2017/09/01 14:45
  • عدد القراءات 1139
  • القسم : نصوص ثقافة وسياسة

تلعفر وآلام الانتصار

 

رضوان العسكري

عادةً ما تحتفل الشعوب بالإنجازات المتحققة في بلدانها، كأن يكون انتصاراً عسكرياً أو فوزاً رياضياً أو بناءً معمارياً...الخ، فتصدح الحناجر بالأناشيد والأغاني الوطنية، وتعلق الزهور على أبواب البيوت، وتدق اللافتات على الطرقات إيذاناً بالنصر المتحقق، فكثيراً من كتب عن الفرح بالانتصارات على الإرهاب في الموصل، والسعادة الغامرة بإنهاء حلم الدولة الداعشية، وأنا اكتب عن آلام الانتصار، والحزن العميق بعد القضاء على دولة داعش.

بين ليلةٍ وضحاها سقطت ثلاث محافظات بيد داعش، آلاف الشباب ذبحوا على يد دولة الإرهاب، أطفالٌ أُحرِقَتْ, نساءٌ أغتُصِبتْ, شيوخٌ قُتِلتْ, أموالٌ نُهِبتْ, بِيوتٌ هُدِمتْ، لكنّ الغريب أن الفرح كان يتلألأ في عيون مواطنيها بقدوم داعش، وارتفع صخب أصوات الأهازيج بدخولهم, ونحرت الأضاحي بقدومهم, وتكالب بعض رجال الديّن وشيوخ العشائر على مبايعتهم, وتبارك ساستهم فيما بينهم علناً، لذلك الفتح في محافظاتهم، وأهدِيتْ الصبيان غلماناً لهم, وقُدِمتْ النساء جوارياً بين أيديهم، وكأن داعش فاتحين وليسوا غاصبين لأرضهم ومنتهكين لديارهم.

 لن تمر إلا شهور قلائل حتى بدأت تتعالى صرخاتهم, ويرتفع صوت نحيبهم، يطلبون إنقاذهم من بطشِ الإرهاب وسطوته، فاختفوا ساستهم, وأزيلت منصات خطبهم, التي كان يعلن من عليها تباشير الفتح, وإصدار بيانان الترحيب بالعصر الجديد، وغابوا عن شاشات الإعلام المأجور, الذي كان يغيب الحقائق بحقيقتها, ويدلس الوقائع ويزيفها, وأصبحوا أهليهم أجانباً, وأبنائهم أغراباً, وناخبيهم إرهاباً، وكأن الأمر لا يعنيهم بشيءً، حينها كانت جحافل القوات الأمنية بكل صنوفها، مدعومةً بالحشد الشعبي، تحركت وهي تحمل مناياها على راحات أكفها, مؤتزرةً بأكفانها, أقسمت بكل ما هو مقدس، أنها لن تعود لا بنيل إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وفازوا بالاثنتين  فحققوا النصر ونالوا الشهادة، وهذا ليس بغريب عليهم، فهذا الذي تربوا وترعرعوا عليه.

لكن الذي يدعو للغرابة والاستهجان، ويزيد من حرقة القلب لدى الكثير من العراقيين، أن سياسييهم الذين دفنوا رؤوسهم تحت التراب كالنعّام، عندما تعالت أصوات أهليهم وأبنائهم وناخبيهم بطلب بتحريرهم، فأخرجوها اليوم مغطاةً بأتربة الخيانة وغبار العار، وهم يردون الجميل للمحررين والمضحين بطلب الخروج من أراضيهم وتركها لأبنائهم، أبنائهم الذين كانوا بالأمس يهبون أعراضهم للإرهابي الأجنبي, أبنائهم الذين كانوا بالأمس جزءً لا يتجزأ من داعش، أضحوا اليوم هم أهل الديار، وأبنائنا المضحين هم الغرباء، أبنائنا الذين لم يبخلوا بأرواحهم من اجل العراق.

 قد استغرب البعض من عبارة "آلام الانتصار"، نعم هناك آلام وحزن عميق ليس من الانتصار ذاته، وإنما من تصرفات من تم تحريرهم، وإرجاع بناتهم وزوجاتهم اللاتي كنَّ سبايا وجواري لدى داعش، الذين احتفلوا بالأمس بدخول الإرهاب وتقديم القرابين بين أيديهم، لم نسمع احتفالهم بعودة أراضيهم وتحريرها، ولم نسمع تلك الأهازيج التي تغنوا بها سابقاً أن تغنى لهم، ولن نسمع أشعاراً موصلية ينشدونها لأجل الانتصارات والتحرير، ولم يشكرهم احد على تضحياتهم، بل أصبح رد الجميل هو المطالبة بخروجهم من المحافظات التي حرروها بدمائهم، ولم يكتفوا بهذا القدر فأخذوا يتهمونهم بما ليس فيهم يروجون الأكاذيب والدسائس ضدهم.

 الفتنة والطائفية والتناحر لا تبني الوطن, ولا تحمي الشعب, ولا تضمد الجراح, ولا تحيّ الأمم بعد موتها، قُضِيَ على الإرهاب واجتثت جذوره، وتحررت الأراضي, وأُعِيدت الدور لساكنيها، بسواعد العراقيين جميعهم، وبكل تشكيلات وصنوف القوات الأمنية، وبمختلف أنواع الدعم من الخيرين، ولا ينقصنا سوى أن نسمع الأناشيد الوطنية التي تدعو  للوحدة والتعايش السلمي، والأهازيج التي تشعر الجميع بانتمائهم لذلك الوطن، بفتوى المرجعية وسواعد الأبطال، تلعفر أصبحت تل الظفر والانتصار.

 

المصدر: بريد المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   0
  • (1) - مواطن عراقي
    9/1/2017 4:07:44 PM

    هولاء السياسيين الذين تتناولهم ياكاتب المقال انتهوا وصاروا تأريخ ولا احد من ابناء هذه المناطق الشرفاء سيشتريهم بفلسين لذلك ارى من الخطا اعطاء اهميه لهكذا اقاويل ومن الخطأ تناولها في الاعلام . اليوم يوم تضميد الجراح والتصالح والتعانق والخروج من عبودية المذهب والعشيره وهنا يقع العبأ الاكبر على المنتصر لكي يكون متسامحا بنصره ويقع عليه مسؤوليه اجتثاث الافكار السابقه بالتفريق بين الناس على اساس المذهب والعشيره والمنتصر والمهزوم ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب في السلطه بغض النظر عن المذهب والعشيره والشروع ببناء الامه العراقيه والمواطنه العراقيه والتخفيف من نبرة العصبيه القبليه والمذهبيه وروح التشفي بالاخر الذي مازال قويا وعاليا في وسائل الاعلام العراقيه للاسف . .



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •  


البحث بالموقع



نرحب بملاحظاتكم وملفّاتكم ومقالاتكم وتقاريركم
على العنوان التالي:
almasalahsources@gmail.com