2019/03/13 16:20
  • عدد القراءات 146
  • القسم : آراء

مظهر محمد صالح: الضريبة ونبوءة الرئيس

بغداد/المسلة:  

لمحات من التاريخ الاقتصادي للعالم . الجزء الثاني /الضريبة ونبؤة الرئيس

مظهر محمد صالح  


تجلى الوجوم في صفحة وجه الرئيس الامريكي بنجامين فرانكلين في 1789 وهو على طاولة مكتبه عندما تناول قلمه بحركة حادة وراح يكتب على ورقة بيضاء ليفاجأ بأن قلمه ليس فيه نقطة حبر واحدة... ثم انتبه الى ان القلم لا يكتب . توقف الرئيس فرانكلين عند قلمه الساحر الذي بات لغزاً غير قابل للتفسير في تلك اللحظات ، وهو يحرك يداه حركة حائرة ليقول : إن في هذا العالم لا يوجد شيْ نعتقد انه مؤكد عدا شيئين هما : الموت والضرائب..! 

انه من الصعب حقاً على رجل البلاد الاول ان يتذمر من الضرائب ، ولكن على الرغم من ذلك إستمرت الحكومات ومنذُ عهودِ بعيدة تفكر وبطريقة مبدعة في التحصيل النقدي للضرائب والرسوم . اذ يروي الكتاب المقدس انه عندما سافرت مريم العذراء (عليها السلام) مع يوسف الى بيت لحم كان هدفهما تسجيل ملكيتهما للضرورات الضريبية . ولم ينفك ملك انكلترا وليم الفاتح في مطلع العام 1086 في التحري عن التحصيل الضريبي ، عندما اجرى مسحاً ضريبياً لانكلترا في كتاب اسماه بيوم الحساب ! ذلك بغية معرفة من هم الخاضعون الى ضريبة حقاً. كما فُرضت ضريبة الدخل في مطلع القرن العاشر الميلادي على المواطنين الصينيين كافة . وظلت الضريبة وحتى اليوم المصدر الرئيس في النزاعات السياسية . فقد تعهد على سبيل المثال الرئيس جورج بوش الاب في حملته الانتخابية في العام 1988 قائلاً بالحرف الواحد : أقرأوا شفتي ..لا ضرائب جديدة !! وفجأةً انقلبت الاوضاع المالية على عكس ما تعهد به امام ناخبيه فتعاظمت الضرائب إبان حكمه مرات عديدة. وظل الناس يمتعضون ومنذ فجر التاريخ من اي استقطاع يطول تدفقاتهم النقدية او المادية عنوةً حتى وان كانت لاسباب وجيهه . ويلحظ ان محصلي الضرائب كانوا اشد قسوة مما هم عليه الان ، ما اضطر العمال والفلاحين في تلك الحقب التاريخية الى بيع زوجاتهم وبناتهم الى حواضن العبودية حينما تعذر دفع الضرائب المترتبة عليهم . 

وعلى مر التاريخ ، لم يجدىِ التذمر الذي يظهره الساسة حول العبء الضريبي ، كما ان انتقادها لا يوفر حقاً ملزماً في خفض اعبائها كحق من الحقوق الانتخابية. ولكن انتقاد الضريبة على سبيل المثال كان حافزاً للناس في توقيع لائحة حقوق الانسان (المكناكارتا) في العام 1215 في انكلترا، كما شكل الانتقاد الضريبي واحدة من دوافع قيام الثورة الفرنسية وتحركات حزب الشاي في بوستن إبان الثورة الامريكية. وعلى الرغم من ذلك ، كانت الضريبة تفرض وعلى نحو قليل لا يتعدى 10% من الدخل السنوي في الغالب . كما تفرض وبشكل خاص عند اندلاع الحروب وهو امر لا يتكررسنوياً. ولكن نجد اليوم ان الضرائب تفرض سنوياً حتى وان كانت البلدان غير منغمسة بحرب. فالاتحاد السويسري ، الذي لا يعرف الحرب في تاريخه ، تصل الضرائب فيه على المشتغلين بنحو 30% من مدخولاتهم السنوية . لقد اخذ النظام الضريبي ، ومنذ منتصف القرن العشرين ، يمسك بدورين ثنائيين : اولهما ، تمويل المؤسسات التي تحمي المواطن كالجيش والشرطة والطواريْ والمحاكم وثانيهما ، إعادة توزيع الثروة من اولئك القادرين الى اولئك المحتاجين ضمن دولة الرفاهية الحديثة.

ختاماً ، عندما اقدم وليم بت الاصغر رئيس وزراء بريطانيا وللمرة الاولى في العام 1798 على اعتماد نظام لضريبة الدخل في انكلترا في خضم الحروب النابليونية ، كان قد أصر بأنه إجراءٌ وقتي لتسديد نفقات تلك الحروب مع فرنسا ، ولكن استمرت ضرائب الدخل دون توقف في انكلترا منذ ذلك العهد لكي يحقق رئيس وزراء بريطانيا نبوءة الرئيس الامريكي فرانكلين 1789 القائلة : بأنه لا يوجد شيْ مؤكد في هذا العالم عدا الضريبة او الموت!!.

المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى "نصا ومعنى"، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر.


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •