2018/08/09 19:12
  • عدد القراءات 207
  • القسم : بريد المسلة

ابو الحكم السعدي: بين الفلسفة والدين

تابع المسلة عبر قناتها في تطبيق التلغرام

https://t.me/almasalah 

-----------------------------------

بغداد/المسلة: 

ابو الحكم السعدي

(الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء - لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر- لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر "وهو القاهر فوق عباده" / ابن عطاء الله السكندري)

ان النفس البشرية تواقة لمعرفة الذات الإلهية وتطلع الى مشاهدته عياناً وواقعً محسوساً، ولَم يسلم من ذلك حتى الأنبياء !

بالرغم من الأحاديث الواردة في النهي عن التفكر في الله، كحديث: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا"، وحديث: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله"، فقد ظل الناس يتطلعون الى الذات الإلهية بطرق شتى، فمن باحث في الوجود الى متأمل في الكائنات كالفلاسفة والحكماء الى متتبع للكتب السماوية كالعلماء والفقهاء الى العاكف على العبادة والزهد والرياضة الروحية كالمتصوفة، وهؤلاء جميعاً يريدون رؤية الله عياناً او يتصوروه بالعقل او يشاهدوه بالقلب رمزاً. وربما كان هذا الدافع من كتابة هذه الأسطر!

لدى كُلِ عقلٍ من جهة الدين بَلْبالٌ ووسوسةٌ، وقد بسط العقل الحديث سلطانه على شؤون الحياة، ودخل على كل قضية من قضايا الفكر، فلم يدع خاطراً يمر في كيان الإنسان إلا أمسك به، وعالجه معالجة (الكيميائي) ونقدهُ نقد (الصَّيرفي) فكان الشك في كل شيء وافتراض الخطأ هو منطق العلم ومنهج البحث

وكان للدين النصيب الأكبر من الثورة الفكرية، حيث وقعت مسائل الدين في سلطان العقل العلمي ( المعملي) وأخذ العلماء والفلاسفة يضعون مسائل العقيدة في (مخابر) العلوم الطبيعية وتحت ( الميكروسكوبات) فخرجوا بان الله خرافة! والدين وهم وخداع! وتخدير لسقام العقول وطغيان الاحلام! (انه أفيون الشعوب)!!

ويرد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة على أمثال هؤلاء الماديين في كل عصر ويقول: هنالك موجودات محسوسة مدركات بالحواس الخمس للإنسان، وهنالك موجودات معلومة بالاستدلال عليها بآثارها ولا تدركها الحواس الخمس، كالقدرة والعلم والإرادة، بل الخوف والخجل والعشق والغضب وسائر هذه الصفات نعرفها من غيرنا معرفة يقينية بنوع من الاستدلال لا بتعلق شيء من حواسنا

مثال؛ من كتب كتاباً فوجدناه بين أيدينا، عرفنا قطعاً قدرته وعلمه بنوع من الكتابة وإرادته، استدلالاً بفعله ويقيننا الحاصل بوجود حركات يده المحسوسة وانتظام سواد الحروف على بياض الورق، وان كان هذا مبصراً وتلك المعاني غير مبصرة.

أي ان الذات الإلهية معلومة بالاستدلال عليها بآثارها ولا تُحس

مفهوم الذات عند الفلاسفة:

أفنى الفلاسفة حياتهم في صراع ذهني باحثين عن الحقيقة في (الله).. ماهو؟ وكيف هو؟ وما هذا الوجود؟ ومن أين جاء؟ والى أين ينتهي؟ وما صلة الوجود بالله؟ وهل هو قديم قِدَم الصانع؟ وهل هو محتاج الى الصانع ام مستغني عنه؟ وهكذا دارت عقول الفلاسفة مع هذه الأسئلة. (ويقال ان الجائع لا ينام وان القلب الذي فرغ من الدين لا يخلو صاحبه من الهلوسة في الدين)، وممن تكلم في الذات:

سقراط: يذكر  بأنه هو المدرك والواصف لكل موجود اسماً، فكيف يَقدر المسمّى أن يسميه اسماً؟ وكيف يقدر المحاط أن يحيط به وصفاً؟

يبدو ان فكرة الإلوهية استولت على تفكيره، فقضى حياته واقفاً يطرق بعقله الكبير الباب الذي يؤدي الى الله فلم يفتح له ولم يَر ما وراءه شيئاً، ولكنه أدرك إن وراء هذا الباب كل شيء!

أرسطو: أما المعلم الأول فيرى: إن واجب الوجود لا يعتريه تغيير وتأثير من غيره، بان يبدع او يعقل! فأن البارئ عظيم المرتبة جداً، غير محتاج الى غيره، ولا متغير بسبب من غيره، سواء كان دائماً في الزمان! ولا يجوز ان يتغير كيف ما كان التغيير، لان انتقاله إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير، لان كل رتبته غير رتبته فهي دون رتبته، وكل شيء يناله ويوصف به فهي دون نفسه!.

يبدو إن أرسطو أراد ان يبالغ في تنزيه الله فأدى به ذلك الى ان يعطل (الذات) فلا تخلق! وان يجردها من كل صفة لأنها تغير من أحوال الذات وانتقال من حال الى حال وكمال الذات بقائها على حالها التي هي عليه لأنها في أحسن حال وأعدله لان ما سواها سيكون نقص من الكمال.

فيثاغورس: يقول الفيلسوف الرياضي" إن الله واحدٌ لا كالآحاد فلا يدخل في العدد، ولا يُدرك من جهة العقل ولا من جهة النفس، فلا الفكر العقلي يدركه ولا المنطق النفسي يصفه فهو فوق الصفات الروحانية، غير مُدرك من نحو ذاته، وإنما يدرك بآثاره وصنائعه وأفعاله...

ويقول الفيلسوف المسلم محمد إقبال: ان تصور الذات الإلهية متصفة بصفات البشر أمر لا مفر منه ولا يمكن تجاهله في فهم الحياة لان الحياة لايمكن ان تُفهم الا من داخل النفس.

مما تقدم بعض ما قيل في الفلسفة القديمة وتصور الفلسفة الحديثة الإله مذهب التنزيه عن التجسيد والتحديد وتمثله على انه فكرة او رمز اكثر منه ذاتاً أو صورة، ومن عجيب ما يروى قول الفيلسوف الوجودي (يسبرس): ان الطريق الى الله طريق شخصية، يبلغها الانسان بالكفاح والمجاهدة في سبيل الوصول اليها، ولا يتلقاها كما يتلقى الهواء والنور!...إلهي غير إله الاخرين.. لا يشاركني فيه أحد..!!

ولاأدري أهذا قول فيلسوف أم خطرات متصوف؟! إذاً فالناس جميعاً بمنزلة واحدة من العجز إذا هم استخدموا عقولهم للتعرف على (ذات الله) وهم جميعاً شعراء ومتصوفة إذ هم استقبلوا الاشارات الصادرة من عالم الحق

التشبيه والتجسيم في الذات:

هو تشبيه ذات البارئ بذات غيره من المخلوقين وتشبيه صفاته بصفات غيره. اي ان الله على صورة الانسان عضواً فعضواً، ومن قال بذلك بيان بن سمعان التميمي واتباعه وزعم ان معبوده إنسان من نور على صورة الانسان وانه يفنى كله الا وجهه!

كما قال المغيرة بن سعيد العجلي واتباعه بان الله صورة وجسم ذو أعضاء مثل حروف الهجاء، وصورته صورة رجل من نور على رأسه تاج من نور وله قلب تنبع منه الحكمة

وشبه ابي منصور العجلي نفسه بربه وزعم انه صعد الى السماء وان الله مسح يده على رأسه وقال: يابني بلغ عني ثم أهبطه الارض!

الحُلُول: هو ان يحل الله بذاته أو بروحه في البشر وقد يكون بجزء او بكل، وهو يوافق قول النصارى في نبيهم عيسى، ومن قال بذلك السبئية واتباع عُمير بن بيان العجلي الذين عبدوا الامام جعفر الصادق وسموه رباً.

التناسخ: هو رد الروح الى بدن غير البدن الاول، ومن قال بذلك بيان بن سمعان الذي ورد ذكره، وقال: ان روح الله  تناسخت في الأنبياء والأئمة من آل بيت النبي سلام الله عليهم حتى صارت الى ابن الحنفية ثم انتقلت إليه منه وادعى لنفسه الربوبية على مذهب الحُلُولية

المعتزلة والذات:

جعل المعتزلة العقل سلطاناً مع سلطان الشريعة، بل جعلوا أحياناً العقل قيماً على الشريعة! ( اي العقل أولاً) فما كان في الشريعة ما يوافق العقل أخذوا به وما خالف ذلك أولوه على ما يوافق العقل!

وقد قالوا بنفي الصفات الإلهية عن (الذات) وان الذات مجردة من كل صفة، لان الصفة تلحق الشيء بعد ان تكون له (ذات) وصفات الله ان لحقت الذات كانت الذات ناقصة قبل وجودها فكملت بها، والله سبحانه كامل الكمال المطلق.

معنى هذا عندهم ان الله عالمٌ لذاته قادر لذاته حيّ لذاته لا بعلم وقدرة وحياة ... لانه لو شاركته الصفات في القدم لشاركته في الالوهية!

واتفقوا على نفي أقاويل بعض من  غالَ في آل البيت النبوي في التشبيه عنه سبحانه جهةً ومكاناً وصورة وجسماً وتميزاً وانتقالاً وزوالاً وتغيراً وتأثراً، ( اي تمثل الله وتجسده وحلوله في أئمة آل البيت النبوي)، لأسباب يبدو انها سياسية!!

وقد صادف هذا هوى الخلفاء العباسيين فابتدروا هذا  الرأي حتى جعلوه مذهباً وعقيدةً للدولة العباسية منذ ايّام المأمون الى عهد المتوكل، نكايةً بآل علي حتى لا يبقى فضل لآل علي على آل العباس، لكي لا يرجع الفضل اليهم ويبتدرهم الخلفاء بالمجيء والتودد اليهم واقرار فضائلهم، ولولا الحماية العباسية للمعتزلة لما انتشرت افكارهم ومعتقداتهم بالرغم من العواصف الفكرية المضادة، ولما احتفظ التاريخ بأثارهم التي تركوها في المجتمع الاسلامي التي كادت ان تبتلع كل القوى المعارضة لهم.

ما هية الذات:

لقد جعل القرآن للذات مفهوماً وسطاً بين التجريد والتجسيد، (فلا تقع الذات في الإدراك مجسدة ولا مجردة) إنه يمسك بها ولا  يلمسها!؟ حيث تجد الله سميعاً بصيراً عالماً قادراً حياً مريداً يحيّ ويميت وهو على كل شيء قدير، قائم على الملك على عرشه وكرسيه والملائكة حافون من حول العرش لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، وهذا من شأنه ان يُخيل للإنسان صوراً ما (للذات)!!

ثم يصف القرآن (الله) ليس كمثله شيء، فتأخذ تلك المفاهيم التي كانت قد بدأت تتشكل وتتجسد في الذوبان كما تذوب صخور الثلج في المحيط!!

لماذا لا يظهر  الله للناس عياناً؟

هل تستقيم حياة الانسان وهو يرى الله عياناً؟ وكيف سيكون سلوكه وهم يشهدون الله شهوداً صريحاً محسوساً في كل زمان ومكان؟ كيف ستكون الحياة؟

ان الظهور العياني لله يخمد جذوة الإيمان به ويرفع بواعث الاجلال والإعظام له، فان الأشياء والمعاني إذا وقعت في دائرة الحس او الإدراك من الانسان قل اهتمامه بها، والتفاته إليها، وأنك لترى الناس يتحرقون شوقاً الى الشيء ويبذلون له كل ما وسع جهدهم من بذل وتضحية حتى ليبلغ ذلك حد المخاطرة بالنفس وتعريضها للتلف! فإذا ما وقع الشيء في أيديهم خمدت نوازع الشوق اليه وصارت نارهُ رماداً !!

ان الشوق كالحُب لا يحيا الا في مجال الحرمان ولا ينمو الا في حال التوتر والقلق!

وهل الإيمان الا شوق وحب ومكابدة.

المصادر:

الله ذاتاً وموضوعاً/ عبد الكريم الخطيب/ صفحات متعددة

تهافت الفلاسفة/ للغزالي/ ص ٨٩-٩٠

العقيدة الاسلامية ومذاهبها/ فحطان عبدالرحمن الدوري/ ص ٧٥

الملل والنحل/ ابي الفتح محمد عبدالكريم الشهرستاني/ ص ٣٨-

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر، وتنشرها كما ترد، عملا بحرية النشر، كما أنها لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "المسلة".. كما ان المسلة لا "تعدّل" او "تصحّح" الأخطاء الإملائية والتعبيرية ( إنْ وُجدت) في النص الوارد اليها عبر البريد، أيضا.


شارك الخبر

  • 1  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •