2019/06/16 10:42
  • عدد القراءات 334
  • القسم : آراء

طه جزاع: الناعور يدور

بغداد/المسلة:  

طه جزاع 

من المصادفات السارة أن تتاح لي فرصة مشاهدة المحاولات الأولى لتدوير الناعور الأول من مجموع ثلاث نواعير يجري العمل على إحيائها في منطقة التربة ضمن حملة إعادة تأهيل نواعير آل رديعان في مدينة هيت للمساهمة في إحياء التراث الثقافي لمناطق أعالي الفرات ...
الحملة تجري بدعم وإشراف من وزارة الموارد المائية / الهيئة العامة لصيانة مشاريع الري والبزل ممثلة بشخص مديرها العام المهندس وليد خالد شلاش الذي يتابع كل تفاصيل العمل ونسب إنجازه . 

ومن أجل أن يكون التنفيذ مستوفياً للمواصفات التراثية فقد تمت الإستعانة بأصحاب الخبرة من رجال هيت المسنين يتقدمهم السيد مالك عبد القهار ( أبو سوري ) الخبير بصناعة النواعير . والعمل يجري على قدم وساق من أجل إنجاز المشروع بأكمله ليكون واحداً من المعالم التراثية والسياحية المميزة في هيت التي يعمل أبناؤها على تحقيق حلمهم بوضع المدينة على لائحة التراث العالمي ضمن برنامج اليونسكو . 

مع الصور صورة هندسية متخيلة للمشروع بعد إكتماله ... مع فديو لواحدة من استعدادات تدوير الناعور قبيل إكتمال أجزائه التي من المؤمل أن تكتمل هذه الأيام ليدور الناعور الأول في هيت مقابل أطلال نواعير منطقة الشاقوفة التي بقيت تنتظر من يعيد اليها نواعيرها الشهيرة .
أرفق هنا نص المقال الجميل الذي كتبه الزميل والصديق العزيز الدكتور مليح صالح شكر سنة ٢٠٠٤ عن نواعير أعالي الفرات تحت عنوان ( حكاية النواعير وموسيقى الماء والحنين) .

حكاية النواعير وموسيقى الماء والحنين
د. مليح صالح شكر

تميزت مدن محافظة الأنبار، هيت والبغدادي وحديثة وعنه وراوة وحصيبة بواسطة فريدة من نوعها لنقل الماء من الفرات لارواء البساتين والمزارع، وليس لها مثيل في أية منطقة عراقية أخرى. والناعور، جمعها نواعير هي تلك الواسطة التي تدور على نفسها بفعل دفع المياه، وتنقل أوان فخارية خاصة مربوطة بها ، الماء الى ساقية عالية تنحدر تدريجياً لكي ينساب الماء فيها وتروي الأراضي. يصنع الناعور من خشب التوت على شكل دائرة قطرها حوالي 10 متر وتوزع عليها حوالي 30 عود لتصبح بشكل عجلة.]ويركب عليها 24 دلواً. والنواعير ثلاثة أنواع، الصغيرة التي تروي بساتين ومزارع بضعة عوائل، والكبيرة التي تسقي مساحات أوسع وأبعد مسافة، والمزدوجة التي يجري تركيبها بمعدل 2 - 3 نواعير جنباً الى جنب لتكون كمية المياه التي تنقلها اكثر. وللنواعير على الفرات حكايات شعبية يتوارثها الأبناء عن آبائهم، ويحفظ أهل المنطقة أبيات أغاني العتابة البدوية التي تتغنى بالناعور، ويتمتعون بسحره الطبيعي، ويلتقطون شجيرات الرياحين التي تنمو بكثرة على جوانب سواقيه المبتلة، ويغفون في القيلولة على انغامها وخرير الماء من أوانيه. ويتعلم الأبناء من آبائهم فن نجارة الناعور. ويبدو ان نواعير نهر العاصي في حماة السورية هي أصغر حجماً من نواعير الأنبار العراقية، وتكاد نواعير حديثة وعنه وراوة ان تكون دائرة عملاقة تدور على نفسها. ولابد من استخدام خشب شجر التوت في صناعته، وهي أشجار تنتشر في هذه المنطقة. تقوم صناعة الناعور على قاعدة مركز القطر الهندسية، وهو مركز مجوف لادخال خشبة عملاقة فيه لتحمل كل الناعور، وتستند هذه الخشبة في طرفيها على قاعدتين خشبيتين من التوت، وتوضع هاتين القاعدتين على حائط عريض صلد من صخور الجبال والسمنت يصل بالضبط الى منتصف الناعور )نصف القطر(. ويربط بين الطرفين، ممر واحد يكون أمام الناعور قبل تدفق المياه في مجراه والذي يكون بعرض حوالي المترين.

ويستعمل أبناء المنطقة هذا الحائط للقفز الى النهر عند السباحة. ومن مركز القطر، تمتد الى جميع الاتجاهات الدائرية، أعمدة طويلة من خشب التوت ايضاً لتصبح في النهاية الدائرة، ثم تربط نهايات هذه الأعمدة بقطع خشب آخر تميل الى القوس الخفيف، لتشكل عند اتمامها محيط القطر، وتربط الواحدة بعد الأخرى بمسامير كبيرة الحجم هي من ذات الخشب.

وتبنى النواعير على ارض فسيحة ثم تفكك ليجري نقل أجزائها الى الموقع الذي ستنصب فيه، وعادة ما تكون واسطة النقل عبر مجرى النهر بالزوارق الكبيرة )الشختور( أو بسيارة نقل، أو على عربات تجرها الحمير. وفي محيط قطر الناعور، تربط أوان اسطوانية فخارية طويلة بواسطة حبال مصنوعة من خوص النخيل، وهي التي تنقل الماء عندما تغوص فيه عند دوران الناعور، وتصبه في الساقية التي ترتفع عالياً، ومن كثرة عدد هذه الأواني يجري الماء في الساقية التي تنحدر تدريجياً حتى تصبح بعيداً عن موقع الناعور في مستوى سطح الأرض وتسقي المزارع والبساتين. وتعرضت النواعير على الفرات للخمول نتيجة ضعف تدفق المياه بالفرات في السبعينيات بسبب ما كانت تقوم به تركيا من بناء للسدود على النهر والاستحواذ على مياهه، وشحة ما تسمح به للتدفق الى سورية والعراق.

لكن أهالي المدن العراقية على الفرات، لم ييأسوا، وأعادوا الحياة لنواعير ما زالت حتى اليوم تروي أراضيهم في هيت وحديثة وراوة وحصيبة. ومحاصيل المنطقة الزراعية وفيرة، وأهمها التمور والفواكه والزيتون الذي توجد منه أشجار معمرة في المنطقة، والخضراوات، والتين الذي ينمو على ضفاف النهر في بساتين يسمونها )جمادة( بسكون الجيم وفتح الدال. ولدى المنطقة ايضاً ثروة حيوانية كبيرة من الأغنام والدواجن.

ويستخدم أهل المنطقة مياه الفرات للشرب ايضاً ولكن بطريقة صحية حيث يقوم أحد الأشخاص بنقل الماء من النهر الى المنازل بأوان تحمل على الكتف، ويملأ )الحب( بكسر الحاء وسكون الباء، وتضيف العائلة )الشب( لتصفية الماء. و)الحب( هو اناء فخاري مخروطي كبير، فوهته الواسعة مفتوحة من الأعلى، ويوضع على محمل خشبي، وتحته اناء أصغر يجمع ما يتقطر من )الحب( من ماء صاف للاستخدام البشري ، و ِفي الصيف ترضع تحته أيضاً الفواكه والركي لتبريدها . ولكي لا تلتبس الأمور عند بعض الإخوة ، أو ّد أن أقول بأنني لست عانياً ، مع كل اعتزازي بالسنوات التي قضيتها طفلاً وشاباً في قضاء عنه .

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى "نصا ومعنى"، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 1  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •