2018/07/12 11:26
  • عدد القراءات 258
  • القسم : آراء

محمد زكي ابراهيـم: في بلاد اللامعقول

بغداد/المسلة:  

محمد زكي ابراهيـم

ربما يكون العراقيون قد ملوا الحديث عن الديمقراطية، وعزفوا عن الاستماع إلى كل ما يمت لها بصلة، بعدما أدركوا أنها ليست الحل السحري لمشكلاتهم المزمنة.

وهم معذورون في ذلك بالطبع، فقد اكتشفوا فجأة أنهم خدعوا بهذا الاسم، الذي خلب لب الجميع  في كل مكان من العالم. وعلموا أن ما حصلوا عليه هو شئ آخر لا يمت إلى ما كانوا  يحلمون به   بصلة، وليس هو الذي تاقت إليه أنفسهم منذ عقود.

كانت المنظومة الاشتراكية التي حكمت بنظام الحزب الواحد قبل عام 1990 من أعلى دعاة الديمقراطية صوتاً، مثلما كان صدام حسين في العراق وزملاؤه في البلاد العربية.

بل إن بعض هذه البلدان كان يصر على وضع صفة الديمقراطية إلى جانب اسمه الرسمي مثل ألمانيا وكوريا الشمالية وفيتنام واليمن الجنوبي وغيرها.

وبالطبع فإن هذه التسميات قد حذفت حال تخلصها من حكم الحزب الواحد، أي أنها تحولت من أنظمة "ديمقراطية" إلى "لاديمقراطية" بعدما أطلقت الحريات، وأجرت الانتخابات، واعتنقت  العولمة.

وللأمانة فإن العراق لم يضف كلمة الديمقراطية إلى اسمه في زمن البكر أو صدام حسين أو العهود التي سبقتهما، ولم يضفه كذلك بعد عام 2003. فقد بقي "لاديمقراطياً" مثلما كان من قبل رغم البون الشاسع في شكل النظام. وهذا دليل على أن الأسماء والمصطلحات لا تعني الكثير في العصر الذي نعيشه.

كان نظام الحزب الواحد الذي يعمل تحت مسمى الديمقراطية يفترض أن المواطنين جميعاً أتباعه وداعموه. ولما كان مثل هذا الأمر مستحيلاً، فقد لجأ إلى التخلص من معارضيه. إلا من ولى منهم الأدبار واختفى في  الدول المناوئة أو البعيدة.

في الأنظمة الجديدة التي رفضت  أن تلحق كلمة الديمقراطية باسمها مثل العراق،  تجد المعارضة في كل مكان. وهي وحدها التي تضج وتصرخ، وتهدد وتتظاهر، وتسب وتلعن. أما الحكومة فهي تلتزم الصمت، وتخلد للسكون، ولا تتحدث إلا للدفاع عن النفس، أمام الجموع الحاشدة من الساخطين، وهذا ما لم يعهده الناس من قبل.

وغالباً فإن تهم الفساد وسوء الإدارة والعمالة تصيب كل من يتحمس لأداء واجباته الوظيفية، ويناور هنا وهناك لإكمال ما يعهد إليه من مهمات. أما من يتوارى عن الأنظار ويكتفي بمراقبة زملائه والتندر بما يلحق بهم من متاعب، أو ما يصيبهم من إهانات، فهو رجل نظيف اليد، طاهر الذيل، وهكذا.

والغريب أن المشاريع المهمة التي تحدث طفرة ما في المجتمع، ويتوق الناس لإنجازها بسرعة، هي التي تضمر وتتلكأ، وتضمحل وتتوقف. وتلقى تبعة ذلك على نظام الديمقراطية وفصل السلطات. في حين أنها كانت تنجز في موعدها في نظام اللاديمقراطية القديم، وتحظى بارتياح الناس كافة.

هكذا تجري الأمور في بلاد اللامعقول!

المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •