2016/03/10 15:37
  • عدد القراءات 1003
  • القسم : المواطن الصحفي

أيها السادة : سقط طاغية ولم يسقط الطغيان

كلمات على الجدار

أيها السادة : سقط طاغية ولم يسقط الطغيان
من المثير للاستغراب أن نطالع كتابات لمثقفين وكتّاب عراقيون محترمون عن حوادث جسيمة وظواهر سلبية ، وبعضهم يبعث برسائل ومناشدات الى مسؤولين ورجال دين ، وينتظر منهم معالجة ما يعتقده أخطاء وممارسات فردية إرتكبها فلان أو علاّن من المسؤولين أو حاشيته ومستشاريه ، في هذا المنصب أو الموقع هنا أو هناك . أي أن هذه الممارسات عفوية وفردية ، وليست مظهرا ونتيجة لنهج محدد وخط سياسي عام وشامل !
ويبدو أن هؤلاء الكتاب ، وبعد كل سنوات الخراب ودوامة الأزمات ، لم يدركوا بعد إن سقوط الطاغية وسلطته لا يعني بالضرورة سقوط الطغيان . فالطاغية فرد يشيّد منظومة للطغيان تضم سياسيين ومثقفين ، تصفق له ليلا ونهارا ، وتتناغم معه وتتبادل الأدوار حتى يصبح (السلطان ظل الله في الأرض) ، وبذا تترك في المجتمع اثرا لا يزول (بنسيان الماضي) ولا يمكن أن يمّحي بمجرد سقوط الطاغية ، بل بنهج بديل ونظام سياسي وثقافي مغاير يعتمد الانسان ، المواطن ، محورا له .
وهذا مايجعلنا نؤكد ، من خلال متابعة لما ينشر وللوقائع اليومية ، على أهمية التذكير بأن نظام الاستبداد والطغيان السابق (ككل ألانظمة المشابهة) قد قام وإعتمد على ركيزتين :
الاولى : مؤسسات القمع كالجيش – الحرس الجمهوري – الحرس الخاص – الشرطة – الأمن – الأمن الخاص – الاستخبارات - المخابرات ..... وغيرها .
والثانية : مؤسسات الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة ، وملحقاتها من منظمات ومؤتمرات ومهرجانات ، وبالطبع جوقة من المطبّلين والمزمّرين في شتى حقول المعرفة والفنون والآداب ، عراقيين وعرب وأجانب ، ممن يطلق عليهم (وعاظ السلاطين) .
وقد خرجت العناصر المؤثرة لهاتين الركيزتين سالمة ، بسبب الطريقة التي حدث بها إسقاط النظام السابق ، والجهة التي اسقطته ، التي سمحت بذلك ، رغم إنها قامت – ممثلة بإدارة بريمر – بحل مؤسسات القمع والإعلام كغيرها من مؤسسات الدولة العراقية . وقد توزع هؤلاء ، بمختلف مستوياتهم وإختصاصاتهم بين مواصلة العمل من دول الجوار ، أو العمل المباشر داخل العراق مع قوى الارهاب ، أو الالتحاق بالتنظيمات السياسية الجديدة ، ومن ثم الدخول الى مؤسسات النظام الجديد والعملية السياسية ، سواء داخل السلطة أو خارجها ، وعلى أعلى مستوى !
وهنا تكمن العلة والطامة الكبرى في كل ما يجري في العراق . فبعد أن سقط صدام ونظامه ، وخرجت عناصره من الباب عادت لتدخل من الشباك ، وبعضها دخل معززا مكرما ومن الباب ! في حين كان منتظرا أن يبدأ نهج سياسي وثقافي مختلف ، ديمقراطي حقيقي وإنساني ، وهذا لم يحصل للآن ، لأنه – بصراحة - يمثل حلما وتصورا غير واقعي ، يعكس قصورا في معرفة حجم الخراب النفسي والفكري والإجتماعي الذي سببه النظام السابق ، وفي فهم طبيعة القوى السياسية العراقية الفاعلة ، التي كانت تعارض صدام لشخصه وليس لنهجه . وهذا ماإنتبه له وسبقنا في الاشارة إليه (إسماعيل شاكر الرفاعي) في كتابه - تشريح الإستبداد النظام العراقي نموذجا - والذي كتبه في دمشق وصدر عام 1999 ، أي قبل أربعة أعوام من سقوط صدام ونظامه حيث جاء في صفحة 8 (( أي أن تصورهم - المقصود المعارضة العراقية يومها . م.ن - لمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع ، بعد رحيل الدكتاتورية ، لا يختلف عن شكل العلاقة القائمة بينهما الآن ... إنهم الضحايا الذين يماهون وعيهم في وعي جلادهم ، فهم لا يعارضون طريقة في الحكم أو منهجا في السياسة بل شخصا بعينه ، فكما حول صدام العراق إلى ضيعة ، يريد هؤلاء إعادة إنتاج الإستبداد والدكتاتورية .)) . وهذا ما علينا الإعتراف به ، وإن جاء متأخرا !
وقد بدأنا ، اليوم ، نسمع اصوات متزايدة لمثقفين تشترك في هذا التصور ، وإن كان على إستحياء ، وتؤكد على أن الوضع لم يتبدل بعد سقوط الطاغية ، وأن ثقافته لا تزال فاعلة ومؤثرة في الشارع ، بل افرزت مظاهر سلبية جديدة ومستوى أعلى من الفساد والمحاصصة الطائفية والقومية والدينية ، والاستخفاف بحقوق المواطن وعقله .
فنظامنا (الجديد) وطبيعته المزركشة بالمظهر الديمقراطي ، لم يحتفظ فقط بإرث الطغيان ، في تقديس وتعظيم الشخص صاحب السلطة بإختلاف أشكالها ومستوياتها ، والخطاب السياسي العاطفي ، والنظرة الدونية للمواطن ، والمكرمات بدل القانون والدستور والمؤسسات ، وتهميش الآخر المختلف وتغييبه وتصفيته معنويا وماديا ، وتشجيع السلوكية الوصولية والانتهازية على حساب النزاهة والكفاءة المهنية والشخصية ، وإشاعة الولاء للمكونات الصغرى – العائلة – المدينة - الحزب – الطائفة ... على حساب الإنتماء والولاء للوطن ، بل ذهب أبعد من ذلك حين إحتفظ بالكثير من أيتام النظام السابق ، في اكثر من موقع ومكان – مجلس النواب ، مؤسسات رئاسة الدولة والوزراء ، الجيش والشرطة ، السفارات ، الجامعات ومؤسسات التعليم - النقابات ، أتحادات الأدباء ، مختلف دوائر الدولة ومؤسساتها - وبدون أن يحتاج هؤلاء لإدانة النهج السابق وتغييره ، بل يكفي مجرد تغيير الولاء ، وإن كان شكليا ، وهذه عملية سهلة لديهم فيها خبرة وبراعة منذ أيام النظام السابق ، ولا تحتاج لجهد يذكر لمواصلة السير مع (النظام الجديد) ، وهذا ماعبر عنه الحس الشعبي بدقة في المقولة الشائعة في الشارع :
عمامة سبع لفات وكومة محابس ... قبل السقوط بيوم زيتوني لابس !
وبدون شك ، لا يمكن للعراق أن يتقدم ويتطور ، ويخرج من دوامة الأزمات ، بدون ان يتخلص من نهج الاستبداد وثقافة (السلطان) ، وإشاعة نهج الحرية وثقافة (الإنسان) ، وهذه مسؤولية الجميع افرادا وتجمعات ، وفي المقدمة منهم المثقفون ، الذين لابد أن يقفوا بجدية وشجاعة ويسلطوا الضوء على مختلف مظاهر الاستبداد وشخصياته على مر تاريخ الانسان العراقي ، وفي مقدمتها سنوات حكم البعث ، لأنها لا تزال طرية في الذاكرة ، ولأنها الأكثر سوادا وكارثية ، ليس سياسيا فقط بل ثقافيا بقيمها ورموزها ، التي يظهر بوضوح إتفاق ، غير بريء ، لكل المثقفين الذين عاشوا يومياتها على تجنب الحديث عنها والكتابة عن مايدعون من معاناتهم على يد مثقفي السلطة ومخبريها وكواليس مهرجاناتها ، وهذا ليس في صالحهم ولا في صالح الثقافة والانسان العراقي ، إلا إذا كان لهم رأي في أن يستمر الخراب ، وأن يستمر الشارع يردد ويرقص على إيقاع : صــدام حسين يلــــوكْ إلنـــــهْ .... وإن كان بأسماء ومفردات مشابهة ... مستمدة من التراث !

محمد ناجي
muhammednaji@yahoo.com


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •