2019/12/13 10:24
  • عدد القراءات 655
  • القسم : آراء

الدوائر الثلاث !

بغداد/المسلة:   

محمد زكي ابراهيـم  

لم يكن من المتوقع أن يتخطى النظام السياسي في العراق الجديد حاجز الخمسة عشر عاماً دون أن يتعرض للانهيار، ومن غير أن يصاب بنوبات مرضية. فلديه في الداخل خلافات حادة، وأمامه في الخارج مشاكل كثيرة. لكنه بقي كما بدأ أول مرة، لم تداهمه الشيخوخة، ولم تتغير فيه الوجوه. وهو مع كل عوامل الضعف التي اعترته، مازال رابط الجأش،  قوي الشكيمة.  

وسر ذلك أنه تعامل مع دوائر ثلاث، مكنته من مواجهة الأخطار، ومقارعة المحن. وهي الداخل بمكوناته الثلاث، والمحيط الإقليمي أو إيران وعرب المشرق، والمجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة . ولولا ذلك لما تمكن من مقاومة عوامل التشرذم طول هذه المدة.  

لقد تعرض إلى هزات كثيرة في الداخل، بعضها في غاية العنف، والبعض الآخر في منتهى القسوة، لكنه استطاع التغلب عليها جميعاً، فلم يصب بأذى يقعده عن المنازلة، أو خور يثنيه عن الاستمرار. هاجمته السلفية مرتين، إحداهما بعد ولادته بقليل، والثانية بعد أن اكتملت أدواته. وخرجت عليه قوى عاتية أخرى، استطاع أن يتخطاها، رغم كل ما مني به من آلام.  

إن هذه التجارب أضعفته من جانب، وعززت وجوده من جانب آخر. أصابته بشتى العلل، وعلى رأسها الفساد المالي واحتكار السلطة. لكنها جعلته قادراً على الإفلات من أعتى المواجهات. ودفعته لتعزيز علاقاته الإقليمية، بشكل أتاح له هزيمة أعدائه. فقد وجد أن بقاءه في الساحة وحيداً سيطمع فيه الأعداء. واختار الانضمام إلى المحور الأقوى الذين يمتلك المرونة وسرعة الحركة. وهو محور المقاومة وإيران.  

كانت تأثيرات البلاد التي تطوقه من الغرب والجنوب، تضغط عليه دونما توقف. وتهدد وجوده في الصميم، رغم أنه حاول مواجهتها بما تيسر له من سبل، وما اجتمع لديه من وسائل. 

في البدء كانت جحافل السلفية تفد إليه من بلاد شتى، فتجتمع في الشرق السوري، وتتسلل إليه عبر الحدود. لم يكن النظام السوري معنياً في يوم من الأيام بالسلفية، فهو وإياها على طرفي نقيض. لكنه لم يحاول الدخول معها في نزاع ليس في صالحه. وقد أثبتت الحوادث المتلاحقة أن الشرق السوري كان في واد، والدولة السورية في واد آخر.  

لكن المشكلة الكبرى هي في الدائرة الدولية.  فالولايات المتحدة لها أذرعها القوية التي يصعب ليها. وقد استغلت هجوم داعش لتغيير اتجاهات السلطة. واستغلت الكرد لإضعاف القوى المناوئة لها في الجنوب. واستغلت الاحتجاجات لعزل الحشد الشعبي. وهي في جميع ذلك وسواه تدافع عن كيان واحد في المنطقة لم يخرج يوماً عن طوعها وهو إسرائيل.  

إذا كنت تتقن فن المناورة وتلم بشروط الجغرافية السياسية فأنت المنتصر على الدوام، حتى لو اعترضت طريقك أشد القوى ضراوة، وحاربك أكثر الناس عداوة. فهذا هو منطق التأريخ في كل العصور!

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى "نصا ومعنى" الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر.

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 7  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •