2019/11/15 12:04
  • عدد القراءات 543
  • القسم : آراء

صباح الخير أيتها الديمقراطية

بغداد/المسلة:  

محمد زكي ابراهيـم 

إنني أؤمن أن حرية التعبير هي اللبنة الأولى في صرح الديمقراطية، وأن القمع هو الفخ الذي تقع فيه الدول، لتنتهي به في ما بعد إلى الانهيار. 

وأؤمن كذلك أن النقد الذي يوجهه الناس للسلطة يسهم في تقويم مسيرتها، وتدارك أخطائها. ومن الخير للحاكم أن يسمع رأي الناس من أن يصم أذنيه عنه، ويتفهم شكاواهم من أن يضرب صفحاً عنها. 

والدول التي نفضت عنها رداء الاستبداد منذ زمن طويل، واختارت الديمقراطية مذهباً للحكم، تمتعت باستقرار أمني ورفاه اقتصادي، لا يمكن نكرانهما بأي حال من الأحوال. 

وهناك من يرى أن الديمقراطية لم تصنع التقدم، وأن العكس هو الصحيح. فحينما قامت الثورة الصناعية في أوربا أنتجت الكثير من الطروحات التي خففت بها معاناة الناس، وأعطتهم ما يستحقون من حرية، ومكنتهم من المشاركة الفاعلة في السلطة. ومعنى ذلك أن التنمية سبقت التطور السياسي. 

ودليلهم في ذلك أن الديمقراطية لم تأت دفعة واحدة في بريطانيا أو فرنسا أو غيرهما من البلدان، بل مرت بمراحل كثيرة تزامناً مع التقدم الاجتماعي. حتى أن حق التصويت في بداياته كان حكراً على الأغنياء. ولم يلغ هذا الشرط إلا في أواخر القرن التاسع عشر. أما المرأة فلم تمنح هذا الحق إلا في القرن العشرين! فقد غير التقدم التقني حياة الطبقات الفقيرة، وطور من وضع المرأة، وأقنع النخبة بالمساواة التامة في اتخاذ القرار! 

وربما تكون الشعوب العربية قد غفلت عن هذه الحقيقة حينما خرجت للمطالبة بديمقراطية على الطراز الغربي، وهي مازالت تؤمن في داخلها بالقائد الرمز الذي يمتلك صفات الزعامة. وترى أنه وحده القادر على إدارة دفة الدولة. ولا تمانع في أن توكل إليه مهمة التغيير دون ضوضاء الأحزاب، وجلبة الطامعين في السلطة. 

لكنها في ذات الوقت لا تقبل بفشل هذا الزعيم، ولا تتغاضى عن أخطائه. والويل له إن ارتكب معصية، أو اجترح إثماً. فمصيره الموت على أعواد المشانق، أو القتل بالرصاص الحي. وفي أحيان كثيرة حينما يظهر هذا الرجل وينقاد إليه الناس، يتسلل إلى جواره قليلو الكفاءة، عديمو الضمير. فالحاكم الفرد يميل بطبيعته إلى المتملقين والمداحين، ويأنف من النقد والمعارضة. 

وقد روي عن أحد الزعماء العرب أنه قال ذات مرة أن شعبه يحتاج إلى خمسين عاماً كي يكون مستعداً لنظام ديمقراطي على الطريقة الغربية. وقد مرت الأعوام الخمسون، دون أن ينجح هذا الشعب في تحقيق هذا الهدف! 

أما الدول التي حصلت على ما تتمناه من نظام تمثيلي قائم على تداول السلطة بين الأحزاب والملل والأعراق، فإنها انتهت إلى فوضى وخراب وتناحر. ولم تحقق أي نمو أو تقدم أو تغيير. وبدأ بعضها يحن إلى أيام الاستبداد الخوالي! 

ويبدو أن لا حل لهذه المعضلة إلا بنظام يجمع النقيضين، ويؤلف بينهما. يعطي الزعيم سلطات واسعة، لكنه يبقي البعض منها في عهدة ممثلي الشعب. وبهذه الطريقة يمكن تجاوز العقبات التي تحول دون أي تنمية، وتحط من أي تقدم. 

لقد ثبت في جميع الدول التي جربت النظام البرلماني أن أكثر المسؤولين فساداً هم النواب، الذين يأتي بهم الناس ليفتحوا لهم أبواب الجنة. ولا يكتفي هؤلاء بالمساومة على قرارات المجلس، وتقديم التنازلات المهينة، بل يتسابقون من أجل الحصول على الامتيازات والمغانم والسلطة، دون حسيب أو رقيب. 

إذا كان الزعيم يحيط نفسه بمجموعة من الأتباع المخلصين الذين ينفذون كل ما يطلب منهم على وجه السرعة. ويمكن له إقصاؤهم بجرة قلم. فإن مجلس النواب يضم مئات الوصوليين والنفعيين والانتهازيين الذي يملكون حصانة يصعب تخطيها إلا بقرار من المجلس ذاته! 

وهكذا فإن الديمقراطية المقيدة النابعة من ثقافة الشعب، الملائمة لظروفه الاقتصادية هي الحل. صحيح أن بعض الأحزاب سيعاني الأمرين، وسيزج بقادته في السجن، لكن ذلك يهون، إذا كان يصب في صالح الجماعة. 

إن لي كوان ودينغ سياو بنغ، زعيمي سنغافورة والصين مثلاً لم يمتلكاً ملفاً ناصعاً في حقوق الإنسان، غير أن الجميع تغاضى عن ذلك بعد أن تمكنا من تغيير هذين البلدين بالشكل الذي نعرفه الآن. وحدث الشئ ذاته في جميع الدول الآسيوية التي تحولت في ما بعد إلى نمور اقتصادية قوية.

مثل هذه النماذج الجميلة حققت النجاح، لأنها لم تتنكر للروح الآسيوية، ولم تدر ظهرها للتقاليد الشرقية. وهي أقرب إلينا من النموذجين الأوربي والأميركي اللذين أغرمنا بهما دون مسوغ. 

وبدون ذلك سنشاهد عن كثب كيف تستعر الفوضى، وتنتشر البطالة، ويتردى التعليم، وتنهار المؤسسات الصحية. والأخطر من ذلك كيف تتفكك بلادنا وتنقسم إلى دويلات صغيرة يقاتل بعضها بعضاً، وينكل به دون رادع. فهذا هو نتاج التقليد الأعمى، الذي لا يأخذ في الحسبان خصوصية الشعب، ومشاكله، وتراكمات العصور الغابرة عليه. 

بريد المسلة 

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى "نصا ومعنى"، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر​

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •