2017/12/26 09:16
  • عدد القراءات 185
  • القسم : آراء

الاستخبارات.. والمغامرة بالاحتمالات

تابع المسلة عبر قناتها في تطبيق التلغرام
https://t.me/almasalah
-----------------------------------
بغداد/المسلة:

ديفيد ليونهارت
 

طلب جهاز الاستخبارات الإسرائيلي المساعدة من عالم النفس «دانيل كاهنمان» في السبعينيات، فاقترح هذا الأخير التالي: تخلصوا من التقرير الاستخباراتي الكلاسيكي. فهو يسمح للزعماء بتبرير أي خلاصة يريدونها، كما قال كاهنمان. وبدلاً من ذلك، اقترح عالم النفس الشهير منح الزعماء تقديرات حول احتمالات الأحداث. ففعل جهاز الاستخبارات ذلك، وخلص تقرير أولي إلى أن أحد السيناريوهات سيزيد احتمال اندلاع حرب شاملة مع سوريا بـ10 في المئة. ولما رأى مسؤول رفيع هذا الرقم، شعر بالارتياح وقال: «10 في المئة؟ هذا فرق صغير».

غير أن كاهنمان شعر بالصدمة. ذلك أن زيادة قدرها 10 في المئة في احتمالات اندلاع حرب كارثية هو أمرٌ خطير. ومع ذلك قرر المسؤول أن 10 في المئة لا تختلف كثيراً عن صفر. وعند النظر إلى الخلف بعد عدة سنوات، قال كاهنمان: «لم يسبق لأحد أبداً أن اتخذ قراراً استناداً إلى رقم. إنهم في حاجة إلى قصة».

والواقع أن تغيير رأي كاهنمان يمثل طريقة جيدة لي لتقديم بعض النقد الذاتي المعتاد. فهناك ما يشبه التقليد الذي يقوم فيها كتاب الأعمدة بتخصيص عمود نهاية السنة للأخطاء التي ارتكبوها في بحر السنة التي تشارف على الانتهاء؛ وهو ما يسميه الصحفي الأميركي دايف فيجل «محاسبة الخبير».

على غرار الجيش الإسرائيلي في مرحلة ما قبل السبعينيات، لم تكن مؤسسات الأخبار في القديم تستخدم الاحتمالات كثيراً، في ما عدا النشرات الجوية. غير أنه في هذه الأيام بتنا نرى الاحتمالات موجودة في كل مكان. ففي الساعة العشرة مساء في ليلة ألاباما الانتخابية مؤخراً، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن احتمالات فوز المرشح «الديمقراطي» دوج جونز تبلغ 70 في المئة، استناداً إلى الأصوات إلى أن تم إحصاؤها. وبالمثل، تشير وسائل الإعلام المالية والاقتصادية إلى احتمالات الركود، وتنشر المواقع الإلكترونية الرياضية احتمالات الفوز في الوقت الحقيقي.

والواقع أنني من أنصار الاحتمالات. وقد ساهمت في وظائف سابقة في إنشاء لوحات النتائج الانتخابية. فالاحتمالات لديها معنى أكثر من عبارات «أي شيء يمكن أن يحدث» المبتذلة والآمنة، أو تحليلات «من المرجح» الضبابية والمبهمة، أو الضمانات الواثقة بشكل مصطنع. ولكنني أدركتُ لاحقاً أنني كنت مخطئاً بشأن جانب مهم من الاحتمالات.

فالاحتمالات، بحكم طبيعتها، من الصعب استيعابها والإحاطة بها، وخاصة بالنسبة لحدث مثل الحرب أو الانتخابات. فالناس يدركون أنهم إذا ما ألقوا حجر النرد 100 مرة، فإنهم سيحصلون على رقم واحد بعض المرات. ولكنهم عندما ينظرون إلى احتمالات حدث ما، يميلون إلى القول: هل سيحدث هذا أم لا؟ عندئذ يميلون إلى تحويل الرقم اختزالاً إلى 0 أو 100 في المئة؛ وهذا ما فعله المسؤول الإسرائيلي. وهو أيضاً ما فعله العديد من الأميركيين عندما سمعوا أن احتمالات فوز هيلاري كلينتون تبلغ 72 في المئة أو 85 في المئة؛ وما فعله مشجعو كرة القدم الأميركية عندما كانت احتمالات فوز فريق «أتلانتا فالكونز» 99 في المئة.

وعندما يحدث غير المحتمل يصيح الناس: إن الاحتمالات كانت خاطئة! ولكنها لم تكن مخطئة، في العادة؛ بل إن الصائحين هم الذين أخطأوا. وعلى أي حال، فالناس يدركون أن العديد من النتائج ذات الاحتمالات الضئيلة تحدث بالفعل. «فإن يكون الأمر نادر الحدوث لا يعني أنه لا يحدث»، كما يقول الخبير الطبي إتش. جيلبرت ويلتش. فأنت تسحب ورقة الأص (8 في المئة)؛ والطفلة الصغيرة تكبر ليصل طولها متراً و75 سنتيمتراً (6 في المئة)؛ والثلج يسقط في عيد الميلاد في نيويورك (11 في المئة). ولدي في حاسوبي قائمة طويلة من هذه الأحداث التي تُعد احتمالات حدوثها قليلة.

ولكنني بت أعتقد اليوم أن الشرح مصيره الفشل. ذلك أنه بالنسبة لحدث فردي، لا يستطيع الناس مقاومة القول إن احتمالاً ما كان «صحيحاً» إذا كان فوق 50 في المئة و«خاطئاً» إذا كان أقل من 50 في المئة. وعندما يحدث هذا، لا يمكن لمن يؤمن منا بالاحتمالات أن يكتفي بتحريك رؤوسهم والتذمر بشأن سقوط الثلج يوم عيد الميلاد. بل علينا أن نتواصل بشكل فعال أكثر.

وأعتقدُ أن جزءاً من الجواب يكمن في ما قاله كاهنمان: فالبشر يحتاجون لقصة. إذ لا يكفي أن تقول إن احتمالات حدوث حدث ما هي 10 في المئة، وذلك لأن الناس يحتاجون لقصة ترغمهم على تصور الحدث قليل الاحتمالات، حتى لا يحولوا الرقم اختزالاً إلى 10 أو صفر.

ويلتش، الأستاذ بكلية «دارتموث في نيوهامبشر، أحالني على رسم توضيحي على الإنترنت حول خطر سرطان الثدي يُظهر 1000 رسما لامرأة، 973 منها باللون الرمادي (لا وجود للسرطان)، و22 بالأصفر (ناجون مستقبلاً) و5 بالأحمر (الموت في العشر سنوات المقبلة). ويتيح هذا الرسم للمرء رؤية النتيجة الأرجح من دون تجاهل النتائج الأخرى. والواقع أنني أدرك أن مثل هذه الأفكار لن تبدِّد الارتباك الالتباس؛ ولكن حتى التقدم المتواضع سيكون مهما.

وخلاصة القول إن ظهور «البيانات الضخمة» يعني أن الاحتمالات أخذت تصبح جزءاً أكبر من الحياة؛ وسوء فهمنا لديه تكاليف حقيقية. وعلى سبيل المثال، فإن مسؤولي إدارة أوباما ربما كانوا سيعاملون التدخل الروسي بجدية أكبر لو أنهم لم يحولوا احتمالات فوز دونالد ترامب اختزالاً إلى الصفر تقريباً. والحال أنه خلافاً لإلقاء حجر النرد، فإن الانتخابات حدثٌ لا نستطيع إعادته من جديد.

ديفيد ليونهارت: محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

متابعة المسلة- وكالات عربية وعالمية
 
 
 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •  


البحث بالموقع



نرحب بملاحظاتكم وملفّاتكم ومقالاتكم وتقاريركم
على العنوان التالي:
almasalahsources@gmail.com