2018/07/20 10:20
  • عدد القراءات 192
  • القسم : آراء

خالد القشطيني: الشحاذون والنشالون

بغداد/المسلة:  

 خالد القشطيني 


قررت الحكومة البريطانية قبل بضع سنوات إعفاء الشحاذين من ضريبة الدخل. ولكنها لم تكن تدرك عندئذ أن القرار كان مقدمة لتعاون استراتيجي بعيد الأمد بين جمهور الشحاذين والسلطة. فبعد موجة من النقد والنقد الذاتي والبروسترويكا على الطريقة السكسونية، أقدمت الشرطة البريطانية على الاعتذار للشحاذين، ومد يد الصداقة إليهم، وطي تلك الصفحة المظلمة التي اضطهدت خلالها الشرطة كل من مد يده للتسول، وكل ذلك كان تمهيداً لفتح صفحة جديدة من التعاون والمساعدة المتبادلة بين دولة الشرطة ودولة الشحاذة.


الفكرة التي اهتدى إليها البوليس البريطاني، هي أنه لا يغلب الحرامي إلا الشحاذ. وهي فكرة معروفة ومتبعة في الشرق الأوسط منذ قرون. واكتشفها شرطي بريطاني صدفة أثناء زيارته لإسرائيل. وبتطوير الفكرة ونقلها من مستوى الدولة إلى مستوى الفرد، ستستطيع الشرطة البريطانية استثمار الطاقات الهائلة للشحاذين وملكاتهم العجيبة في مراقبة جيوب الناس، واستعمالها في مكافحة النشالين الذين استشرى أمرهم في لندن، حيث بلغ عدد سرقاتهم في قطارات لندن ألوف عمليات النشل خلال العام الواحد.
وقد قام المخطط الجهنمي على توظيف مائة شحاذ في محطات لندن، يعزفون خلالها آلاتهم الموسيقية على هواهم، ويراقبون النشالين. وأدلى الشحاذ جفرسن بتصريح للصحافيين علّق فيه على المخطط قائلاً: «فليجرب النشالون عملهم في حضورنا». وفي هذا درس لأجهزة الشرطة العربية عندنا.
وقد بدأت نسمات هذا التطور المعقول منذ أن قررت المحكمة الحكم على الشرطة بغرامة لاعتقالها الشحاذ بنغو بتهمة التسول، مع تعويضه عن خسائره المهنية التي قدرت بعشرة بنسات في الساعة، وهي طبعاً مبلغ كبير في عالم الاستجداء والتسول. وحاولت الشرطة استئناف القرار ولكن محاميها (الذي قبض خمسة آلاف جنيه عن الدعوى) نصحها بأن تستسلم للشحاذ الكبير، وتدفع العشرة بنسات قبل أن تترتب عليها الفوائد القانونية. واعتبر فقهاء القانون ذلك القرار سابقة مهمة ستجعل التسول على مستوى واحد مع إدارات البنوك والشركات.


ولما كان الشحاذون يقومون بنشاطهم المهني في القطارات ومحطات السكك وإدارة قطارات تحت الأرض، فقد قضت السلطة بعدم جواز القيام بأي تغيير في خريطة السكك، أو تغيير مواعيد القطارات من دون استشارة الشحاذين أولا.


وكان من الطبيعي أن يحتج النشالون على هذا التجاوز من جانب الشرطة واستعمال هذا السلاح غير الأخلاقي ضدهم. وحدث النشال جاك فانتقد الشحاذين على تخليهم عن الحلف التاريخي بين المهنتين، وصرح للتلفزيون قائلاً: «ولكن حقاً أن الشحاذ يبقى شحاذاً، وما كان يجدر بنا نحن النشالين المحترفين الشرفاء أن نتوقع منهم أحسن من ذلك».
وفكر محترفو النشل في التقدم بقضية يثبتون بها أنهم لا يقلون في شيء في خدمة المجتمع من حيث إشاعة العدالة بين الناس بنشل جيوب الأغنياء والسياح الأجانب، وتشجيع تداول العملة والنشاط الحر في البلاد.


وأمام هذا التناقض بين مهنتي النشل والتسول يواجه القضاء الإنجليزي مشكلة في الفصل بين مصالح الطرفين.

صحف عربية


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •