2019/04/13 10:37
  • عدد القراءات 167
  • القسم : آراء

حسين العادلي: الدولة من الإختطاف إلى التشظي

بغداد/المسلة: 

حسين العادلي

حِراك الدولة الحديثة منذ القرن 16 الميلادي هو حِراك إنتزاع السلطة من اختطاف المحتكر لها والمستبد بها، فالدولة ظاهرة سياسية مجتمعية أنتجتها نضالات المحكومين لإنتزاع الصلاحيات المختَطَفة من قبل السلطات المطلقة لهدف تقنينها ومأسستها، باعتبار أنَّ السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. صحيح أنَّ الدولة حصيلة تطوّر بنى الإقتصاد والإجتماع والمعرفة والثقافة، لكن تبقى الدولة بالأساس ظاهرة سياسية شكّلتها علاقات التّحكم الجدلية بالسلطة والثروة والنفوذ، وطوّرها صراع الشرعية بين الحاكم والمحكوم ومديات تمثيل الحاكم للإرادة العامة وتحقيقه لعدالة توزيع الثروة. فتاريخ الدولة يتجلى بحِراك التّنازع والتّحكم بحق التصرف الشرعي بالسلطة والثروة بين الحاكم والمحكوم، إلى أن حط المقام بالدولة (معيارياً) ككيان يجسّد الإرادة العامة للمواطنين.

في الوقت الذي تعتبر فيه الدولة أعلى أشكال السلطة، فإنها أيضاً مقبرة للسلطة بمعناها الإستبدادي والنفعي، فالسلطة في الدولة الحديثة هي وظيفة يمارسها المسؤول بأجر ووفق اشتراطات معقدة ومقعدة على وفق القوانين والمؤسسات، وليست حقاً أبوياً أو بطرياكياً أو ثيوقراطياً أو وراثياً أو ثورياً، بل هي حق الأمة تفوض به مَن تشاء وفق إرادتها الحرة وحقوقها الثابتة تحقيقاً لمصالحها العامة. 

تُختطف الدولة بتغييب الإرادة العامة للمواطنين، وتُغيب الإرادة بالإستبداد من خلال مصادرة حق الجمهور بإنتاج السلطات ديمقراطياً. وتُختطف الدولة عندما يتم تجريد مواطنيها من حقوقهم وحرياتهم، وعندما تختل منظومات الحقوق والواجبات بفعل التمييز العرقي الطائفي الإثني، وتغيّب الدولة بفشل إدارة وظائفها من أمن وخدمات وتنمية على يد السلطات الفاشلة، والعاجزة عن تحقيق العدالة والتوازن بين مصالح الأفراد والجماعات والمصالح العامة.

وكما تُختطف الدولة باختطاف شرعيتها القائمة على فكرة التفويض، وباختطاف مشروعيتها بتحقيق وظائفها، تُختطف أيضاً بالتصحر السياسي الذي يفرضه انسداد الأفق بفعل الشموليات والآيديولوجيات الآسرة للدولة، وبالتلاعب والإبتلاع الحزبي الشخصي لكيانها ومصالحها العليا، وبسلب القوة والسيادة من سلطاتها من قبل المجتمع والجماعات،.. كل ذلك يؤدي الى اختطاف الدولة لتغدو سلطة بدائية تتلبس بالدولة زوراً، فتفقد شرعيتها وتنهار وظيفتها، عندها تغدو عبئاً على مواطنيها، وما عسى المواطن أن يفعل بدولة مختطفة الشرعية والوظيفة، يتلاعب بها المختطفون لها من أرباب المصالح والمغامرات!! وما نفعها من دولة عندما تغدو مملكة فرد أو اقطاعية حزب أو سوقاً لكارتيلات المال والسياسة.

الدولة العراقية قبل 2003م هي إنموذج للدولة المختطَفة لصالح الأنظمة المستبدة والتمييزية والمغامرة، وبالذات نظام البعث/صدام الذي اختطف الدولة بمؤامرة لتغدو إقطاعيته السياسية الإقتصادية المغلقة المطلقة، والتي لم يغادرها إلا بتسليم الدولة ركام دم وتخلف وعصبيات واستلاب.

بعد 2003م خرجت الدولة من فج الإختطاف إلى نفق التشظي، فبدل أن يعاد بناء الدولة على وفق مقومات الحكم الرشيد وبنواة صلبة، تم اعتماد معادلة الحكم التوافقي المكوّناتي الذي شظى وحدة الدولة على عدد الهويات والمصالح والقوى تحت عناوين الشراكة والتوازن والتوافق، وليصل التنازع إلى كل ما يتصل بالدولة من سلطات ومؤسسات ومصالح وعلاقات سيادية،.. وليتصاعد التنازع أخيراً لمستوى الأقلمة (الثأرية) مفتوحة النهايات!!.

هل من سبيل لتحرير الدولة من الإختطاف والتشظي؟ سؤال برسم وعي وتضامن ومسؤولية قوى ونخب وأمّة الدولة.

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر.

المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •