2019/06/11 11:55
  • عدد القراءات 4765
  • القسم : رصد

الشيخ الزهيري في محاضرة عن الانتحار: حرام شرعاً وقانوناً وعرفاً

 بغداد/المسلة: سلّط الشيخ عبد الحليم الزهيري، الضوء على انتشار حوادث الانتحار في المجتمع العراقي، في محاضرة له رصدتها "المسلة"، أجاد فيها الشيخ، وصْف الحالة، وتداعياتها، وأسبابها الاجتماعية، وموقف الإسلام منها.

استهلّ الشيخ الزهيري، كلامه بالحديث عن تزايد حوادث الانتحار في الآونة الاخيرة، قائلا: لقد تفشّت حالات الانتحار لكن لم تبلغ المستوى الذي يمكن عنده ان نسميها بـ "الظاهرة" على رغم انتشارها بكثرة في مختلف مناطق العراق، وبطرق مختلفة، مثل إلقاء النفس من فوق الجسر، أو في الماء، او كما حدث في محافظة النجف الأشرف، عند مجسّر ثورة العشرين.

المسلة تنشر نص المحاضرة:

أثارت حالات الانتحار، المهتمين بالشأن الديني والسياسي، وأشارت المرجعية في خطبتها في الجمعة الماضية، على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي، الى انتشار الحوادث، وأدانَتْها، داعيةً الى الوقوف على الأسباب، وضرورة قيام الدولة بممارسة مهامها لتطويق المشكلة.

الانتحار حرام عند كل المذاهب والآراء وبشكل قطعي، وفلسفة هذه الحرمة تكمن في انّ الاسلام لا يريد للانسان أنْ يقتل نفسه فقط، وانما لا يريد له أنْ يضرّها، لانّ النفس أمانة عند الانسان، وبالتالي فان الفرد غير حرّ في التصرف بها، على هذا النحو المضر، كما ليس للإنسان، الحق في ان يقول: "أنها نفسي وجسمي.. ولي الحق في التصرف فيها، كيفما اشاء".

بموجب ذلك، حرّم الإسلام كل الممارسات التي تتسبّب في الضرر للإنسان، كما هو الحاصل عند شخص يريد ان يثير الناس فيمزق جسده بسكين في الشارع، أو يجرح نفسه حتى يثير الانتباه، إذ انّ مثل هذه الممارسات التي هي "دون القتل"، حرام، فكيف بالقتل اذن؟.

حتى العبادات تتكيّف مع وضع الانسان

والاكثر من هذا، انه حتى العبادات تتكيّف مع وضع الانسان، إذ لا نجد حكماً شرعياً واحداً يتسبّب بالضرر على الانسان. وعلى سبيل المثال، فانّ الصوم الذي هو واجب على الانسان، فانه يُحرمّ على الصائم، اذا كان فيه ضرر عليه.

كما انّه في الحالة التي يتضرّر فيها الانسان من القيام والركوع والسجود في الصلاة، فان هذه الأفعال "تسقط" عن الواجب، وبدلا من ذلك يؤشر الانسان للركوع او يؤشر للسجود، تجنبا للضرر. كما ينظر الإسلام أيضا الى الضرر الاجتماعي والنفسي، مراعيا الحالات الحرجة، تجنبا للضرر، أيضا.

الفقهاء لا يختلفون على ذلك ابدا، ولكنهم يختلفون في نسبة الضرر وفي تحليل مفهومه، وفيما اذا هو ضرر محتمل، ومثال ذلك، ان الانسان يُنتقد احيانا إذا صلى في مكان عام، لكن هذا الواجب، لا يسقط الا إذا ادى الى إحراج واهانة، وما شابه ذلك.

الاسلام لا يريد الحاق الضرر بالإنسان حتى في أحكام الله

الاسلام لا يريد الحاق الضرر بالإنسان حتى في أحكام الله، فضلا عن غير احكام الله، وهذا يعني ان العبادات تسقط من اجل أن لا يحدث الضرر، فكيف بالممارسات الاخرى الخالية من اية جنبة عبادية ايضا، فإنها قطعا تكون محرمة، ولذلك يكون القتل، اكبر ضرر، لأنه جريمة.

نذكّر بالآية القرآنية: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا {المائدة:32}"، و فلسفة الحرمة ليس فقط من باب كونها حكما شرعيا فقط، وانما باعتبار ان الانسان حين يفكر بالانتحار، يقصد النية في ارتكاب جريمة لان قتل النفس "أشد" من قتل الاخرين، واذا كان قتل الآخرين لأجل الثأر أو لأجل منفعة أو مصلحة، -وكل ذلك غير مبرر-، فكيف يقتل الانسان نفسه!، وهي عملية تخلو من المصلحة، لكن ينتج عنها ضرر بكل المعاني والمقاييس.

تحريم الاسلام للانتحار، ناجم عن فهم للإنسان بان الذي يفكر بقتل نفسه، يفكر بقتل غيره أيضا، لأنه مهيأ نفسيا لهذا الفعل، ولذلك يجب ان يتربى الانسان على حرمة الضرر وكأنه يقتل الاخرين، وهذا يعني ان لا حق له، قانوناَ وشرعاَ وأعرافاَ.

أسباب الانتحار والمعالجات

وإذا درسنا المسألة بعيدا عن الجانب الشرعي، فان ذلك مدعاة للخوض في أسباب الانتحار، والعمل على عدم تحوّلها الى ظاهرة، وهذا يستدعي من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية، المساهمة في ازالة هذه الاسباب باعتبار ان الانتحار حالة مرضية نفسية ناتجة عن ظروف قاسية او مستوى معيشي واجتماعي هابط، فضلا عن الخلل في العملية التربوية، سواء كان على المستوى الرسمي او الشعبي.

الانسان يتشبث فطريا بالبقاء في هذه الدنيا، وقد خلقه الله على ذلك، ولولا هذه الفطرة وهذا الايعاز الداخلي، ما بقيت البشرية لأن الجميع يتعرض الى المشاكل، التي يجب ان لا يكون حلها بالانتحار.

كل مكونات المجتمع الدينية والمدنية، تقع عليها مسؤولية علاج أسباب هذه الجريمة ووضع الحدود لها، عبر برامج وخطط تحول البحوث والنظريات الى وسائل علاج واقعية، مقرونة بالتشخيص المبكّر للمشكلة، وهو ما أكدت عليه المرجعية، قبل ان تتحول سلسلة الحوادث الى "ظاهرة"، فضلا عن ان حديث المرجعية هو تنبيه الى المسؤولين على العمل على علاج الأسباب.

العدالة

لقد حرّم الإسلام، ظلم المجتمع والفرد، كما حرص الإسلام على العدالة المجتمعية او العدالة بشكل عام، لان تحقيق العدل يؤدي الى تقليص الفقر، ويعدم حالة الاثارة والحث على قتل النفس.

يشجع الإسلام أيضا، الناس، على العيش السليم المتوازن المتقارب، والامام علي (عليه السلام) قال: "وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ، وَ إِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضَمُهَا"، ليتجاوز تحريم قتل النفس الى غير الانسان، ولعل هذا يجسد العدالة التي يجب ان تتحقق، وهو أمر قد لا يرضي الكثير من المستفيدين والفاسدين والنفعيين، الذين يحاربون تحقيق النموذج الأعلى المتوازن في المجتمع.

حرّم الإسلام، بعض الاحكام التي تتعلق بضرر المجتمع أيضا مثل الاحتكار، حيث البعض يستخدمه ويربح من جراءه أموالا مضاعفة. لكن الاحتكار محرّم، لأنه يضر بالمجتمع مع ان التجارة محببة للإنسان، يحث الاسلام عليها، شرط عدم وقوع الضرر، والاستيلاء على السلع والربح الفاحش.

وإذا كان الإسلام يحرّم الاحتكار لأنه ضار بالمجتمع، فكيف لا يحرّم محاولة الانسان، قتل نفسه، الذي هو جريمة مضاعفة، حيث قتل النفس يخلو من "نية" الربح، أو المنفعة الشخصية.

المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 10  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 2  
    •   6
  • (1) - ابو محمود
    6/11/2019 7:53:16 AM

    الشيخ عبدالحليم الزهيري المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:- أن اسباب الانتحار واضحة ولاتحتاج الى دراسة من مؤسسات الدولة لآن تشكيل اللجان وصرف الملايين وتأجير القاعات واقامة الولائم لتلك اللجان وكذلك الاقتراح بالسفر والايفاد للاستفادة من تجارب الدول الاخرى سيزيد من حالات الانتحار . يفترض الاستعانة بالشباب أنفسهم من مختلف المحافظات ومن مختلف المستويات العلمية والاجتماعية لآننا سنجد لديهم الحلول وليس كما يطرحها المحللين السياسين والاقتصاديين لمناقشة هذه الحالة وبعد أن تنتهي الساعة التحليلية لهم يطالبون القناة بهديتة وهي دائما تكون مبلغ مالي فهكذا تحليل لن يكون عادلا ولا منصفا كذلك يمكن الاستعانة بالخبرات العلمية الجامعية المتخصصة بمجال الشباب . تحياتي



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •