2019/05/04 15:15
  • عدد القراءات 1881
  • القسم : آراء

ماذا سنفعل مع العقوبات؟

بغداد/المسلة:  كتب مشرق عباس..

في العراق، نحن مذعورون حقا! مشغولون حد الانغماس بتبعات الصراع الأميركي ـ الإيراني؛ وكمفارقة مرّة فنحن منغمسون بهذه القضية أكثر من الإيرانيين أنفسهم، وبالتأكيد أكثر من كل دول المنطقة، ومع أن القوى العراقية تحاول أن تظهر بمظهر من يمتلك إجابة ما، فإنها لا تحمل أية إجابات، فتلجأ إلى إثارة الفوضى والشعارات السياسية ومهاجمة بعضها والشعب بعنف.
ندرك بفعل تاريخ طويل من الرضات الاجتماعية والتنمر الذي مارسناه ومورس علينا، أن بلادنا في مواجهة خطر. فنحن نعرف بشكل واضح ماذا تمتلك واشنطن من أساليب عقاب جماعية في حال امتنعنا عن مجاراتها في العقوبات ضد طهران، ونعرف أكثر ما لدى إيران من عقاب جماعي لن تتردد في استخدامه إذا شاركنا بتلك العقوبات.

على شكل موجات هستيرية من الغضب الجماعي، تحفل وسائل التواصل الاجتماعي بصراخ عراقيين بكل الاتجاهات؛ يصرخون ضد واشنطن وطهران والعرب وتركيا وضد بعضهم البعض، ويتخبطون في الظلام عندما يعتقدون أنهم يعرفون طريقهم، والنتيجة أن لا أحد يحدثهم! فالأحزاب المتورطة حد النخاع بما وصلنا إليه من تخبط، تربض في الزوايا المظلمة بانتظار موجة شعبية غاضبة لركوبها؛ والحكومة المعنية بصوغ التوازن والثبات الانفعالي الجماعي مذعورة أكثر من شعبها.
البداية يجب أن تكون من توصيف الورطة، قبل الذهاب إلى حلها كما نقترح، أو تغافلها والتحايل عليها كما تجتهد القوى السياسية العراقية. فالعراق يقف على حافة خيارات معقدة مع اليوم الأول لتطبيق مرحلة جديدة من العقوبات الأميركية ضد إيران فيما يخص إنهاء الاستثناءات حول استيراد النفط الايراني، وهي مرحلة قد تعقبها مراحل، وفيما أن طهران ذاهبة كما يبدو لاستخدام كل إمكاناتها ونفوذها لتعطيل هذه العقوبات وتخفيف آثارها على شعبها، فإنها لن تمانع مطلقا في أن تتشارك مع شعوب المنطقة هذه الآثار.
والحكومة العراقية التي تدعي الهدوء والتفهم وتطلب إنصافها أمام الضغوط، يبدو أنها اختارت عدم فهم حجم الأزمة، وعدم السعي إلى مواجهتها، بدليل أنها، وهي تسلم أمرها لأهواء أمراء الأحزاب وتهديداتهم، لم تسع إلى مناقشة الطريق الذي اختارته وإن كان حقا طريق الوسط والنأي بالنفس وبالمصير عن المصائر الأخرى، أم طريق اللاعودة باتجاه التورط بالعقوبات.
ليس لأن السياسة الأميركية بأفضل أحوالها، فإننا ونحن نراقب اقتراب الانتخابات الاميركية المنتظرة، نضع أيدينا على قلوبنا، فقد اختبرنا مرارا كيف تدفع بلادنا على مسافة آلاف من الكيلومترات ثمن التنافس الانتخابي الأميركي، تماما كما دفعنا ثمن قرار الاحتلال، وكما دفعنا ثمن قرار الانسحاب، وكما نذعر اليوم خشية أن ندفع ثمن العقوبات.

ولهذا تحديدا يجب أن تنفتح العقول على سناريوهات أكثر حدة في التعاطي الأميركي مع الصراع ضد إيران، ومن ضمن ذلك سيناريو وضع العراق بدوره على قائمة العقوبات، الأمر الذي لم يعد يستبعده مسؤولون أميركيون يتحدثون ببرود ونبرة تهديد مع الحكومة العراقية، ويطالبونها بتحديد موقف على طريقة "من ليس معنا فهو ضدنا"، وهي الطريقة نفسها التي تنتهجها الإدارة الإيرانية وهي تضغط بكل الاتجاهات للسيطرة على القرار العراقي ومنع ذهاب بغداد إلى منطقة الحياد في الأقل لضمان تقليل الخسائر.
الحديث بنسختين مختلفتين تماما واحدة مع طهران والأخرى مع واشنطن، أصبح بدوره مكشوفا للطرفين، جربها الزعماء العراقيون أخيرا، واكتشفوا أنها حيلة بدائية.
الحل يبدأ بالمصارحة الواضحة لحدود الإمكانات العراقية في هذه المرحلة بعيدا عن العنتريات التي سممت حياتنا. وعلى المسؤول العراقي أن يحدد خطابا واحدا لشعبه ولطهران وواشنطن معا، فإذا كان قد اختار الانضمام إلى إيران لإنقاذها من العقوبات، عليه أن ينبه الجميع لتداعيات هذا الخيار، وإذا كان سيتحول إلى شريك في العقوبات عليه أن يتحدث أيضا بتداعيات هذا الخيار.

لم يعد هناك متسع لتقليب اللغة بحثا عن مرادفات سياسية أقل إيلاما، فالعراق بلد محطم على مستويات مختلفة، ولم يعد يحتمل مغامرات جديدة ويجب على مقترحي المغامرات أن يخبرونا بالطريقة التي سيجنبون الشعب نتائجها؟

الحرة - متابعة المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 2  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •