2017/09/04 03:30
  • عدد القراءات 5937
  • القسم : آراء

الاستراتيجية الأميركية على المحك..النجاح في العراق يجعله مصدر الإشعاع

بغداد/المسلة:  

كتب توماس فريدمان:

أمضيتُ مؤخراً ثمانية أيام في السفر مع القوات الجوية الأميركية إلى كل قواعدها المتقدمة في أفغانستان والعراق والكويت وقطر والإمارات. وبالتالي، فإن الخطاب الذي ألقاه الرئيس ترامب مساء الاثنين كان جد مواتٍ زمنياً لي، لكنه كان مثيراً للقلق أيضاً. ذلك أنه كان مليئاً بالعبارات المنمقة والصور النمطية، وحافلاً بجمل من قبيل «سوف نكسر إرادتهم»، ومفتقراً للتفاصيل.. وأهم من ذلك أنه كان مفتقراً للواقعية في مواجهة مشكلات منطقة أحبطت رجالاً كثيرين من قبل، لدرجة أني لا أعرف في أي اتجاه يريد الرئيس أخذنا.

وقد كنتُ متفقاً تماماً مع ما قاله الرئيس من أن رجالنا ونساءنا الذين يخدمون في الشرق الأوسط «يستحقون العودة إلى بلد ليس في حرب مع نفسه في الداخل». لكن حديث رجل فعل الكثير ليقسّمنا خلال الأشهر الأخيرة إرضاءً لـ«قاعدته» فقط، مستعملاً جنودنا وسيلةً للإشادة بفضائل الوحدة الوطنية، أصابني بالغضب.

وعلى أي حال، ولما كنتُ لا أستطيع تفسير شرق أوسط الرئيس دونالد ترامب، فدعوني أفسّر لكم ما شاهدته هناك، وبخاصة ثلاثة أشياء: لقد رأيتُ طريقة جديدة لخوض الحرب من قبل الولايات المتحدة في العراق. ورأيتُ في هذه الحرب الجديدة استراتيجيةً تقدِّم على الأقل بارقة أمل بالنسبة للعراق، متى ما تمت هزيمة «داعش». لكني رأيتُ في أفغانستان، وإن من خلال زيارة قصيرة فقط، طريقاً مسدوداً، مع المشاكل نفسها التي قوّضت الاستقرار هناك لسنوات: الفساد الحكومي، انعدام الثقة بين الأفغان، وتدخلات كل من باكستان وإيران.

ولعل أفضل طريقة لأشرح بها الجديد في العراق هي من خلال مشهد وقع أمامي ناظري يوم السبت من الأسبوع الماضي، حيث كنا في خلية القصف المشتركة في إربيل، بكردستان العراق، وهو المكان الذي تأتي إليه صورُ القوات الجوية المتعددة على الهواء مباشرة من الطائرات من دون طيار وطائرات التجسس «يو2» والأقمار الصناعية والمقاتلات الأميركية ومقاتلات قوات التحالف. ويقوم الضباط هناك بالتنسيق مع قوات الجيش العراقي المحارِبة على الميدان، ومع مستشاريهم العسكريين الأميركيين الموجودين خلف جبهة المعركة بمسافة قصيرة، لضرب أهداف «داعش» في وقت بدأ فيه الجيش العراقي زحفه غرباً.

بعد استعادته الموصل، أخذ الجيش العراقي يدفع «داعش» نحو وادي نهر الفرات. وكان هذا اليوم الثاني لزحف العراقيين غرباً، وكانوا يواجهون مقاومة في بلدة صغيرة على الطريق إلى تلعفر التي كان يسيطر عليها التنظيم الإرهابي. العديد من الأعين الأميركية في السماء كانت تركز على مبنى هناك مؤلف من طابق واحد وبسطح منبسط يناهز عرضه 10 أمتار، ويقع بين مبنيين أكبر حجماً. وكان الجنود العراقيون الذين يزحفون نحو هذا المبنى يتلقون نيراناً كثيفة من أسلحة صغيرة من الداخل، ما يعطّل تقدمهم على بعد نحو 150 متراً.

كان مستشاروهم الأميركيون يرسلون كل هذه المعلومات إلى خلية القصف في الوقت الحقيقي. وفي الأثناء، كان آخرون في خلية القصف يجلسون أمام شاشات حواسيبهم يحسبون حجم القوة النارية اللازمة لقتل مقاتلي «داعش» وعدم إيذاء أي مدنيين قد يكونون على مقربة من المكان. ثم قاموا بجرد سريع للأسلحة المتبقية على المقاتلات الأميركية في المنطقة، ومعرفة أي منها لديه أي نوع من القنابل الذكية.

معالجة هذا الأمر ستتطلب وقتاً طويلاً، لكن إذا أصلحنا أفغانستان، فإننا سنصلح أفغانستان وحسب. أما إذا  النجاح في العراق، فهذا يعني إننا سنخلق نموذجاً يمكن أن يصبح مصدر إشعاع عبر العالم العربي، لأن العراق يمثّل نموذجاً مصغراً للعالم العربي، بسنته وشيعته، أكراده وتركمانه ومسيحييه وغيرهم من المكوّنات الأخرى.

وبعد ثوانٍ معدودة سُمع نداء «أُخرج السلاح، 30 ثانية» في وقت أَطلقت فيه مقاتلة من طراز «إف 15 إي» قنبلةً ذكية بزنة 226 كيلوغراماً وموجهة بوساطة نظام تحديد المواقع «جي بي إس». وبعد ذلك، أظهرت الشاشات القنبلة وهي تسقط مباشرة عبر السطح.

«لدينا انفجار!»، هكذا قال أحد المراقبين بنبرة رتيبة في وقت غشى فيه الدخان شاشة الفيديو. لكن بسرعة انقشع الدخان ليكشف عما تبقى من المبنى الذي يبلغ عرضه 10 أمتار وقد استحال أنقاضاً، ولكن المبنيين المتاخمين له كانا سليمين تماماً، وبالتالي فإن أي مدنيين في الداخل يفترض أنهم لم يصابوا بأذى.

تلك هي الحرب الحالية في العراق، وباختصار شديد.

والواقع أنه على مدى عدة سنوات كنا نقيس انخراطنا في حروب الشرق الأوسط بوساطة مؤشرين اثنين هما عدد الجنود الذين على الأرض وعدد من قضوا على ساحة المعركة. وبسبب ذلك، فإن معظم الأميركيين اليوم لا يعيرون اهتماماً كبيراً للعراق، حيث تقلص عددُ جنودنا على الميدان هناك إلى بضعة آلاف، وحيث لم يسقط سوى 17 قتيلاً فقط في صفوف العسكريين الأميركيين منذ أن عدنا إلى العراق من أجل القضاء على «داعش» في عام 2014.

لكن القصة الحقيقية هي قصة الأجنحة في السماء. ذلك أننا منخرطون في عمل عسكري ضخم في العراق، وإن بقوة جوية تقليدية ضخمة، إضافة إلى قوات خاصة غير تقليدية، تقوم بتدريب وتوجيه الجيش العراقي الذي يقوم بالقتال على الأرض. وهذا يجعل وجودنا في العراق أكثر قابلية للاستمرار، لنا وللعراقيين.

أما الحرب في أفغانستان فهي للأسف مختلفة. فعنصر القوة الجوية موجود، لكن القوات الخاصة الأميركية ما زالت تتحمل العبء الأكبر من الحرب. ومساء الاثنين الماضي، تحدّث ترامب على نحو يوحي بأنهم سيفعلون أشياء أكثر الآن، هذا علماً بأننا لا نملك هناك الشرعية التي بتنا نشعر بها اليوم في العراق.

وإلى ذلك، فإن الأمن الشخصي لحلفائنا الأفغان ما زال في حدوده الدنيا. فقد وقفتُ على مدرج الطائرات في قاعدة باغرام واستمعتُ إلى طيار أفغاني مدرب من قبل الولايات المتحدة قال لي إن آخر شيء يفعله قبل الصعود إلى مقصورة الطائرة هو الاتصال بعائلته قصد الاطمئنان على أطفاله والتأكد من أنهم لم يتعرضوا للخطف من قبل «طالبان» الذين يعرفون أنه يعمل مع الولايات المتحدة وقد هددوه مرات عدة.

والواقع أن كون ذلك الطيار ما زال مستعداً للطيران مع قوات الولايات المتحدة شيءٌ يتطلب شجاعة حقيقية. إنه يريد شيئاً مختلفاً لبلده، وهو ليس الوحيد الذي يريد ذلك. لكن هل يمثّل الأغلبية في أفغانستان؟ من الواضح أن لديه جيراناً يرون أننا، أو الحكومة الأفغانية التي ندعمها، غير شرعيين. إنها الفكرة السائدة. والثقافة تنتصر دائماً على الاستراتيجية.

معالجة هذا الأمر ستتطلب وقتاً طويلاً، لكن إذا أصلحنا أفغانستان، فإننا سنصلح أفغانستان وحسب. أما إذا  النجاح في العراق، فهذا يعني إننا سنخلق نموذجاً يمكن أن يصبح مصدر إشعاع عبر العالم العربي، لأن العراق يمثّل نموذجاً مصغراً للعالم العربي، بسنته وشيعته، أكراده وتركمانه ومسيحييه وغيرهم من المكوّنات الأخرى.

نيويورك تايمز - صحف عربية


شارك الخبر

  • 5  
  • 6  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 1  
    •   4
  • (1) - ابو رامي
    9/4/2017 9:14:02 AM

    مسؤولية امريكا اصلاح ما افسدته في العراق , فقد كان عليها كمحتل ان تصنع نظاما متماسكا قويا موحدا قويا قبل مغادرته او الاصح هروبها منه عام 2011



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •  


البحث بالموقع



نرحب بملاحظاتكم وملفّاتكم ومقالاتكم وتقاريركم
على العنوان التالي:
almasalahsources@gmail.com