2017/11/28 10:49
  • عدد القراءات 1459
  • القسم : بريد المسلة

كروستوف كولومبوس وأمريكا

تابع المسلة عبر قناتها في تطبيق التلغرام
https://t.me/almasalah
-----------------------------------

بغداد/المسلة: 

محمود الفلاحي

رحلة كولومبوس والتي ادت الى اكتشاف امريكا كانت خلفها دوافع دينية حيث كتب في يومياته بتاريخ "26/12/1492 "عن رغبته في ان ينكب الاسبان ثلاث سنوات كاملة على حصاد ذهب العالم الجديد ليمد به عرش اسبانيا ما يستطيع من قوه وعتاد لازمين لتحرير اورشليم.

ثم انه كتب الى الملكة ازابيلا والى البابا يحضهما على انفاق غنائم امريكا وثرواتها في سبيل تحرير "اورشليم" وفي هذا السياق فان الكنيسة الباباوية كانت قد شرعنت الاستكشافات الجغرافية واعطتها بعداً دينياً على فرض ان ما سيتم استكشافه من بلدان سوف يتم نشر الديانة المسيحية فيها وهذا سوف يعطي زخماً جديداً للمؤسسة الكنسية في صراعها مع الممالك الاوربية، حول موضوع من يتبع من، سيما وان ما يتم استكشافه من ثروات واسواق جديدة سوف ينعش العملية الاقتصادية داخل حدود القارة العجوز.

وسمي المهاجرون الاوائل الى امريكا انفسهم "بالحجاج" ومن خلال هذا التبرير الديني جاء الربط  بين تلك الهجرة وما ورد في العهد القديم عن  "الارض الموعوده" وكيف ان الرب بشر ابناء يعقوب بأرض بلا شعب تكون موئلاً لأبنائه وهذه الارض هي امريكا وبهذه الادلة تم استقطاب عشرات الآلاف لغرض نقلهم الى العالم الجديد لغرض إستعماره وعلى ذلك فان تاريخ الدين المدني في الولايات المتحدة كما يروي المؤرخ "كون راد شيري" ولدت  القناعة الراسخه بان الامريكيين هم الاسرائليون فعلاً وشعب الله المختار حقاً.

اقامة دولة

 كانت المطالبات باقامة دولة علمانية اساساً لغرض الوقوف بوجه الكنيسة الاسقفية البروتستانتية وحماية الاقليات المسيحية من هيمنتها حيث تحالف كل من الإنجيليين والمفكرين اللبراليين خشية من قيام نظام حكم يجمع السيفين الروحي والزمني لحماية مصالحهم وحقوقهم الشخصية ولذا يستطيعون الوقوف على قدم المساواة مع باقي الطوائف تلك الخشية وذلك الخوف مبني على الخلفية المعرفية التي تم اكتسابها من التجربة مع تسلط الكنيسة في اوربا القديمة وكيف ان الكنيسة تمادت بعد ان اكتسبت حق السيادة بناءاً على ظهور نظرية السيفين في نهاية القرن الخامس التي بشر بها البابا "جلاسيوس الاول" والتي تقضي بتكريس مبدأ سيادة كل من السلطة الروحية والسلطة الزمنية اي الكنيسة والحاكم وتحديد اختصاصات كل منها في اطار المشاركة والتعاون بينهما واضحت قاسماً مشتركا" لمفكري الطرفين حينما اشتدت المنافسة بين البابا والامبراطور وكيف ان للكنيسة سيف تستطيع امتشاقه متى ما ارادت الى جنب سيف الحكم او الملك ليصيب الضعيف سيف الملك تدريجياً لصالح سيف الكنيسة والذي بموجبه اصبحت الكنيسة هي من تتوج الملوك في حين لم تكن هناك اي سلطة من قبل الدولة.

والسبب ان الكنيسة أصبحت مؤسسة اقتصادية لها استقلالية تدير اقطاعيات كبيرة في كافة انحاء اوربا ونتيجة لما تفرضه هذه المؤسسة من ضرائب على المزارعين فلقد استطاعت الكنيسة ان تخرج من اطار سلطة الملك لتبني نظامها المالي باستقلالية عالية مكنتها من ان تغضب من تشاء من الحكام بل وحتى استبدالهم حينها تشعر بان الملك يهدد حقوق الكنيسة المكتسبة لذلك شعرت البروتستانت بالمزاحمة من قبل الكاثوليك الوافدة الجديدة الى امريكا من حيث مشاركتها لما حققته البروتستانتية من امتيازات وسلطات دينية في مواجهة الدولة الامر الذي دفع البرتستانت بالمطالبة بتطبيق المبدأ النظري لفصل الدين عن الدولة.

مبدأ الفصل

وقد تم لهم ذلك حين تقرر ادخال مبدأ الفصل في صلب الدستور الامريكي الذي عدل التعديل الدستوري الاول عام 1789 ونص على ما يلي"لن يصدر عن الكونكرس اي قانون بصدد ترسيخ الدين او منع ممارسته وقد يشكل الدين قوة اجتماعية دافعة باتجاه التحول او التغيير الاجتماعي للمجتمع" لاسيما في بداية تشكله كما هي التجارب الدينية الواضحه في التاريخ البشري فالمسيحية ثم اعقبها الاسلام شواهد حية على تاثير الدين على المجتمع وكذلك البعد الديني فالحراك الاجتماعي الذي حصل في المجتمع الامريكي في النضال من اجل الحقوق المدنية والكفاح ضد العبودية وايضاً مطالبات زعماء التحرر وما ادته تلك الثيولوجيا من دور اجتماعي وسياسي في اصطفافها مع مصالح الشعب والمطالبة بحقوقه المدنية والسياسية كل تلك الحوادث جعلت من الدين عموماً ومن استخدام بعض مفرداته على مستوى التنظير او على مستوى الممارسة في الطقوس العبادية المختلفه عوامل حركة مهمة لاي مجتمع ولا يستثنى المجتمع الامريكي من هذه القاعدة فتبلور الافكار وصياغتها كانت في الغالب ذلك الحراك المستند على الدين.

ان السياسة الامريكية التي وضعها الاولون للمجتمع الامريكي ورسخت سياسة الذين جاءوا من بعدهم تستند على الفكر الديني فالمحافظون في بداية القرن العشرين متاثرون باليمين المسيحي منذ اليوم الاول لتشكيل امريكا فالمفكر المحافظ
"ادموند بيرك" صاحب كتاب تأملات في الثورة الفرنسية انهم اثروا في الفكر المحافظ للسياسيين الامريكان حيث يرى ان اغلب المختصين هو الاب الروحي للمحافظين الجدد "ليوشتراوس" كما يرى ان الولايات المتحده يجب ان تبنى على الافكار "الشترواسية" وهي:

1- رفض الحداثة وتفضيل الحفاظ على الاوضاع القائمة.

2- استخدام الدين كاداة للسيطرة على الجموع.

3- لاتكون الديمقراطية قادرة الا اذا امتلكت قوه عسكرية باطشة. 

4- استعمال الكذب والخداع للمحافظه على السلطة.

5- فرض الدين على الجماهير.

6- استعمال القوه لكبح العدائية لدى البشر من خلال قوه دولية كابحة.

7- يجب ان يكون الحكم محصوراً في ايدي النخبة المثقفة الصفوة.

8- الايمان بالريادة الامريكية الخيرة.

 نجد ان اكثر المفكرين الامريكان متاثرين بالافكار من العهد القديم حيث يبينون "هرمجدون" هي معركة فاصلة تقع في اخر الزمان حسب رؤية يوحنا تقع بين الخير مجتمعاً ممثلاً بالمسيح النازل من السماء وجيشه الذي يضم ملائكة السماء مع 144"الفاً من ذرية يعقوب والشر مجتمعاً ممثلاً بـ"جوج" الشيطان وجيشه المكون من "200" مليون مقاتل في سهل مجدون الذي يقع بين لبنان وفلسطين وتنتهي المعركة بعد ان يصل فيها الدم الاعنة الخيل بانتصار المسيح وجيشه ويقوم المسيح بربط التنين والنبي الكذاب بسلسلة عظيمة ويتم طرحهم في هوة عظيمة من النار والكبريت ليعذبوا ليلاً ونهاراً لمدة الف عام كي لاسيتطيع الشيطان خلال تلك الالف عام من غواية احد من المؤمنيين وتنعم الارض في تلك الاف عام المجيدة تحت تحكم المسيح بالسلام والرخاء والطيبة.

أما كتاب المشناة سيعنى المثنى او المكرر هو تسجيل للشريعة وهي مجموعة مؤلفات وبحوث احبار اليهود وربابينهم المنتمين الى فرقة الفريسيين ففي شؤون العقيدة والشريعة والتاريخ المقدس الف في القرنيين الاول والثاني بعد الميلاد ثم شرحت هذه المنشاة فيما بعد واطلق على هذه الشروح اسم الجمارة ومن المتن والشروح تؤلف ما يطلق عليه اسم التلمود بمعنى التعاليم حتى ان البعد الديني بصورة عامة في الولايات المتحدة الامريكية لم يكن وليد الوقت الحاضر لكنه بدأ مع الوثائق التاسيسية للامة وتم تعزيزه ورفده من خلال الخطب الرئاسية والممارسات السياسية وما شابه ذلك من تلكم الاقوال التي اكدت النظرية الرسيمة للامة نفسها.

وقد تجلى وجود البعد الديني في حياة الامريكيين منذ التاسيس وبرز انطلاقاً من اعلان جورج واشنطون يوم 26 تشرين الثاني /1789 اعتماد هذه اليوم عيداً قومياًً "عيد الشكر"  مروراً بالحرب الاهلية ثم اعلان مبدأ مونرو واعلان جورج بوش باعتماد اليوم الثالث من شباط عام 1991 عيداً قومياً للصلاة وذلك خلال حرب الخليج الثانية.

 كما وابتهل بل كلنتون الى الرب مراراً في خطبه ليسبغ نعمه على الولايات المتحدة الامريكية ويضاف الى ذلك ان جلسات الكونكرس الامريكي بمجلسه الشيوخ والنواب يتم افتتاحهما بدعاء ديني او الصلاة يفتتحه في الاغلب راهب مسيحي واحياناً احد زعماء الدين من ديانات اخرى بل حتى لو عقدت جلستان في يوم واحد فإن تلك الجلستين تفتتحان بدعاء ديني حتى ان المواطن الامريكي اصبح يشارك في الحياة السياسية والاجتماعية لا بصفته مواطناً امريكياً علمانياً، انما بصفته بوتستانتياً او كاثوليكياً او مسلماً او يهودياً بحيث تؤدي الدوافع الدينية دوراً رئيسياً في تحريك الامريكيين في الكثير من مواقفهم حيث ان التيارات السياسية والدينية ولدت تحالف مع الحركات والمنظمات الدينية والكنائس وما يزال محور العمل السياسي بجميع اشكاله في الولايات المتحدة الامريكية.

بريد المسلة

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •