2018/05/16 08:03
  • عدد القراءات 361
  • القسم : آراء

بيرتيل بايار: العقوبات المالية... سلاح قاطع

بغداد/المسلة:   

بيرتيل بايار 

هل تقيض الحياة للاتفاق النووي الإيراني بعد انسحاب الولايات المتحدة منه؟ دوام حياته يقتضي أن يضخ الموقعون الآخرون عليه، وأوروبا على رأسهم، الحياة في شرايينه الاقتصادية. فتستأنف الشركات غير الأميركية التبادل التجاري والاستثمارات مع إيران. وهذا الاحتمال أقرب اليوم إلى العالم النظري منه الى عالم الواقع. فالشركات غير الأميركية تواجه خطر الوقوع في شراك القضاء الأميركي بتهمة انتهاك الحظر الذي فرضته واشنطن على طهران. والقانون الأميركي نافذ ما وراء حدود الولايات المتحدة. والنصوص الاميركية نافذة خارج أراضيها منذ قانون هلمس- بورتون في 1996 الذي جعل الحصار الاميركي على كوبا دولياً، أو غربياً على اقل تقدير.

 وهذا الحصار نزل على النيات السياسية الأميركية وحسب. ومذ ذاك يلاحق القضاء الأميركي شركات أجنبية ويفرض عليها غرامات ضخمة أحياناً. وهذه الدعاوى الكبيرة منقسمة إلى فئتين: أولاهما تتناول قمع الفساد الدولي وانتهاكات الحظر. فعلى سبيل المثل، وقعت شركة «آلستوم» الفرنسية و «سيمنز» الألمانية في شباك وزارة العدل الاميركية بتهم الفساد. وفي هذا المجال، في الوسع الإفلات من القضاء الأميركي إذا أرست الدول المعنية أدوات ملاحقة قضائية تكافح الفساد. وواشنطن تغض النظر في لندن في مسائل تتناول الشركات البريطانية. ولذا، لجأت شركة «أرباص» إلى القضاء البريطاني لتفادي الاجراءات العابرة للأطلسي. وفي فرنسا، قلب القانون سابين 2 الصادر في 2016، الأمور رأساً على عقب. والدليل على ذلك بدء الادعاء المالي العام تحقيقات في ملف بنك «سوسييتيه جنرال» الليبي. وصار في وسع السلطات الفرنسية الإدلاء بدلوها في التسوية بين البنك ووزارة العدل الأميركية، وهي تسوية مرتقبة لا محالة. ومثل هذه المشاركة غير مسبوق.


ويرفع القضاء الأميركي لواء الأمن القومي الوطني. وقدرات العدالة الأميركية على التدخل في التحقيقات، مطلقة. فعلى سبيل المثل، تكفي مشاركة أميركي واحد في عملية من العمليات أو استخدام دولار واحد فيها أو نقل الأصول عبر غرفة مقاصة أميركية، ليتحرك القضاء الأميركي ويتدخل في التحقيق أو يباشره. وعلى المنوال هذا رجحت كفة وزارة العدل الأميركية شرطية العالم، على وجه التحديد منذ فرضها غرامة 9 بلايين دولار على بنك «بي أن بي باريبا» في 2014. وقوة النار القضائية هذه تستند إلى قوة الاقتصاد الأميركي، وهو محوري في حسابات الشركات المتعددة الجنسية.

وما حصل مع شركة «ZTE الصينية خير دليل على ما أسوقه. فالقضاء الأميركي دان مرتين عملاق صناعة الاتصالات الصينية بتهمة انتهاك الحظر الإيراني. وفي المرة الثانية، حظر عليه بين ليلة وضحاها ولمدة 7 أعوام، الوصول إلى السوق الأميركية حيث يشتري العملاق الصيني هذا مكونات أجهزته.

واليوم، عمل هذه الشركة متوقف. ويبدو أن الاستغناء عن الزبائن والمزودين والوسطاء الأميركيين هو خيار لا يملك شطر راجح من الشركات الدولية ترف الإقدام عليه. وغموض الاتفاق الإيراني في 2015 حمل شركات أوروبية على التزام الحذر، وسلكت استثماراتها في إيران طرقاً ملتوية منها الاستعانة بتمويل صيني أو ديون تقدمها بنوك صغيرة باليورو. ودعا السفير الإيراني في فرنسا الأوروبيين إلى التحرر من خوفهم من الولاية القضائية (الأميركية) في الخارج. وهذه الدعوة يسيرة حين التلفظ بها، ولكن العمل بها عسير. وفي المدى القصير، ستطالب باريس واشنطن بإعفاء الشركات الفرنسية التي باشرت مشاريع في طهران، من الغرامات.

ولكن هذا الحل يصدع بالولاية الأميركية القانونية الدولية. وقد تصعد أوروبا وترد على أميركا من طريق إجراءات مقابلة. فتنزلق إلى الحرب التجارية التي تشنها أميركا وتسعى القارة القديمة إلى تفاديها. وآن أوان أن تعرض أوروبا عضلاته للتحرر من قيود التوترات المتعاظمة بين السيادة الاستراتيجية والعولمة الاقتصادية.
 

لو فيغارو الفرنسية- صحف عربية

 

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •