2016/08/17 13:19
  • عدد القراءات 4258
  • القسم : بريد المسلة

الشهيد الحي.. وعيون أطفاله الذين يأملون الحياة الكريمة

بغداد/المسلة(مراسلون)/ جواد الشمري: رياض ذلك الشاب الفارع الطول كنخلة يتميز بسحنته السمراء الجنوبية وابتسامة ريفية لا تفارق محياه يحمل قلبا يفيض حبا بوطنه، وأرضه المعطاء، شهم وغيور إلى حد الشموخ فيكاد ينفجر شجاعة حين المنازلة.

في ذات صباح يحمل حقيبته ليهم بالخروج من منزله في احدى القرى النائية في الناصرية ليلتحق بوحدته العسكرية في سدة النعيمية في الفلوجة غربي بغداد بعد انقضاء أجازته الأخيرة.

امه وزوجته وبناته وولداه يودعونه وكأنه الوداع الأخير، مشى قليلا فعاد أدراجه فضمهم جميعا، ومضى وعيونهم ترنو اليه وهي تفيض بالدموع، قالت امه بصوتها الشجي الحنون (وداعة الله يرياض يمه )

أبناء الجنوب رغم الحياة القاسية وشظف العيش وفقر الحال نتيجة لسياسات النظام البائد والحالي يتميزون بانهم عراقيون إلى حد الجنون , ويعد رياض مثالا للحرمان الذي مارسته الحكومات المتعاقبة التي اتخذت من هؤلاء الفقراء وسيلة لتحقيق غاياتها الدنيوية في المال والجاه والسلطة والمناصب والمكاسب فهم يزدادون ثراءً وأبناء العراق يزدادون فقرا وحرمانا.

وصل رياض وحدته العسكرية وبقي هناك عشرين يوما إلى صبيحة يوم 26 من شهر كانون الثاني عام 2014 وهو يوم الهجوم من قبل تنظيمات داعش الساعة السادسة صباحا على وحدته مغاوير الفرقة الخامسة مع رفاقه وكان عددهم احد عشر جنديا بعد حصار دام ثلاثة ايام.

استمر الهجوم عليهم خمس ساعات وهم يدافعون عن انفسهم بما يملكوه من عتاد وذخيرة لم تصمد طويلا مع نفاذ أرزاقهم من الماء والمواد الغذائية مع انهم أرادوا النجدة عدة مرات فلم ينجدهم احد او يسعفهم علما ان هذه الحالات طالما تكررت كثيرا في أماكن عدة في مناطق المواجهة مع داعش فاستشهد واسر العديد من الجنود بهذه الطريقة حيث انهم يبقون يقاتلون حتى تنفذ ذخيرتهم فيجهز العدو عليهم.

كان الاشتباك مع العدو مستمرا وفي تمام الساعة التاسعة صباحا أصيب رياض ورغم إصابته ظل يقاتلهم بكل شجاعة وبسالة وصمود.

استشهد أربعة من رفاقه وتم اسر الستة الباقين الا هو استطاع التخفي عن الأعداء خلف بناية صغيرة لكنه ظل يشاغلهم بما بقي عنده من إطلاقات أخيرة وهم يحوطونه من كل جانب.

هنا شعر إنها الدقائق الأخيرة من حياته تذكر أهله وأحبته وذويه، اخرج جهاز الهاتف فاتصل بأخيه واخبره بما جرى له, وقال له اعطني والدتي لأتحدث معها قال لها: امي الغالية انهم يقتربون مني ولم يبق بيني وبين الموت إلا وقت قصير جدا ( ابريني الذمة يمه ) فسقط الهاتف من يدها وهي ترتجف وتصرخ.

فأخذت زوجته ربيحه التلفون وسلمت عليه واخذ منها البراءة والسماح وأوصاها بأمه وبناته الخمسة وولديه الاثنين.

تحدث مع بناته وأوصاهن بأختهن الصغيرة المعاقة خيرا وسط بكاء الجميع ونحيبهم فتم قطع الاتصال الأخير بينه وبين أهله وأحبته.

