاق الاجتماعية والأخلاق الثقافية والأخلاق الجهادية. كما أنها تمثل ـ في الوقت نفسه ـ السلوك الجمعي والسلوك الفردي لـ "الدعاة"، أي سلوك "الدعوة" ككتلة مؤمنة، والسلوك الفردي لـ "الداعية" المنتمي الى هذه الكتلة.

إن سلوكيات "الدعوة" وأخلاقياتها التي حددتها نظرية "الدعوة" وأسسها وفكرها وثقافتها ومنهجها التربوي، وكما مارسها "الدعاة" الأوائل وشهداء "الدعوة"، هي سلوكيات مستنبطة من صميم الفكر الأخلاقي الإسلامي، ومن السيرة التي خطّها لنا رسول الله (ص) وآل بيته الأطهار (ع). ومآلاتها تطبيق مفهوم كون "الدعوة" هي نموذج الكتلة المؤمنة الصالحة الواعية النزيهة المضحية، وكون "الداعية" هو نموذج الإنسان المؤمن الصالح الواعي القوي الصادق الأمين الكفء. وحينها سينعكس هذا النموذج على أداء "الدعوة" في المجتمع والدولة، وعلى أداء "الداعية" داخل الحزب وفي المجتمع والدولة أيضاً، ويتحول الى رمز يقتدى به.

أيها الدعاة الميامين ..

أذكِّركم ونفسي بأننا ينبغي أن نكرس أخلاق "الدعاة" الأصلاء وسلوكهم في مؤتمرنا الحالي، فهو ميدان التجربة الجديدة، وبأن نغلِّب مصلحة "الدعوة"، و نعي أن الله (تعالى) ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته (عليهم السلام) وشهداء الدعوة الأبرار (رضوان الله عليهم) يراقبون حركاتنا وسكناتنا، قبل الأصدقاء والخصوم، فلنستحضر تعاليمهم وسيرتهم، ولنستحضر وصية الشهيد الصدر المؤسس ((بالدعوة خيراً، فإنها أمل الأمة))، ولنستحضر الأسس التي كتبها لـ "الدعوة"، ولنستحضر كلمات شهدائنا الأبرار وهم يعتلون بشموخ أعواد المشانق، أو يسقطون في سوح الفداء والتضحية والجهاد. 

و أتمنى عليكم أن لا يتسبب الخلاف في الرأي، والإحساس بالغبن، والإعتراض على حق شخصي أو عام، وعدم سير الأمور كما تطمحون، إلى سلوكيات إنفعالية و تشنج في المواقف لدى بعض الأحبة، ما يؤدي الى مزيد من الإنقطاعات الفردية أو التصدعات الجماعية، لأن أحد أهم الأهداف التي سنعمل عليها معاً بكل عزم وحزم في إطار عملية إعادة البناء، هي دراسة حالات الإنقطاع والتصدع الفردية والجماعية، وإيجاد كل صيغ الحلول المرنة لها، وصولاً الى عودة جميع "الدعاة" الراغبين، و وحدة التنظيمات التي تنتمي الى مسيرة حزب الدعوة الإسلامية.

ختاماً، أيها العاملون الصادقون..

أرى أن يكون مؤتمركم المبارك نقطة انطلاق فعلية لتطبيق مبدإ تداول المسؤولية، بشكل دوري، لكي يتسنى للحزب ضخ دماء جديدة كفوءة في مواقع المسؤولية، سواء من فئة الكوادر المخضرمة التي لم يسبق لها بلوغ مواقع القيادة و مجلس الشورى، أو من فئة الشباب. وبذلك يمكنكم تفعيل مبدإ التكامل بين أجيال "الدعاة" بصورة متوازنة، سواء على مستوى الفئآت العمرية، أي ضخ الشباب في مواقع المسؤولية الى جانب المخضرمين، أو على مستوى تجديد دماء القيادة، أي ضخ قياديين جدد إلى جانب القياديين الحاليين. وحينها تتكامل التجربة والخبرة والريادة، مع الفاعلية والعنفوان والطموح.   

إن تركيز مساعينا على وحدة "الدعوة"، و تجميد نقاط الخلاف التي تساهم في تفرق "الدعاة"، ومن بينها ما يتعلق بتغيير بعض مواد النظام الداخلي، لا تعني عدم احترام إرادات "الدعاة" ورؤاهم المتنوعة، بل تعني الإحتكام الى قرار الأغلبية عند اختلاف الرؤى، وعدم فرض أي قرار أو رؤية على "الدعاة"، وإن كان على حساب قناعاتنا الشخصية و رؤيتنا الخاصة في العمل. وهذا هو سياق عمل الشورى القرآنية الذي سارت عليه "الدعوة" منذ لحظة تأسيسها (( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)).

و قدر تعلق الأمر بي، فأنا أعلن لكم وبكل وضوح، بأنني مع قرارات "الدعاة" في كل ما يتخذونه في المؤتمر، وإن تعارضت مع قناعاتي الخاصة. وسأقف مع رؤى الأغلبية، حتى و إن خالفت رغبتي وقراري، لأن "الداعية" لايمتلك قراره الحركي، ومن حق "الدعوة" أن تنسِّب له ما تراه. 

(( والعصر. إنّ الإنسان لَفي خُسر. إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)).

ومن الله التوفيق، عليه نتوكل وبه نستعين

نوري المالكي
الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية

8 ذي القعدة 1440 هـ
10 تموز 2019 م


شارك الخبر

  • 1  
  • 8  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •