2019/09/07 22:30
  • عدد القراءات 287
  • القسم : آراء

صلاح عبد الرزاق: أنثروبولوجيا عاشوراء (1-2)

بغداد/المسلة:  

الثقافة المحلية للشعوب انعكست في تقاليد عاشوراء

الدكتور صلاح عبد الرزاق

ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ذكرى تتجدد كل عام وتقام لها المجالس والمواكب في كل بلاد العالم في جميع مدن العالم والقارات تقام بها الشعائر الحسينية ، وهذه من تأثير ثورة الإمام الحسين (ع) في المسيرة الإنسانية .

معنى الشعائر 

الشعائر جمع شعيرة ritual  وهي طقس ديني يمارس في العبادات وتمارس لدى جميع الأديان بلا استثناء.
تعرف الشعائر بأنها مجموعة أفعال جسدية وأذكار وأدعية وممارسات عملية تقام في أوقات معينة أو أماكن محددة.  وقد تقام في مناسبات اجتماعية تصطبغ بطابع ديني كي تحظ بالقداسة والتبجيل. ولا يستثنى دين أو مذهب أو معتقد أو عبادة من ممارسة مجموعة من العادات والشعائر والطقوس. 
وقد تختلف هذه الطقوس والعادات حتى في الدين الواحد أو المذهب الواحد. ومن منطقة إلى أخرى. مثلا مراسم تشييع الموتى في العراق تختلف عنها في المغرب وغيرها في ماليزيا ونيجيريا. وهي كلها تسمى مراسم تشييع موتى ودفن مسلمين. وكذلك مراسم اولادة والختان والزواج والعودة من الحج واحتفال قدوم رمضان وغيرها. وكل هذه العادات لها أساس ديني واحد و تاريخ واحد لكنها مختلفة بسبب تفاعل هذه العادات مع الموروث الشعبي في هذه الأمم والشعوب. لقد تفاعل الإسلام مع تراثها الشعبي ولم يغيَره ما لم يكن مخالفاً للإسلام. ولذلك نجد أن المسلمين في كل أنحاء العالم يحتفلون بالعيد ولكن كل شعب يحتفل بالعيد من خلال مراسم وطقوس خاصة مختلفة من شعب إلى شعب ، وهذا شيء طبيعي .

في مراسم عاشوراء أيضا نجدها تختلف من شعب إلى آخر. هذه الطقوس التي هي عادة يختص بها الشيعة من أتباع أهل البيت (ع) في أنحاء العالم . وهناك طقوس متنوعة لكل شعب أو مجتمع ، فالإيرانيين غير العراقيين، والأتراك غير الآذريين ، وهم غير الأفغان . وهكذا فكلٌ له مراسيمه الخاصة. لسنا في هذا الصدد هنا في معرض الحديث عن الجانب العقائدي وهو شيء نعتز به ولكن ليس في هذا المكان. ولكن من المهم دراسة هذه الشعائر وطبيعتها وأهميتها، واهتمام المجتمعات بها خلال العصور السابقة إلى أن وصلتنا بهذه الصورة. قد تكون قد بدأت بشكل بسيط وعفوي. 
يروى عن المجلس الحسيني بأن أول من أقام مجلساً حسينياً تبعه موكب حسيني هو الشيخ المفيد في جامع براثا في القرن السادس الهجري. لقد أقيم المجلس بعد انتهاء آخر الدروس الفقهية في شهر محرم، بعدها توجهوا إلى الكاظمية كتجمع أشبه بالمسيرة سائرين رجالاً لإلقاء التحية والتسليم على الإمامين الكاظمين عليهما السلام. 
خلال العصور التالية أضيفت الكثير من الأمور والعادات فيما يتعلق بالمجالس الحسينية كالمنبر والرثاء واللطم وغيرها. كما تفننت الشعوب في كيفية التعبير عن حزنها سواء في مظاهر السواد من ملابس وزينة أو إطعام الطعام وتوزيعه على الزوار والمشاركين في المجالس والفقراء. واختلفت العادات والتقاليد ودخلت عادات جديدة في الطبخ والإطعام وتقديم أنواع الطعام المحلي. فنجد اليوم ما يطبخ اليوم العراق غير ما يتم طبخه في إيران.  . وهكذا إذا ذهبت إلى الباكستان أو البحرين أو لبنان تجد كل شيء يختلف . ففي كل منطقة تجد عادات وتقاليد تختلف عن الأخرى رغم أن الجميع يحيون مراسم عاشوراء. 
هذه الشعائر بقينا متمسكين بها وحضور المجالس الحسينية وهي مجالس ثقافية ومدارس للثقافة فعلا على مدى التاريخ خاصة في ظل ظروف الجهل والأمية السائدة في كثير من العصور فلم يكن يتحدث عن تاريخ الإسلام وتاريخ الإمام الحسين (ع) غير الخطيب , والناس كانت تستمع للخطيب الحسيني يتحدث في الفقه والسيرة والتفسير والعقائد والتعاليم الإسلامية إضافة إلى مأساة الحسين (ع) وأصحابه. 

علم الأنثروبولوجيا 

لسنا بصدد الحديث عن عاشوراء وما جرى فيه ، بل في الحديث عن طقوس المسلمين في إحياء مراسم عاشوراء سنوياً. والحديث ينصب حول كيفية التعامل علميا مع الطقوس والشعائر بشكل عام ثم كيف نطبق هذا المنهج في دراستنا لطقوس عاشوراء. 
هناك علم يسمى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) Anthropology   ويتألف من لفظتين الأولى: أنثروبوس Anthropos وهي يونانية الأصل ومعناها بشر أو إنسان. والأخرى : لوجيا Logia أي دراسة أو علم . وأول من استخدم هذا المصطلح هو الالإنسانية: ماني ماغنوس هونت Magnus Hundt  عام 1501م . وبات الأنثروبولوجيا اليوم يضم علوماً وفروعاً أخرى مثل الثقافة والثقافة الاجتماعية والآثار واللغات والبيولوجيا وعلم الاجتماع. 
هذا العلم يختص بدراسة المجتمعات الإنسانية : عاداتها وتقاليدها ، علاقاتها ، وعقائدها وطقوسها، وأصولها ولغاتها. كما يدرس الاختلافات بين الجماعات البشرية المتنوعة.  
هناك أربعة محاور يقوم بدراستها وعادة ما يركز عليها: 

 المحور الأول : الوصف  Description  
أي وصف هذه الشعائر . ويعني وصف دقيق لجميع ما يجري في ممارسة الشعائر. مثلا وصف طقوس الصابئة أثناء احتفالهم بأعيادهم حيث تتم بجوار النهر. وتتضمن مراسم الغطس وارتداء ملابس معينة سواء رجال الدين أو المحتفلين ، واستخدام أغصان نباتات وأعواد معينة ، إضافة إلى قراءة نصوص وأدعية من الكتاب المقدس للصابئة (الكنزربا). 

المحور الثاني: المقارنة  Comparison  

يقارن عالم الأنثروبولوجيا بين هذه الشعائر وشعائر مماثلة لدى أديان أخرى . ففي الطائفة المسيحية توجد شعيرة الغطس أو التعميد Baptism أيضا حيث يجري غطس الطفل حديث الولادة في الماء ضمن مراسيم خاصة يقوم به الكاهن في الكنيسة.  وفي الكنيسة الغربية جرى الاكتفاء بغطس رأس الطفل فقط دون بقية جسده. وإذا لم يغطس أو يُعمَد الطفل لا يعد مؤمناً مسيحياً. 
إن مراسيم الغطس بالماء موجودة في تراث شعوب وأديان أخرى مثلاً الهندوس يتطهرون بالغطس في نهر الغانج . كما يقوم المسلمون بالارتماس بالماء للطهارة الجسدية والروحية بعد ممارسة الجنس أو يوم الجمعة أو مناسبات أخرى. وهكذا تجرى المقارنة ما بين هذه الشعائر ومثيلاتها بين مختلف المجتمعات البشرية . 
إن جميع الشعائر والطقوس وأدواتها وأفعالها وأدعيتها قابلة للدراسة والمقارنة. مثلاً نجد ظاهرة استخدام الشموع في الطقوس والمراسم الدينية والمناسبات الاجتماعية. فكل الديانات تقريباً تستخدم الشموع أو البخور في الطقوس . فنحن المسلمون والمسيحيون واليهود والهندوس والمصريون القدماء والبوذيون والصينيون والشنتو في اليابان  تجدونهم يستخدمون الشموع . هنا يأتي دور الباحث الأنثروبولوجي ليبحث عن أصل هذه الظاهرة ، وأين نشأت ، ومتى تم اختراع الشمع أولاً . كما يدرس ماهية دلالات استخدام الشموع في الطقوس، وهل هي نفس الدلالة أم مختلفة من ديانة إلى أخرى. فالديانات التي تؤمن بآلهة النور والظلمة يختلف مدلولها لدى الديانات الموَحدة التي تؤمن بأن الله هو خالق الظلمة والنور، أو أن استخدام الشموع قد لا يتضمن مدلولاً دينياً أو عقائدياً بل مجرد طقوس احتفالية وزينة جميلة تبعث البهجة في نفوس المحتفلين. 
بالإمكان مقارنة بعض الظواهر التي رافقت يوم عاشوراء مثلاً ظاهرة قطع رؤوس الشهداء وتعليقها على الرماح والطواف بها في المدن ومن بلد إلى آخر . إذ مورست هذه العادة لدى مختلف الشعوب في الشرق الأوسط وآسيا وأوربا. وتشير الكثير من المنحوتات والآثار إلى هذه الظاهرة التي تؤكد الانتصار على العدو ونشر الفرح والسرور بالقضاء عليه، وليس أصدق من قطع رؤوس الأعداء وعرضها في احتفالات رسمية.

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 10  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •