2016/03/10 15:37
  • عدد القراءات 1099
  • القسم : آراء

لئلا تتحول الحرب ضد «داعش» إلى نسخة عن فيتنام!

نشرت صحيفة الحياة اللبنانية مقالا للكاتب سليم نصار اليوم السبت جاء في - عندما حدد الرئيس الاميركي باراك اوباما مدة الحرب التي شنها على «داعش» بثلاث سنوات، إنما كان يحيل تبعاتها الى خلفه الرئيس المقبل. وبما أن ولايته الثانية تنتهي في 20 كانون الثاني (يناير) 2017، فإن خطة معالجة تهديدات «داعش» ستشغله طوال سنتين تقريباً قبل مغادرته البيت الأبيض. كذلك توقع أن تدخل في عملية تشكيل التحالف الدولي قوى جديدة يهمها المشاركة في إرساء دعائم عالم خالٍ من النزاعات الاقليمية والقومية والطائفية والعشائرية.

وكان بهذا الكلام يشير الى عالم مختلف عن العالم الذي برزت خطوطه الناشئة مطلع السبعينات، من محور الميزان الاستراتيجي الذي ضم الولايات المتحدة والدول الاوروبية والشرق الأوسط. وبسبب اختلال ذلك الميزان إثر إنهيار الاتحاد السوفياتي، تعرض المحور السابق لتصدع كبير أدى الى تبدل مواقع القوى بحيث انتقلت مراكز الثقل الى آسيا والبلدان الكثيفة السكان مثل الصين والهند.

وفي دراسة نشرتها مجلة «ساينس» الاميركية، تبين أن عدد سكان الأرض سيقفز من 7 بلايين نسمة حالياً الى 11 بليون نسمة في نهاية هذا القرن. ولفتت الدراسة الى احتمال تفاقم المشاكل العالمية، المتعلقة بالتغيير المناخي وتفشي الأمراض المعدية وإزدياد الطبقة الفقيرة، وانتشار الجرائم بسبب إرتفاع نسبة العاطلين عن العمل.

والحصة الكبرى من النمو السكاني المتوقع ستكون للقارة الافريقية، حيث تشير التقديرات الى أن عدد السكان سيزداد من بليون نسمة حالياً الى خمسة بلايين في نهاية القرن. ومثل هذا التحول الديموغرافي يفرض على دول الاتحاد الاوروبي والشرق الأوسط الأخذ في الاعتبار المتغيرات الطارئة التي تنشأ عن قواعد النظام العالمي المقبل.

من هنا يرى المحللون أن الولايات المتحدة ستركز في حربها المعلنة على إستقطاب أكبر عدد من الدول الشرعية في سبيل تدمير دولة «داعش» ودحر العناصر المنتمية الى «القاعدة»، باعتبارها الحاضنة الأولى لكل منظمات الارهاب. وتتوقع واشنطن قبل نهاية هذه السنة اجتذاب أكبر عدد من الدول المعرّضة لاضطرابات سياسية واجتماعية، بسبب تدخل «داعش» في شؤونها المحلية. وقد أعلن رئيس وزراء اوستراليا عن رغبته في المشاركة بالجهود العسكرية الهادفة الى إبعاد عناصر الفوضى والاجرام عن بلاده الآمنة. ومثله قد تفعل وزارة الداخلية المغربية بعد اكتشاف خلية إرهابية في مدينة «فاس» يتزعمها أستاذ استطاع تجنيد عناصر لمصلحة «داعش». علماً أن تقديرات الأجهزة الأمنية المغربية تشير الى وجود 1200 مغربي يقاتلون في صفوف «داعش» و «جبهة النصرة».

وزعمت بعض الصحف الفرنسية أن حلقة التحالف قد توسع جبهة التصدي للارهاب بحيث تشمل تنظيم «بوكو حرام» في نيجيريا. خصوصاً بعدما ثبت أن هذا التنظيم ينتمي في قيادته الى إدارة «القاعدة» وفروعها في مالي والجزائر وليبيا.

يوم الأربعاء الماضي، رسم الرئيس الاميركي باراك اوباما الخطوط العريضة لخطته الهادفة الى تصفية دولة «داعش» في العراق وسورية. وقال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن هذه المهمة تستدعي استنفار كل الدول المعتدلة الرافضة مبدأ توظيف الدين للقيام بعمليات القتل والتشريد والتهجير.

وكان العسكريون الاميركيون دشنوا عمليات القصف بتدمير المبنى المركزي لقيادة «داعش» في سورية. واعتُبِرَت تلك العملية بمثابة مقدمة مروعة لخطاب اوباما الذي ساوى فيه بين إرهاب الارهابيين و «وحشية» نظام بشار الأسد.

ورأى المراقبون في ذلك الوصف تجاهلاً للتنسيق الذي دعا اليه وزير خارجية سورية وليد المعلم. ففي المؤتمر الصحافي الذي عقده قبل مدة أعلن استعداد بلاده للتشاور مع الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الاقليمية، من أجل مكافحة الارهاب. ولكنه اشترط قبل اختراق الأجواء السورية إجراء تنسيق مع دمشق حفاظاً على السيادة الوطنية.

القيادة الاميركية بررت تجاهلها للشرط السوري بالقول إن هذا الجزء من البلاد يخضع لسلطة الارهابيين، وإن الجيش النظامي فشل في تحريره. وتُقدّر مساحة هذا الجزء المحتل داخل سورية والعراق بحجم بريطانيا.

وفي حديث أجراه وزير الدفاع الاميركي تشاك هيغل مع الاعلاميين، قال: «تجاوز تنظيم «داعش» الوصف القائل إنه قوة إرهابية فقط. والسبب أنه نجح في عملية الدمج بين الايديولوجيا المتزمتة والبراعة العسكرية، التكتيكية والاستراتيجية المتطورة. إضافة الى هذا، فإن عناصره تحكم مدناً وتجمع الضرائب من المواطنين، وتحصل على 3 ملايين دولار يومياً من بيع النفط. لذلك يجب أن نستعد لكل المفاجآت». ومع أن «داعش» تُعتبر بكل المقاييس تنظيماً إرهابياً لا يخضع للقوانين، إلا أنه من جهة أخرى يسيطر على البنى التحتية في المواقع التي يحتلها مثل محطات توليد الكهرباء وحقول النفط. وتقدر ايراداته التجارية والضرائب الفاحشة بأكثر من بليون دولار سنوياً.

لهذا السبب وسواه باشرت قوات التحالف هذا الأسبوع في ضرب منشآت النفط في سورية من أجل تعطيلها، وحرمان «داعش» من الطاقة المطلوبة لآلياته العسكرية والمدنية. ويسيطر تنظيم «داعش» حالياً على 40 في المئة من النفط الخام الذي يتم إنتاجه يومياً من منطقة «دير الزور» السورية.

والثابت، بعد مراجعة مواقف الدول الأجنبية من إرهاب «داعش» و «القاعدة»، أن هناك إجماعاً على رفض هذه الظاهرة التي مثلت العنف بأقصى زخمه في حادث هجوم «القاعدة» على مركز التجارة العالمية في نيويورك سنة 2001، علماً أن مستوى تسليح «داعش» هو أفضل... وتمويله أكبر... وملاذه الآمن أوسع.

يُجمع المحللون على القول إن الخطة الاميركية تعاني من وجود ثغرتين وسيعتين يصعب ترميمهما: الأولى - إعلان مدة الحرب من قبل واشنطن، بطريقة غامضة ومقلقة تبدأ بثلاث سنوات مفتوحة على المجهول... ومثل هذا الغموض يعطي «داعش» وحلفاءه فرصة استغلال الوقت الطويل لاجتذاب مناصرين، واستقبال ثوار المنظمات المتطرفة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ثانياً - غياب خطة سياسية وأمنية بديلة تسمح للدول المشاركة في الحرب بإعادة ترتيب الوضع الاقليمي في شكل مستقر وناجز.

أما الأخطاء التي ارتكبها تنظيم «داعش» فكثيرة، أهمها: إشهار سلاح قطع رؤوس الأسرى والمحتجزين كنوع من التحدي للدول الكبرى والصغرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا... ولبنان. مع أن هذا السلاح لم يرعب أحداً، إلا أن مجرد تشكيل تحالف مؤلف من أربعين دولة لمحاربة نظام غير شرعي... هو، في نظر قيادة «داعش»، نصر يستحق المجازفة والتهور! ثانياً - حرص «داعش» على نقل نشاطه من الشرق الى الغرب. أي من العراق الى الجزء السوري المتاخم لحدود تركيا. وقضت هذه الخطوة بضرورة التوغل العميق داخل لبنان حيث تضعف قدرة التحالف على التدخل العسكري المباشر. وقد شجعت هذه المغامرة «جبهة النصرة» على التدخل هي أيضاً في منطقة جرود عرسال. وكان من نتائجها ذبح الجنديين اللبنانيين علي السيد وعباس مدلج، واحتجاز تسعة جنود لدى «داعش» وعشرين آخرين لدى «النصرة». ثالثاً - خطأ الرهان على إضعاف الجبهة السورية، عبر العمل على إرغام «حزب الله» لسحب جزء كبير من قواته في سورية، بغرض حماية الوضع الداخلي في لبنان.

ولكن هذا الأمر لم يتحقق، بدليل أن «حزب الله» زاد من عدد قواته في سورية، وترك للجيش النظامي حرية الدفاع عن جبهته الداخلية.

وفي هذا السياق لا بد من التذكير بأن الانتقاد القاسي الذي وجهه الرئيس اوباما في خطابه الى الرئيس الأسد كان موجهاً أيضاً الى الرئيس بوتين. وهو يشير الى الشرط الذي عرضه اوباما كثمن للعزوف عن مهاجمة سورية، لم يتحقق منه إلا الجانب المتعلق بتدمير الأسلحة الكيماوية. أما بالنسبة الى دور المعارضة المعتدلة، ووقف التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية والعراقية والفلسطينية، فإن النظام لم يبدل نهجه السابق.

وربما زاد بوتين من تعاونه مع ايران بغرض منح «داعش» غطاء عسكرياً يطيل من فترة صموده ضد الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل من هذه الحرب نسخة حديثة من غرق القوات الاميركية في مستنقع فيتنام!


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •