2017/10/05 22:00
  • عدد القراءات 2624
  • القسم : وجهات نظر

"السيدة نرجس" تستغيث

ثامر الحجامي

تنادي بأعلى صوتها وتستغيث: انظروا إلى حالي وأنقذوني مما أنا فيه، فليس لي طاقة بعد، على حمل ما كلفتموني به، بعد أن تركتموني جثة هامدة، لم تمدوا يدكم لمساعدتها وجعلها تنهض من جديد، وكأنكم لا ترون حالي ولا تسمعون استغاثتي، وأنا صاحبة الفضل عليكم، فأي قوم انتم ؟!.

في صبيحة الأول من تشرين الأول، صحوت باكرا على صوت طفلتي، وهي تجهز نفسها بفرح وسرور والابتسامة تملأ محياها، استعدادا ليومها الأول في عامها الدراسي الجديد، وهي على أعتاب مرحلة جديدة من الدراسة المتوسطة، بعد أن أنهت مرحلتها الابتدائية بتفوق، لذلك كان لزاما علي مرافقتها، وإيصالها إلى مدرستها الجديدة التي تسمى متوسطة "السيدة نرجس"، وليتني لم اذهب وأصل إلى ذلك الباب الحديدي المتهالك، الذي يكاد أن يسقط بمجرد محاولة فتحه.

بعد وصولي للإدارة؛ ومحاولة نقل ابنتي من هذه المتوسطة إلى أخرى غيرها، اكتشفت أنها المتوسطة الوحيدة، في مدينة فيها أربع مدارس ابتدائية خاصة بالبنات فقط، ولا خيار أمامي إلا هذه، فقد تمّ تهديم المتوسطة الأخرى قبل ثلاثة سنوات من اجل إعادة بنائها، ولكنه لم ينجز إلى هذا اليوم، بعد أن أوقف صرف الأموال اللازمة لإكمال البناء، كما أن هناك متوسطة خرسانية أخرى، وصلت الأعمال فيها إلى مراحل متقدمة، ولكنها تركت مرتعا للكلاب والحيوانات السائبة، منذ خمس سنين.

فخرجت من الإدارة؛ ونظرت إلى هذه المتوسطة ذات الجدران المتهالكة، والساحة الترابية والجدار الآيل للسقوط،  والمرافق الصحية ذات الأبواب المتكسرة والرائحة العفنة، فوجدتها تموج بأعداد الطالبات اللاتي ازدحمن فيها، فصفوف المرحلة الأولى تجاوزت الستة صفوف، في كل صف ما يزيد على أربعين طالبة، بعضهن افترشن الأرض لعدم وجود كراسي كافية، حتى تم إفراغ مخزن المدرسة من اجل استيعاب أعداد إضافية من الطالبات، يحشرن بين أربعة جدران، وكأنهن دجاج يوضع في أقفاص البيع.

مدرسات حائرات بحجم الجموع الطلابية المكتظة بها هذه المتوسطة، التي يتحتم عليها استيعاب القادمات من أربعة مدارس ابتدائية، وكتب ممزقة لا تغطي الحاجة، فمعظم المناهج الدراسية لما يتم تجهيزها إلى المدارس بعد، ونقص في التدريسيين لكثير من المواد الدراسية، وقرطاسية أبتلي بها أولياء الأمور يتحتم عليهم شرائها من الأسواق، بعد عجز وزارة التربية عن تجهيزها، وعام دراسي ينبأ انه فاشل بامتياز كسابقه، الذي ظهرت فيه نتائج النجاح  في مدارس العراق مخزية، ولا معالجات تلوح في الأفق فالحال إلى الأسوأ.

وستبقى متوسطة "السيدة نرجس"، وغيرها كثير من مدارس العراق تشاركها المعاناة والإهمال، دون أن يلتفت احد إلى  ما يعانيها الطلبة في مدارسهم وطرق تعليمهم، ووضع الجميع رأسه في الرمال، من الصرخات التي تدعو لإنقاذ الوضع البائس، والانهيار الذي يعانيه الواقع التربوي في العراق، الذي كان الجميع يأمل انه سيشهد ثورة في التطور، ولكن جاءه الإيعاز "إلى الوراء در".

المصدر: بريد المسلة


شارك الخبر

  • 1  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •