2016/07/17 15:30
  • عدد القراءات 717
  • القسم : نصوص ثقافة وسياسة

علي حسن الفواز في حوار: فشل التأسيس للمشروع الثقافي أحد أسباب تضخم العنف والإرهاب

 بغداد/المسلة: اعتبر الكاتب والناقد العراقي على حسن الفواز، ان الإرهاب والعنف هما نتيجة لأسباب عميقة ظلت بعيدة عن المراجعة والفحص، وأن تراكم فشل بناء الدولة، وفشل تأسيس المشروع الثقافي مسؤولان عن تضخم ظواهر العنف والإرهاب والكراهية والتكفير، اللي الحدّ الذي أسهم في إفشال التحوّل التاريخي الذي عاشت مظاهره العديد من الدول العربية خلال مرحلة (الربيع العربي).

فيما اعتبر الفواز ان الكثير من المثقفين العراقيين أدركوا خطورة الواقع، لاسيما الصراع الطائفي وفشل بناء الدولة، وهذا ما جعل اغلبهم يبحث عن خطوط أخرى للمواجهة، تلك التي تتعلق بإعادة ترميم صورة (المثقف النقدي) والذي يسعى الى أن يكون صوته عاليا، وأن يكون أكثر جرأة في نقد هذا الفشل المريع، وفي نقد الظاهرة الطائفية التي بدت أكثر رعبا وتعويقا لشرعنة التحوّل الديمقراطي والتنموي.

وفي تقييمه لم يكتبه الشعراء والقصاصون والروائيون، وحتى النقاد، قال ان كتاباتهم ترتقي الى فاعلية التجديد، فيما أكد على ان الأجيال من أكثر الإشكاليات إثارة للجدل في تاريخنا الثقافي، فهو قرين صراعات ثقافية وسياسية وأديولوجية.

غير ان الفواز اعتبر ان المثقف لم يشارك كثيرا في تدوين أحداث التأريخ، بحكم السيطرة المرعبة للسياسي والحزبي والثوري:

 هل يجد المثقف العراقي نفسه أمام وقائع جديدة من الصعب مواجهة تحدياتها، أم أن سيظل يمارس نوعا من الهروب حتى لا يتورط في نتائجها الكارثية؟

-صحيح أنّ المثقف العراقي- شاعرا أمّ قاصا، أم روائيا، أم ناقدا- وجد نفسه أمام تاريخ لم يشارك كثيرا في تدوين أحداثه، بحكم السيطرة المرعبة للسياسي والحزبي والثوري على كلِّ شيء، لكن إعادة قراءة هذه اللا مشاركة ستتبدى عن مظاهر وهزائم أسهم المثقف فيها، لأنه كان شديد الحساسية من السياسي، وهذا غير مبرر بالكامل، فضلا عن كونه مسكونا بالكثير من الوهم والغرور والتعالي، وهو ما أسقطه في فخّ الفرجة والإنطواء، وأحيانا في فخِّ السلبية..

اليوم ندرك ضرورة أنْ يملك هذا المثقف الكثير من الشجاعة، لمواجهة رعب تدوين تاريخ السفالة والقتل والطرد والتهميش، مثلما عليه أن يكون أكثر جرأة في التعاطي النقدي مع أفكار دينية/ طائفية، وقومية ورجعية وجماعاتية باتت تفرض نفسها بوحشية على معطيات الحياة، وعلى صناعة الوعي والرأي العام، وأحسب أنَّ هذه العُقد قد انعكست بشكلٍ أو بآخر على كل أنماط الكتابة، وعلى قدرتها في صناعة الوعي الضدي، أو حتى ملاحقة السياسي والديني الطائفي والفقهي والجماعاتي وهو يفرض أدوات رعبه على المسرح وعلى عمليات انتاج النصوص والأفكار..

الكتابة تحت هذا الهاجس يمكن أنْ تكون نوعا من الخلاص، ومحاولة في التطهير وأنسنة الرعب، وبيان مدى قدرة المثقف على أن تكون وظيفته الأدبية بمستوى التحدي، وبتجاوز راهنية الظروف التاريخية القلقة، ومواجهة مزاج الجمهور الذي يتعرض الآن الى أخطر عملية استلاب في تاريخه.

هل تعتقد أن ما يكتبه الشعراء والقصاصون والروائيون، وحتى النقاد يرتقي الى فاعلية التجديد، والى التماس الأسئلة التي تثيرها الحداثة؟

-قد يأخذنا هذا السؤال الى منطقة اشتباكات معرفية خاصة، والى مقاربات فنية ومهنية، وحتى مناهجية تدخل في أطر نظرية وأسلوبية، لكنها في الجوهر تتعالق مع فكرة الكتابة الأدبية والنقدية ذاتها، فبقدر ما تتطلبه هذه الكتابة من آليات وتمثلات، إلّا أنها تتعالق أيضا مع فضاءات توليد هذه الثقافة والقبول بها وآليات استهلاكها، فما نعيشه اليوم يجعلنا أمام مفارقة مرعبة ما بين الثقافي والاجتماعي والسياسي، وحتى التاريخي، فالكثير مما يجري مصاب بعطب رجعي، ويعيدنا إلى جغرافيا التوحش والرداءة والسلفية التاريخية والدينية، وهذا بطبيعة الحال متقاطع تماما مع شروط الحداثة وتحولاتها واشتراطاتها، وإمكانية التوافق مع ما تثيره من أسئلة.. لذا أجد أنّ هذا الكثير الذي يُكتب ممسوس بهذا التشظي، وحتى الرواية بوصفها ديون العرب الحديث، لم تستطع أن تواجه هذا التغوّل التاريخي، فبدت السرديات أكثر تمثلا للشجن الشخصي، وللهموم التي يعيشها المواطن/ الكاتب، بعيدا عن نقد الظواهر التاريخية والاجتماعية الاستلابية ورعبها، والتي تحولت إلى ممارسات في العنف الاجتماعي والسياسي والديني، والى عمليات ممنهجة للطرد والتكفير والإقصاء..

العزلة التاريخية المُكرَسة للثقافي، وفشل الانتلجنسيا الثقافية العربية في التعاطي مع الأسئلة الوجودية الكبرى، وطبيعة الرعب السياسي للأنظمة العربية جميعها، والانقلابات الدموية، وصعود الجماعات والهويات المقتولة لأن تكون قاتلة، وكذلك فشل التنميات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وسوء ادارة ملفات التعليم المعرفة والخدمات والحوار، كلها أسباب قارة في تعطيل إنتاج البيئة الثقافية الصالحة والمناسبة للحوار الثقافي والقبول بالتنوع والتعدد والمشاركة..

الأجيال الجديدة، موضوع واسع، ومثير للجدل.. كيف يمكن التعاطي مع هذه الأجيال، مع همومها الثقافية والانسانية، ومع طبيعة التحديات التي تواجهها؟

موضوع الأجيال من أكثر الاشكاليات إثارة للجدل في تاريخنا الثقافي، فهو قرين صراعات ثقافية وسياسية وأيديولوجية، مثلما هو انخراطه في لعبةِ منابر ظل صدى خصوماتها الى اليوم، إذ كثيرا ما كان يستغورها السياسي، وتُعتّم على منجزها طبائع علاقتها الملتبسة بالسلطة والمعارضة، حدّ أننا نفتقد الى وجود المثقف(المستقل) و(المثقف النقدي) وحتى حديث(المثقف العضوي) فيه الكثير من الوهم والتعالي والرومانسية..

اليوم نجد أنفسنا أمام معطيات مفارقة، يتوه فيها صراع الأجيال بمعناه النمطي، وتغيب معه صورة المثقف الايديولوجي والمتعالي لنكون أمام صورة غائمة لمثقفٍ مسكون بالاحتجاج والتمرد والرفض، لكنه أقل حكمة ومهنية، فتاريخ الأيديولوجيا في العراق رغم رعبه ورثاثته أحيانا، إلّا أنه كان ممارسة حادة في صناعة الوعي وفي الخبرة وفي القراءة.

الأجيال الجديدة غير خاضعة للمهيمن المركزي للسلطة والأيدلوجيا والطائفة، فهم يبحثون عن وجود بلا حافات، وطبيعة هذا الوجود الزلق يكون أكثر خطورة وهشاشة، لكنهم بالمقابل أقل تلوثا بالأمراض القديمة، بما فيها مرض العزلة، لاسيما مع وجود التقانات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي التي قطعت الطريق على مناطق التغييب التي ظل يعيشها الكثير من المثقفين.. هذه الأجيال وجدت نفسها في غابة من الكتب والتكنولوجيا، مقابل غياب شبه تام لفوبيا القمع السلطوي، وهو ما يجعل مهمة التمثل والتجاوز وصناعة المستقبل أكثر خطورة، لأنهم أمام انهيارات كبرى في كل شيء، وأمام طرق مفتوحة لكنها بلا حراس للذاكرة..

هل هناك ملامح واضحة للكتابات الجديدة في الشعر والقصة والرواية والنقد؟

لاشك في أن التغيرات الحادثة في الوعي وفي البيئة وفي أنماط التواصل الثقافي، وحتى في طبيعة الحاكميات السياسية تنعكس بشكل خطير على ممارسة فعل الكتابة، ولو بشكلٍ ما، لاسيما الشعر الذي فقد الكثير من سلطانيته لصالح الرواية، تلك التي تحولت هي الأخرى إلى محاولة لتمرير العديد من السرديات السرية، بما فيها سرديات المقموع والمسكوت عنه، فضلا عن سرديات الهوية والجماعة والجنس والدين وغيرها..

القصيدة، رغم كل الذي يجري حولها- ظلت مهمومة بمشاغلها الشكلية، وبغياب النقد الذي كان يطارد تحولاتها الداخلية، فالأشكال لم تعد مقدسة، بما فيها قصيدة النثر والعمود، فكل شعراء هذين النوعين ظلوا يمارسون الإشهار بعيدا عن مرقاب الناقد الذي انشغل بمراقبة الرسالة الشعرية وأنساقها المضمرة وحمولاتها السياسية والنفسية، كما أن هذا العصر بدا أقرب إلى إعلان موت(القصة القصيرة) أمام زحف الرواية والقصة القصيرة جدا، ورغم كثرة فضاءات النشر الإلكترونية إلّا أن قراء الأدب يتناقصون مثل الراكضين خلف السراب..

الرواية لوحدها مازالت تملك علبة الصفيح، والنقد تحول إلى منطقة اشتغال معرفي وثقافي، وحتى أقرب للفلسفي والنظري، وسط تشوهات المؤسسة الأكاديمية التي لم تستطع أن تتحول- عربيا وعراقيا- إلى بيئة حاضنة للتحول الثقافي الكبير، والى تأسيس استراتيجيات كبرى تمسّ الصناعة الثقافية وأسئلتها الأنطولوجية..

الإرهاب والعنف بات ظاهرة لها وجود واقعي، ولها أقنعة ثقافية خطيرة.. أين يجد المثقف ذاته في هذا الصراع المفتوح والمباح؟

الإرهاب والعنف هما نتيجة لأسباب عميقة ظلت بعيدة عن المراجعة والفحص، وأن تراكم فشل بناء الدولة، وفشل تأسيس المشروع الثقافي مسؤولان عن تضخم ظواهر العنف والإرهاب والكراهية والتكفير، الى الحدّ الذي أسهم في إفشال التحوّل التاريخي الذي عاشت مظاهره العديد من الدول العربية خلال مرحلة(الربيع العربي) فهذا الربيع الافتراضي كان يمكن أن يكون مدخلا لتحوّل تاريخي كبير، لكنه اصطدم بعجز القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية التنويرية من أن تكون بمستوى الوعي باستحقاقات التحول.. وأنّ ما حدث من فشل نكوصي أسهم بشكل خطير في العزلة الثقافية، مقابل صعود القوى السلفية والجهادية والتكفيرية المدعومة من دول وجماعات معينة، ومن مؤسسات ثقافية واعلامية ذات توجهات طائفية، والذي جرّ معه للأسف الكثير من الممارسات الثقافية الى الظهور، على مستوى صناعة الصورة التلفزيونية المشوهة، وصناعة(الفقيه الفضائي) كما سمّاه الغذامي، وصناعة المحلل السياسي والثقافي والطائفي، وهذه اللعبة الخبيثة واللزجة تورط فيها الكثير من الأسماء الثقافية، وممن يعملون في مؤسسات تدار رساميلها وعقولها الثقافية من دول ومن بنوك ومن جماعات لها أجندات وتوجهات معروفة..

المثقف العراقي هل هو خارج هذه اللعبة، أم يحاول الهروب بعيدا حتى لا يتورط بنتائجها الكارثية؟

لا يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي كثيرا، رغم أنه الأكثر تعرضا للرعب بحكم ما عاناه من تاريخ الاستبداد الطويل، و ما عَلُق من آثار استلابية مع الاحتلال وتداعيات الصراع المدني في الداخل العراقي..

أدرك الكثير من المثقفين العراقيين خطورة الواقع، لاسيما الصراع الطائفي وفشل بناء الدولة، وهذا ما جعل اغلبهم يبحث عن خطوط أخرى للمواجهة، تلك التي تتعلق بإعادة ترميم صورة(المثقف النقدي) والذي يسعى إلى أن يكون صوته عاليا، وأن يكون أكثر جرأة في نقد هذا الفشل المريع، وفي نقد الظاهرة الطائفية التي بدت أكثر رعبا وتعويقا لشرعنة التحوّل الديمقراطي والتنموي، فمظاهر الفساد والخراب والحرب الطائفية هي جزء من مظاهر العطب، والقصور الذي وضع المثقف خارج اللعبة، وربما ورطه في اصطفافات ومواقف وخيارات لا يمكن الحديث عنها بوصفها(كتلة تاريخية) بل هي الأقرب إلى محاولة تشويه صورة المثقف الإصلاحي والتنويري، مقابل صعود وجه الكائن الطائفي المأزوم بعقدة السلطة والمركزة والهيمنة..


شارك الخبر

  • 2  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •  


البحث بالموقع



نرحب بملاحظاتكم وملفّاتكم ومقالاتكم وتقاريركم
على العنوان التالي:
almasalahsources@gmail.com