قاتلهم قتال الأبطال ولم يعطهم بيده إعطاء الذليل ولم يقر لهم إقرار العبيد فلم يستسلم حتى رموه بقنابل يدوية من خلف الجدار لانهم لم يستطيعوا مواجهته رغم انه بقي وحيدا مصابا عطشانا جائعا غريبا.

بعدها بساعة رن جهاز الهاتف، أجاب أخوه (نعم خويه رياض) واذا بصوت غريب ليس صوت اخيه قائلا: لقد قتلنا ابنكم ايها الرافضة الكفرة وكفاكم ان ترسلوا أبنائكم إلى مناطقنا وأرضنا ليدنسوها سوف نقتلهم جميعا واحدا واحدا.!

أما رفاقه الأسرى فقد اقتادهم الأعداء وطافوا بهم شوارع المدينة وهم يكبرون الله في اعتقادهم انهم منتصرون فوصلوا بهم إلى احد المساجد ليذبحوهم كالخراف وسط التهليل والتكبير من جميع الحاضرين.

بقي رياض ورفاقه الشهداء مدة سنتين ونصف بعد ان جاء رجل يدعى كريم من أهالي الفلوجة وقام بدفنهم قرب جامع الرحمن واتصل باهلهم وارشدهم إلى عنوان الدفن ذاته.

مضت الأيام ومازال أهله ينتظرون اليوم الذي يستطيعون الوصول إلى جثمانه الطاهر لكي يقوموا بدفنه وإقامة مراسم العزاء على روحه الطاهرة.

وبعد تحرير مدينة الفلوجة اصبح الطريق سالكا ومؤمنا فاتصل شقيق الشهيد رياض بالعم كريم الذي قام بعملية الدفن المؤقت لجثامين الشهداء، وتم اجراء اللازم وحان اللقاء وماهي إلا ساعات واذا بالسيارة تحمل صندوقا خشبيا وضع عليه العلم العراقي تصل إلى قرية البو حوالة في ناحية سديناوية قضاء الناصرية عشيرة ال ازيرج وهنا اجتمع الأهل والأقارب والجيران والكل ينتحب ويبكي الشهيد ويعزي احدهم الآخر.

كانت زوجته ربيحه مذهولة لهول ما أصابها من فقد رفيق دربها وأبى ولادها وبناتها الخمس ومن ضمنهم الصغيرة المعاقة.

استذكرت أيامها معه واسترجعت ذكرياتها، وكيف حدث زواجها منه، عندما قال له اخوها وهو صديق الشهيد سوف أزوجك اختي لأنك صديق وفي ورجل شهم وغيور وانا أريد لأختي فارسا مثلك فكان موقفا مؤثرا ورائعا.

وهنا تنتبه ربيحه وقد أعياها البكاء والصراخ والعويل واذا بها فجأة تسأل الحاضرين هل تأكدتم انه رياض.؟ قالوا لها نعم، قالت لهم وكيف ذلك.؟ أجابوها انه هو من ملابسه ومن هويته في جيبه إضافة إلى الدليل الذي قام بدفنه واتصل بنا حينها قالت لهم: دعوني أراه واذا به بقايا جسد أكله التراب وغيّر محاسنه وشوّه وجهه الجميل.

قالت لهم: انه نعم هو رياض وعلى حين غفلة من الحاضرين سحبت سلاحه الشخصي ووضعته في بطنها وأطلقت على نفسها النار معلنة اللحاق به على طريقتها ونهاية قصة حياتها.

فكانت فاجعة ومأساة لا توصف لجميع الحاضرين..

وترك رياض وربيحه سبعة أيتام اثنين من الأبناء وخمس بنات إحداهما معاقة مع جدتهم الطاعنة في السن في بيت طيني في قرية نائية في الجنوب العراقي.

أقول في كل بلدان العالم نسمع عن المآسي والفواجع والآهات لكنها في العراق لها طعم وشكل آخران..

 


شارك الخبر

  • 9  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •