2018/06/13 19:49
  • عدد القراءات 1600
  • القسم : بريد المسلة

فاضل الجالي: سوق الهرج رمزية الامكنة والناس

بغداد/المسلة: 

فاضل الجالي

البنايات البيضاء تحيط بالساحة من جهة الشمال ، بأقواسها العربية التي يغازل الحاكم بها جمهوره، بالتناغم مع حملته الإيمانية، التي تبدأ مع افلام الرسوم المتحركة، بقناة التلفاز اليتيمة، وعلى جنوب الساحة تتراكم البنايات البغدادية القديمة المتهالكة، بألوانها المنثورة بالاسمنت الابيض ، بينما تتوسط تلك الساحة الباصات الانكليزية ذوات الطابقين، ألفَ البغداديون تلك الباصات وأحبوها ، كونها وسيلتهم للعودة الى بيوتهم بعد انتهاء الاعمال، وربما لانها فرصة لثرثرات متعبة، وعيون تقول ما لا تستطع الأفواه النطق به، السيارات الصغيرة رُكَنتْ بمحاذاة الارصفة المطلية بعناية وتناسق، صباغو الاحذية يشكلون صفاً واحداً بالقرب من المطاعم حتى بداية شارع الرشيد المتفرعة منه ازقة شهيرة ومقاهٍ معروفة، سوق الهرج، مقهى الزهاوي، شارع المتنبي وصولاً حتى ساحة الشاعر البغدادي معروف غني الرصافي.

توقف الزائر برهة وكأنه يشيع تلك الساحة، "ساحة الميدان"، بنظرات أخيرة، فأنتبه مضيفه البغدادي وتوقف هو الاخر كذلك، قائلاً: ما زلنا لم نلج الى عالم الاحجار الكريمة والمسابح والمقتنيات الاثرية، نحتاج وقتاً لتلك الجولة، ومن ثم نحتسي قهوتنا في مقهى ام كلثوم، او افضل لك الشاي العراقي على الفحم.

رد صاحبه التونسي : كما تريد مسيو ، سمعت الكثير عن ميادين العواصم المزركشة بالتماثيل والنافورات، ولكن لم ارى الا الباصات.

اجابه صاحبه: تمسيسون ونهلل، اي صاحبي لقد وعيت على بغـٓداد ، كلما كبرت سنة كبرت هي عشراً.

طفق الأثنان يضحكان بقهقهة عالية، متغاضياً عن الإجابة.!

- سوف لن نجدها.

- إصبر ، سنبحث....

- نعم سأصبر!.

- أقول سنجد حاجتك، حتماً.

دلفا الى اول زقاق على يمين شارع الرشيد، هذا الزقاق المتعرج المزدحم بأنواع الحاجيات واللقى والمسبوكات والاصوات المتقاطعة، سوق الهرج هو سوق الجمعة العراقي، لمن لا يقوى على شراء مايحتاج حتى من الملابس .!

كانا في الوسط تماماً، وأينما توجهت ابصارهما، تتراءى لهم الرؤوس ، هذا شعره أكرت، والاخر يعتمر قبعة بألوان غريبة، والاخر أصلع يداري رأسه بيده تفادياً لحرارة الصيف اللاهب، هناك من يتفيأ بمظلة عتيقة عليها ماركة البيبسي الشهيرة، ويجلس على كرسي سفاري صغير ،يضع امامه معروضاته المتنوعة، البعض الاخر افترشوا الارض هم و مبيعاتهم، خليط متجانس من الاصوات ، ام كلثوم، عبد الحليم، حضيري ابو عزيز وداخل حسن، كما تصدح الطبول من تلك الأجهزة بأغاني ديمس روسي، وبراين ادمز وداليدا....

الأسفلت الأسود بات رمادياً، أعقاب سكائر وألوان مهروقة على ذلك الأسفلت.

التونسي سليمان بن عمار يسأل مضيفه:

- هل وجدت شيئاً.!؟

- لا، حتى اللحظة، استمر عزيزي سنجد ضالتنا.

- لا حل ، بلى ، سنستمر ، برشا ... ( يطلق همهمات وضحكات).

افترقا مجبرين بسبب التزاحم، وأصوات الباعة تصك الاذان، وتملأ الزقاق ضجيجاً، قال سليمان:

- افكر بسؤال منذ وصلنا.؟

فأنتبه مستعداً رفيقه حسين محمد علي ،مبتسماً:

- إسأل من لطفك.

- ماذا لو نقلت حكومة بغداد هذا السوق الى مكان فسيح، بدل تلك المعاناة ؟.

- هذا مستبعد يا سليمان، فسوق الهرج، ليس حاجيات فحسب، بل نسغ من أوردة بغداد ، ولا تكتمل صورتها الا به وبمقهى الشابندر، والقشلة ، وسوق الجلود، ومطعم الاخوين، في شارع المتنبي، والجسر وميدان الرصافي وأخيراً المتحف البغدادي، انها أيقونات الامكنة لا يمكن ان تخلع جزءاً منها .

- ماذا لو اقدمت الحكومة على ذلك؟.

- لايمكن، اقول لك.

- لماذا؟.

- ان رائحته تشربت بأبدانهم.!

- مَـنْ؟!.

- هؤلاء الباعة، وأولئك المشترين، ونحن كذلك.

همهم سليمان بن عمار ، فأجابه حسين محمد علي بكلمة عراقية لم يفهمها سليمان ( يمعود).

- يمعود، ماذا تعني!؟.

- لاشيء لاشيء... لنواصل البحث.

اغلب الباعة يتسمر تحت أشعة الشمس العراقية اللاهبة، كما يتقرفص، من شدة زمهرير الشتاء، لا فرق فالموقف هو نفسه بانتظار الارزاق، والعودة الى أهليهم برغيف خبز ، الاحسن حالاً، هم اصحاب الدكاكين الصغيرة، يصرفون بضاعتهم المتنوعة بيسر و بجهد اقل، لقد كان هذا السوق القديم ملتقى لاجناس كثيرة، رغم كثرة الأبنية الحديثة بالقرب منه، ورغم ذلك بقي محافظاً على بغداديته.

- اتمنى ان اجد تلك المسجلة القديمة ببطاريتها الغريبة، اعرف عفا عليها الزمن ولكن امنيتي ان اقتنائها.!

- اتمنى ذلك، ارفع بصرك الى بقايا الشناشيل، كم هي جميلة!.

كانت تلك الشرفات الخشبية والاسياخ الحديدية الصدئة جميلة رغم تهالكها، وتقادم الزمن عليها. فتح سليمان أكمام قميصه، وارخى ياقته ،تفصد جبينه عرقاً، متسائلاً:

- ماذا وراء تلك الشرفات؟.

يجيبه حسين محمد علي:

- ربما ليالٍ حمراء، و موسيقى وراقصات، لا اعلم، ولكني سمعت بذلك.!

- إذن هو صندوق الدنيا، وسوق كل شيء حتى النخاسة!.؟

- دعك من الصندوق، قد صدعت رأسي به وبمسجلتك التي استغنى العالم باجمعه عنها وعن امثالها.!

مازال الزحام شديداً، حسين يشعر بالضيق والاختناق، ولكنه يتمتع بلياقة عالية ويقوم بواجب الضيافة على اتم وجه، طفق سليمان يقهقه، بصوت عال، بعد ان تدافع بعض الرجال لشراء شيء لا يعرف ماهو،ازاحوه أمامهم حتى ابتعد عن حسين الذي كان يرى مايحصل متلذذاً بإزاحة صديقه، ناداه :

- سليمان، كما ترى جزر ومد كما شرح لنا استاذ الجغرافيا، البحر وشط العرب، نحن الان نمثل تلك الظاهرة .

- حسين، انه سوق الجمعة (الهرش)، كما تسمونوه.

- الهرج وليس الهرش، متى تتكلم العربية يا فرنسي.؟

- انا عربي، يا انكليزي.

- مازالت الاحتلالات قائمة وقوية ومسيطرة، ولو من خلف الستار، جماعتنا أتوا بقطار انكليزي، فيما عبر جماعتكم بزورق فرنسي.

تململ حسين وفِي قرارة نفسه، تمنى لو لم يأتِ، يكره الازدحامات، فيما يتلذذ صاحبه التونسي بالهرج والمرج، إنه يبحث عن مقتنيات لا يفكر بها غيره، كأنه يبحث عن المجهول، حسين كان يعرف انه لن يجد المسجلة ولا البطاريات حتى، استغرق حسين بالصمت، وأطرق سمعه صوت ام كلثوم وهي تستجير من حبيبها( اه من قيدك أدمى معصمي، لم ابقيه وما ابقى عليا، ما احتفاظي بعهود لم تصنها والا ما الأسر والدنيا لدى)، فيما هو حلق معها مدندناً، يربط بين تسلط الظلمة على بغداد وبين كلمات العشق واهاته، شد سليمان على يده بقوة وذعر:

- انظر انظر ...

- ماهذا المنظر المفزع؟.

تماسك حسين قليلاً، رغم استغرابه مما رأى، رجل بنظرات زائغة أشعث أغبر متسول مستسلم ،تسائل مع نفسه ربما ليس متسولاً؟. فهو شاب بمقابل العمر ، شعره قصير عيناه مُحمَّلتان بالأسى محمرتان، ووجه خارطة للكمد والابتذال، يسيل لعابه لايسيطر على أطرافه، لأتعرف ابتسامته من جهشته هل كان يضحك ام يبكي...

فيما وجم حسين تماما، سليمان هو الاخر نسي نفسه وتسمر في المكان، ولكنه استدرك قائلاً:

- هذا المخلوق مدمن او سكير رائحته غريبة جداً.

زمَّ حسين شفتيه، ارتفع حاجبه الأيمن كما هو حاله عند الطوارىء والاحداث، أشار الى سليمان :

- ربما هو احدب نوتردام بغداد، ربما، الا تراه متراخياً، لكنه متوثب باتجاهك يا سليمان ، ربما سيطير عليك ويرفعك الى اعلى المنارة ومن هناك يطلقك الى الارض.

بلا وعي سليمان يتوارى خلف حسين ويهمس:

- الوقت يداهمنا، الا نشتري حاجتنا ونخرج بسرعة؟.

- ارجوك دعنا نمعن في هذا المخلوق .

- ما جدوى الإمعان به، انظر الى هذا الخياط العجوز ، لاهٍ ولايرى ما حوله، ربما يعرفه قبل الان ، انه مستمر في ادارة عجلة ماكنته الـ( براذر)، ربما يعرف اصل هذا المتهالك ، تمعنا في الخياط سوية، شعره الثلجي ومحبات المطمئن الوديع، منشغل تماماً بعمله..... انتفض حسين على صوت هذا المدمن ،يصرخ ، اريد العرق المستكي، جورج ، او عرق زحلاوي، ( اذا ماكو جيب عرگ هبهب، شبيه الهبهب، مال ديالى، ورد مال الله عرگ عراقي فخر الصناعة الوطنية ) .... صوته الاجش يشرخ الاصوات الاخرى خليط من تزاحم صوتي مقرف.

سار حسين ليستظل بفيء الشرفة، وسليمان ابتعد قليلاً ليبحث عن ظالته، مدد المدمن رجليه في عرض الشارع الضيق، ويصفق ويصرخ ( احتركوا خالاتك جورج، اشتعل جدك ابن صفية لك اريد عرگ هبهب ميخالف)، ثم التفت الى المارة مستنكراً: ( هاي شبيكم لك دروحو منا .... واستمر يرمي المارة بالشتائم )، بدا واضحاً، ان حسين قد احزنه المنظر رمى ببصره الى البنايات والباصات الحديثة ثم ارجع البصر الى سوق الهرج والسكير والخياط العجوز والباعة والمشترين، لا مقارنة بين الحالين ، ظلل يهمهم بتلك الجملة ، لا مقارنة ابداً.!

مئة خطوة لا اكثر تضعك بين عالمين متناقضين، عالم الأبنية الحديثة وعالم الكتب والمتاحف والوجوه الطافقة بالحياة والأجساد التي تتحرك بسرعة الى المعامل والجامعات والمزارع ، وهنا قرب دكان بائس يقبع سكير مبتذل، مازال المتجولين يتدفقون الى سوق الهرج، فجأة اصطدم رجل بقدمي هذا السكير ، فأنكفأ على وجهه، وانزلقت زجاجة صغيرة من جيبه على دشداشة الرجل المار،كان يتختم بخواتم بيديه الاثنتين، انتفض السكير كالملدوغ يتابع زجاجته المتكسرة التي ساح ما بداخلها على أطراف دشداشة الرجل البيضاء، الذي اعتذر له ولكن السكير امسك برجليه الاثنتين وأوقعه أرضاً، اراد تخليص نفسه ولم يفلح، وبينما الأثنان يصرخان بوجهي بعضهما تكونت حلقة من المارة ، حلقة كبيرة و كانما يتهيأوا لعرض مسرحي جوال.

- معركة ستبدأ!.

- ماذا تقول؟

سليمان مستغرباً، ضاق الرجل بالسكير ذرعاً، وأحرجه تجمهر الباعة والمارة مــعــــاً، ركله بقوه على بطنه، ليتخلص منه، ثم ابتعد قليلاً، انتصب السكير على قدميه بصعوبة ليتبع الرجل الهارب لم يلحقه، الا انه رماه بمصباح وجده قريباً، تفرق الجمع من حوله ولم يذهبوا بعيداً، كانوا بانتظار بقية المشاهد ، كان بائع الشاي يمشي باتجاه الجمهرة ،إصابته الرمية بدل الرجل المقصود، غضب كثيراً وانفعل بسرعة ولكن لما رأى الرامي هدأت نفسه وهو يقول:

- أووووه، وردة ، انتِ هنا، ياله من حظ ( حظ مصخم وين نولي وردة گدامنا، والبلدية ورانا، شي لابسه زيتوني وشئ ازرگ).

غادر المكان بقوريه واستكاناته ..... لم يهدأ السكير ، ما زال يترنح غاضباً، حمل صفيحة حادة، ورماها، بإتجاه الرجل الذي غادر اولا ، اخطئت هدفها، فشجت راس احد المتسوقين ، مما اثار حفيظته، وركض باتجاه السكير ووجه له لكمة قوية رفعته اعلى ثم سقط كالطابوقة على الأسفلت ، سالت الدماء من فمه غزيرة، توالت اللكمات على وجه المدمن والناس تتفرج.

توقفت ماكنة الخياط عن الصرير ، نهض سريعاً ليمسك الرجل وهو يرتعش من الامتعاض، استنكر الرجل الغاضب إمساك الخياط يده قائلاً:

- لا تتدخل ، ما عليك ( خلي أأدبه).

- وين شيمتك؟!.

استغرب وغضب :

- الم تر ما فعل؟.

- نعم نعم رأيت.

- ما بالك اذن؟!.

- مسكينة ، والله مسكينة، هذه امرأة وليست رجل، والتفت اليها انها امرأة يا ناس، قومي انهضي، (وردة كافي عاد شسويتي بنفسك).

تجمد الموقف على هذا المشهد، انسحب الرجل المعتدي يجر اذيال الخجل، غادر بلا التفاتة.

قال سليمان بن عمار لحسين بن محمد علي:

- بـِـمَ تفكر؟.

- بالبنايات البيضاء والباصات الحمراء.

- الا نشتري ما جئنا من اجله؟.

- ليس من هنا!.

رحلا سريعا صوب شارع المتنبي، التقطا بعض الصور بجوار نهر دجلة الخالد، فيما يسمعان ترانيم العود والغيتار من بين ثنايا المكان.

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر، وتنشرها كما ترد، عملا بحرية النشر، كما أنها لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "المسلة".

بريد المسلة

 


شارك الخبر

  • 8  
  • 0  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   0
  • (1) - فـــاضـــل الــچـــالـــي
    6/19/2018 5:36:57 AM

    شكراً لاهتمامكم مع خالص الود فـــاضـــل الچالي



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •