2016/03/10 15:37
  • عدد القراءات 6970
  • القسم : اقتصاد

"داعش" تشن حرب "القمح" لتعزيز مواردها واحكام سيطرتها

بغداد/المسلة: يسيطر تنظيم "الدولة الاسلامية" الارهابي على جزء كبير من امدادات القمح في العراق. وتقدر الأمم المتحدة أن الارض الواقعة تحت سيطرة التنظيم توفر ما يصل إلى 40 في المئة من الانتاج السنوي للعراق من القمح وهو من أهم المواد الغذائية في البلاد إلى جانب الشعير والارز.

 وخلف هذا البيان الكثير من القصص وتفاصيل احكام التنظيم الارهابي، قبضته على مزارع الحبوب وتجارتها.

فقد وجد صلاح بولس نفسه امام اختيار بين دينه ومحصوله. وبولس مزارع قمح من خارج الموصل فر مع عائلته امام تقدم تنظيم "الدولة الاسلامية" الارهابي المتشدد اوائل أغسطس /اب الماضي. واجتاح التنظيم مزرعة العائلة في اطار هجومه الذي استولى خلاله على مساحات واسعة من الأراضي في شمال العراق. وبعد اسبوعين تلقى بولس المسيحي اتصالا هاتفيا من رجل قال انه مقاتل من تنظيم "الدولة الاسلامية".

 وسأله الرجل "نحن في مخزنك. لماذا لست هنا تعتني بعملك؟" واضاف "عد وسنضمن لك سلامتك لكن يجب ان تسلم وتدفع 500 دولار."

وحين رفض بولس أوضح الرجل العقوبة قائلا "سنأخذ قمحك.. فقط لتعرف اننا لم نسرقه لأننا اعطيناك الخيار."

 ويسرد مزارعون فارون آخرون قصصا مشابهة ويشيرون الى عنصر قليلا ما يذكر من التهديد الذي يمثله تنظيم "الدولة الاسلامية" للعراق والمنطقة.

 ويبدو أن مقاتلي التنظيم يعتزمون ليس مجرد الاستيلاء على أراض وإنما أيضا إدارة الموارد وإدارة حكم الخلافة التي أعلنوها من جانب واحد.

والقمح واحد من الأدوات تحت تصرفهم. وبدأت الجماعة استخدام الحبوب لملء جيوبها ولحرمان خصومها وخاصة أعضاء الاقليتين المسيحية واليزيدية من امدادات غذائية حيوية ولاستمالة "السنة" في حين تشدد قبضتها على الاراضي التي استولت عليها. ومثلما فعل تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا فقد أبقى في منطقة شمال العراق التي تمثل سلة الخبز للبلاد على موظفي الدولة وعمال صوامع القمح في أماكنهم لمساعدة التنظيم في إدارة امبراطوريته.

ويمثل هذا النوع من التكتيكات احد الاسباب التي تجعل تنظيم "الدولة الاسلامية" تهديدا أكثر تعقيدا من شبكة القاعدة التي خرج من عباءتها. فقد ركزت القاعدة على هجمات الكر والفر والتفجيرات الانتحارية لكن "الدولة الاسلامية" تعتبر نفسها جيشا وحكومة.

 وقال علي بيند ديان وهو رئيس نقابة للمزارعين في بلدة مخمور قرب ارض تسيطر عليها "الدولة الاسلامية" بين اربيل والموصل "القمح سلعة استراتيجية. وهم يستغلونه قدر ما يمكنهم."

 وأضاف "من المؤكد أنهم يريدون الاستعراض والتصرف كأنهم حكومة."

 ويحتل مقاتلو "داعش" وحلفاؤهم الآن أكثر من ثلث العراق ومساحة مماثلة في سوريا المجاورة. ولا تقتصر مصادر دخل الجماعة على القمح فقط وانما تشمل ايضا "الضرائب" الي تفرضها على أصحاب الاعمال والنهب والفدى للأفراج عن غربيين مخطوفين وبصورة خاصة بيع النفط إلى تجار محليين.

ويقول لؤي الخطيب وهو زميل زائر في مركز بروكينجز الدوحة في قطر إن "النفط يدر ملايين الدولارات كل شهر". ويساعد ذلك في تمويل العمليات العسكرية كما أنه سبب استهداف الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة لحقول النفط التي يسيطر عليها التنظيم في سوريا.

 ويقول تشارلز ليستر وهو زميل زائر آخر في مركز بروكينجز الدوحة إن "التنظيم يقدم نفسها كما لو أنها دولة تماما.. وكي يمكنها الحفاظ على تلك الصورة وهذا التمثيل الحيوي لاستمرار التجنيد والشرعية فانها تعتمد على مصدر مستدام للدخل."

 

 

 الاستيلاء على المحاصيل والمواشي

 وي أوائل أغسطس/ آب تابع المزارع الكردي سعيد مصطفى حسين عبر نظارات مكبرة مقاتلي "الدولة الاسلامية" وهم يحملون القمح بالجواريف الى أربع شاحنات انطلقت لاحقا في اتجاه قرى عربية. وقال حسين انه لا يعرف ما حدث لقمحه لكنه يعرف أن التنظيم يدير أربعة مطاحن في المناطق التي يسيطر عليها ويرجح أن قمحه طحن وبيع.

 وكان له 54 طنا من القمح في مزرعته في قرية بونجينة شمال شرقي اربيل وهو قمح لم يمكنه بيعه الى صومعة حكومية او تجار بسبب القتال في المنطقة.

وقال حسين "ما زاد الطين بلة انني كنت عاجزا عن منع ذلك.. لم يمكنني عمل أي شيء. اخذوا مولدين كهربيين من القرية كنا تسلمناهم حديثا من الحكومة الكردية بعد عملية طويلة جدا."

 ويمنع الفزع السكان من العودة حتى رغم أن المقاتلين الأكراد لهم السيطرة الآن. وقال الجار عبد الله نميق محمود "نعتقد ان الدولة الاسلامية زرعت الغاما لتمنعنا من العودة."

 وتوجد عشرات من القصص المشابهة في مخيمات النازحين في أنحاء كردستان.

 وقال المزارع يونس سعيد الله وهو في الثانية والستين من العمر "هربنا بالاموال والذهب لكن تركنا القمح والاثاث وكل شيء آخر."

واضاف وهو يجلس في خيمة في مخيم تديره الأمم المتحدة على مشارف اربيل "راح كل شيء بنيناه على مدى 20 عاما. عدنا الى الصفر."

بعدما تسبب غزو صدام حسين للكويت عام 1990 في عقوبات غربية على بلاده انشأ ديكتاتور العراق حينئذ نظاما شاملا لتوزيع الغذاء المدعوم في البلاد. ووسع هذا النظام في ظل برنامج الأمم المتحدة "النفط مقابل الغذاء".

 ويقدر جوي جوردون استاذ الفلسفة السياسية في جامعة فيرفيلد في كونتيكت ومؤلف كتاب "الحرب الخفية: الولايات المتحدة وعقوبات العراق" عام 2012 أن ثلثي العراقيين "كانوا يعتمدون بصورة أساسية أو كاملة على دعم الغذاء بين عامي 1990 و2003".

 وصمد النظام في مواجهة الغزو الامريكي وسنوات العنف. وفي السنوات القليلة الماضية ابتلي البرنامج الذي تديره الآن بالكامل الحكومة العراقية "بعدم انتظام توزيعات" الغذاء ما خفض الاعتماد عليه حسب تقرير اصدرته في يونيو/ حزيران منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

وقدر اقتصادي سابق في وزارة الزراعة الأمريكية أن حوالي ربع العراقيين الذين يعيشون في مناطق ريفية كانوا يعتمدون على الغذاء المدعوم قبل أحدث اندلاع للعنف في حين يستخدمه ربع آخر كإضافة تكميلية للغذاء الذي يشترونه.

 وتظهر "الدولة الاسلامية" أن السيطرة على القمح تجلب السلطة. وحين اجتاح المقاتلون شمال العراق في يونيو حزيران سيطروا على صوامع ومخزونات حبوب. وتزامن الهجوم مع حصاد القمح والشعير وتسليم المحاصيل للصوامع الحكومية وتجار القطاع الخاص.

وتسيطر "الدولة الاسلامية" الآن على كل الصوامع التسع في محافظة نينوى التي تمتد على ضفتي نهر دجلة الى جانب سبع صوامع أخرى في محافظات أخرى. وخلال الشهور الثلاثة التي انقضت منذ اجتياح الموصل عاصمة نينوى طرد مقاتلو "الدولة الاسلامية" مئات الالاف من ابناء الاقليات العرقية والدينية واستولوا على مئات الالاف من الاطنان من القمح من الحقول المهجورة.

 

 

وكان احد الاهداف صومعة القمح في بلدة مخمور. وتبلغ سعة الصومعة 250 الف طن أي حوالي ثمانية في المئة من الانتاج السنوي المحلي للعراق في 2013.

وهاجم تنظيم الدولة الاسلامية مخمور يوم السابع من اغسطس/ آب. لكن حتى خلال الاسابيع السابقة على ذلك وجدت الجماعة طريقا الى الصومعة ونظام المشتريات الخاص بالدولة العراقية.

 ويعتقد عبد الرضا عبد القادر أحمد رئيس الصومعة أن التنظيم اجبر المزارعين المحليين على خلط قمح منتج في مناطق أخرى تسيطر عليها "الدولة الاسلامية" مع محصولهم. وباعه المزارعون حينئذ الى مخمور كما لو كان كله زرع في المنطقة. وفي الاسابيع السابقة على الهجوم اشترت الصومعة حوالي 14 الف طن اكثر مما اشترته في 2013. وتبلغ قيمة القمع الاضافي 9.5 مليون دولار تقريبا بالسعر المرتفع بصورة مصطنعة الذي تدفعه بغداد للمزارعين.

 ويعتقد أحمد أن "الدولة الاسلامية" تتطلع لجني أموال من القمح وضمان أن يكون الخبز متاحا للناس في المناطق التي تسيطر عليها.

وفي نواح كثيرة تستنسخ "الدولة الاسلامية" في العراق الاستراتيجيات التي طورتها في سوريا. وعلى سبيل المثال يقول مقاتلو التنظيم انهم في السنة التي سيطروا فيها على مدينة الرقة في شمال شرق سوريا سمحوا للموظفين السابقين من نظام الاسد بالاستمرار في إدارة المطاحن. وأنشأت الجماعة "ديوانا" للقمح مسؤولا عن سلسلة الامداد من حصاد المحصول إلى توزيع الطحين.

 ويمكن أن يرى في العراق نفس المسعى لابقاء الامور تمضي بسلاسة. وتجنب مقاتلو التنظيم دائما تدمير المنشآت الحكومية التي استولوا عليها. وحين سيطرت "الدولة الاسلامية" على أكبر سد في العراق أبقت الموظفين في مواقعهم.

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 1  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •