2020/02/13 12:15
  • عدد القراءات 267
  • القسم : آراء

القيادة وعي

بغداد/المسلة:  

صباح الساعدي

كانت ولا زالت مفردة القيادة تثير جدلًا كبيرًا في الأوساط الفكرية على اختلاف مشاربها وأيديولوجيتها دينية كانت أم وضعية، واجتماعية كانت أم سياسية وعلى مدى الأزمان الماضية يمكن القول ان هذه المفردة القيادة وما تجسده كانت الأساس لحركة الشعوب والأفراد على حد سواء فحركة الشعوب بمختلف توجهاتها تبحث عن القيادة التي توجهها لتحقيق طموحاتها وآمالها وحركة الأفراد بمختلف مستوياتهم الإدراكية والثقافية تبحث عن الوصول للقيادة لتحقيق الأهداف خاصة كانت هذه الأهداف أم عامة واضيف لذلك مؤخرا مفردة الوعي وأصبح الجدل واسعًا عمن يجب ان يتصف بالوعي هل هو الأمة والمجتمع أم القيادة والقائد أم كلاهما أم شيء اخر يتبين من خلال هذا المقال بإذن الله الذي يتكون من أقسام.

هذا اولها ان مسالة القيادة ليست منحصرة ببني ادم بل تمتد في عمق الخليقة لتصل إلى بدايتها بل بمجرد الإعلان عن وجودها من قبل صانعها ومبدعها جل جلاله بخطابه إلى الملائكة (( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ...)) المشكلة الأكبر التي واجهت الملائكة حتى المقربين منهم هي الوعي بطبيعة المشروع الذي خطه خالق الخليفة الأرضي ما خلا واحدًا ادرك بوعيه عمق هذا المشروع الذي يُراد صناعة الإنسان له جاء جواب الملائكة على نحو المجموع سريعا مستبطناً هذه المشكلة الوعي بالمشروع ومقيدا بحدود الإدراك العلمي الذي وصلوا اليه ولا يستطيعون تجاوزه قائلين (( ... قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها يسفك الدماء ... )) فانطلقت رؤية الملائكة للمشروع الإلهي من صورة جزئية بسبب محدودية الوعي بالمشروع وذهابا إلى بعض النتائج الحتمية التي تقتضيها طبيعة الصراع الذي سيحصل وجهلًا بالأدوات التي تستخدم في هذا الصراع القاسي ولتتأكد محدودية الوعي لدى الملائكة بالمشروع يأتي بيان وجودهم من قبلهم وان هذا الوجود يُغني عن هذا المشروع الجديد وأدوات تنفيذه وما يصاحب ذلك من مجازفات قالوا (( ... ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ... )) فالملائكة ظنت ان المشروع هدفه خلق موجودٍ يسبح ويقدس لله سبحانه وما داموا هم يسبحون ويقدسون فالأمر لا يحتاج إلى كل ذلك.

ان هذا الظن الخاطئ لابد من كشفه وبيان محدودية وعيهم وان هذا المشروع يتعلق  بالمعرفة وليس بشيء اخر والمعرفة أساس الوعي فقال سبحانه (( .. قال إني اعلم ما لا تعلمون )) ولمزيد من الايضاح للملائكة بمحدودية وعيهم وإظهارًا للعجز الادراكي المعرفي يقيم الله سبحانه اول مناظرة علمية في الخليقة لبيان قدرة الخليفة القائد على قيادة المشروع بدلًا من المسبحين والمقدسين محدودي القدرة، قال تعالى (( وعلم ادم الاسماء كلها ... )) من هذا النص القرآني العظيم نجد قابلية القائد الرباني على التعلم المباشر من الله سبحانه وتعالى وعدم محدودية ذلك العلم أو الوعي بالنسبة إلى امثاله ولهذا قال سبحانه ( كلها ) وهنا الإشارة إلى عدم العجز عن الاكتساب العلمي مهما كان فاننا إذا اردنا ان ندرك ونعي حقيقة كلمة ( الاسماء كلها ) علينا ان نرجع إلى قوله تعالى (( ولو أنما في الأرض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله .. )) وقوله تعالى (( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددًا )) من هذين النصين القرآنيين يتبين تصورًا حجم الاسماء التي تعلمها الخليفة القائد من الله سبحانه وان الوعي بالمشروع الإلهي وعي لا محدود  ولتأكيد هذا المعنى بعد ان علم الله سبحانه ( الاسماء كلها ) لخليفته أقام المناظرة العلمية بينه وبين الملائكة (( ... ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين )) ويتبين العجز سريعا في المناظرة العلمية الأولى لبيان القيادة الواعية بالمشروع وأبعاده والاستطاعة لتحمل اثاره ودفع ضريبة تطبيقه (( قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم )).

نعم اعتراف من الملائكة بعجزهم عن وعي المشروع الجديد ومحدودية هذا الوعي رغم ان الذي علمهم هو نفسه سبحانه الذي علم الخليفة الأرضي القائد وهنا الاختبار بمستوى الوعي للملائكة وكشف بعض الأمور التي تختلج النفس حتى وان كانت سماوية فالادعاء انحصار المشروع بالتسبيح والتقديس وحصره بفئة معينة من الخلق واعتبار ذلك هو وعيٌ قائدٌ إلى نتيجة حتمية هي ممانعة  المشروع الجديد ما اسرع ما ينكشف ذلك عند هذا الاختبار فالقيادة وعي بالمشروع وأبعاده والتضحية في سبيله بالغالي والنفيس. قال تعالى (( قال يا آدم أنبئهم باسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم اقل لكم إني اعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون )) وما كنتم تكتمون رسالة لم يدركها من يدعي وهماً ان الوعي قائد رغم فشلهم في المناظرة العلمية الأولى في الخليقة، وممانعة المشروع الجديد تكشف عن عمق أزمة القيادة في الخليقة.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 0  
  • 1  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   0
  • (1) - ياسر
    2/13/2020 4:37:43 PM

    الشخص الذي يتمتع بتاريخ ملئ بالنصب والاحتيال والسرقة وتهريب النفط والغلاظة واللسان الزفر لا يستطيع ان يغطي كل ذلك بالعمامة والعباءة الدينية والترتيل الملل والوعظ الديني الخاوي ؟؟الاخلاقي؟؟ المج...ورحم الله من عرف قدر نفسه ما بقه بس هذا يعلمنه الوعي الله يطيح حظ الثقافة العراقية اللي تسمح لهيجي شكولات ان يطاوون ويتكلمون عن الوغي والدين والقيادة



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •