2020/05/28 09:10
  • عدد القراءات 3494
  • القسم : المواطن الصحفي

وزارة الثقافة في العراق.. خرافة لا يصدقها الّا المنتفع منها.. لا يمكن انتاج حرية فكرية بادوات قمعية

بغداد/المسلة: كتب حيدر هادي الخفاجي: قول العالم السياسي الفرنسي (اوليفيه روا – ولادة 1949 ) في كتابه الجهل المقدّس (إنَ الايمان بلا ثقافة هو وجه لما يسمّى بالتعصّب ) فما هي نوعية الثقافة التي تقوّم الايمان في مجتمع كالمجتمع العراقي ؟

وهل هنالك ضرورة لوجود وزارة الثقافة ووزير للثقافة وكادر عملاق من الموظفين؟ وهل تمكنت وزارة الثقافة العراقية من انتاج مثقف عراقي على امتداد الفترة الزمنية التي تبدأ من عام 1968 واستلام حزب البعث للسلطة ولغاية هذه اللحظة ؟وبالتالي سنكون مرغمين على وضع تعريف للمثقف العراقي للتوصل الى نتائج تساعد على الاجابة عن هذه الاسئلة . لكي أكون منصفا مع نفسي ومع القاريء الذي ما زال يبحث عن (الثقافة) سواء بمفهوها المتداول او بمفهومي الخاص فإنني اعتقد بأن الثقافة هي فعل وليست وصف او حال او اسم !!

كلمة ثقافة مشتقة من ثَقَفَ و(ثَقَفَ الرمح ) اي ازال اعوجاجه وجعله مستقيماً وبالنتيجة فان الثقافة هي فعل ازالة الاعوجاج في الفكر من اجل انتاج سلوك ايجابي , وبالتالي ان اي فعل انتاج لمنتج يساهم بتطور المجتمع ايجابيا فهو يدخل تحت مظلة الثقافة ومن قام بهذا الفعل يسمى مثقفا وان عملية استمرار انتاج هذا المنتج او اكثر من مشتقاته هي عملية (التثقيف). وهنا ومن خلال علاقاتي مع عدد كبير من (المتعاملين) مع الشأن الثقافي (بالمفهوم المتداول) سواء كاعلاميين و شعراء و ادباء ونقّاد وتشكيليين ونحاتين وموسيقيين ومسرحيين ومخرجين وصحفيين وغيرهم توصّلت الى قناعة مهمة قد يأتي من يستطيع تغييرها بيوم ما أو قد لا يأتي ابداً وهي انّ كلمة (مثقّف) في الحقيقة هي (ربع مثقّف) أو (نصف مثقّف) وربّما (نصف الربع او ربع ربع المثقف) فيما لو قسنا حجم المنتج الايجابي له مع المثقف الحقيقي او الايجابي .

ورأيي الخاص ان هذه المجموعات من (اجزاء المثقفين) تشكّل النسبة الاكبر من المجتمع العراقي وهي متعلمة دراسياً وامية ثقافياً بل قد تضم بين اعضائها حملة شهادات عليا ومراكز مهمة في الوسط الثقافي. وحيث ان وزراة الثقافة في العراق بدأت ذراعا من اذرع البطش السلطوي للنظام القديم وانتهت ذراعاً للجهات المسلّحة التي تنضوي تحت الفكر الاسلامي المسيّس فانّ كافة وزراء الثقافة هم نتاج مصنع ملوث فكرياً إذ لا يمكن انتاج حرية فكرية بادوات قمعية فالادوات الملوثة ستكون منتجاتها ملوثة فيظهر تاثيرها السام على جسد المجتمع في اي زمان ومكان. ورغم ان الشيوعيين في العراق قد وصفوا دائما بالاكثر ثقافة وبرغم قاعدتهم العريضة في المجتمع الّا انهم ومنذ نشأة حزبهم العريق الّا انهم كانوا دائما ضحية قادتهم بقدر ماكانوا ضحايا الانظمة الدينية او القمعية بدلالة تحالفاتهم السابقة واللاحقة التي لم يكن ضحيتها سوى القواعد والاعضاء منهم لا القادة .

والشيوعيون وبمرور الزمن لم يستطيعوا الاحتفاظ طويلا برموزهم الثقافية وكأنَّ المثقف الشيوعي يدرك متاخراً بانَّ الدعم الذي كان يتلاقّاه من الحزب هو دعم للحزب وشعاراته وهو دعم مدفوع الثمن سرعان ما يكتشف المثقف بان الصفقة كانت رابحة للحزب اكثر مما هي رابحة له رغم انه أحد اسباب صعود نجمه هو الحزب ولكن من اجل الحزب وليس المجتمع او المثقف نفسه فينشق عنه ويبدأ بالسير بمشروعه الثقافي منفردا (سعدي يوسف , مظفر النواب نموذجا).

لذلك اذا اراد المثقف الحقيقي الايجابي المُنتِج ان يقف على الارض التي تمكنه من ملامسة اكبر عدد من افراد المجتمع ويتفاعل معهم عن قرب فعليه ان يتحول وان يرمي قناع الثقافة الذي يعلو راسه ليتحول الى منصّة التنوير التي ستصبح علامته الفارقة وسط هذا الكم الهائل من (اجزاء المثقفين) , وبذلك سيتم اختصار مصطلح (المثقف الايجابي المنتج ) او (المثقف الحقيقي الايجابي ) الى مصطلح (التنويري) لان مساحة وارتفاع (القمامة الفكرية) قد سببت ظلمة مخيفة ومهولة انتشرت في فضاء المجتمع كالدخان الاسود ولا بد من التنويرين الذين هم وحدهم قادرون على القضاء على العتمة في عقول المجتمع. واذا ما اتفقنا على هذا المفهوم لل(تنويري ) فسنجد ان وزارة الثقافة في العراق هي اخر ما يحتاجه الفرد العراقي لان الجزء الاعظم من تفاصيل حياته اليومية هي بالنسبة للاغلبية الشيعية على تماس كبير مع سلطة الوقف الشيعي وتوصيات المرجعية الشيعية وولاية الفقيه اولاً والاحزاب الاسلامية الشيعية ثانيا وللاغلبية من المواطنين السنة على تماس مع هيئة العلماء المسلمين والاخوان المسلمين والجامع الازهر والاحزاب الاسلامية السنية وبذلك فان هذه الوزارة في حقيقتها لا تمارس اي دور ايجابي او تنويري لانها ولادة قيصرية لكائن من عملية تم شرعنتها تحت تهديد سلاح الفصائل المسلحة وبشهود وزرتم اغرائهم بالمال السياسي الفاسد وهذه العملية شكليا هي عملية (انتخاب)وفي الحقيقة هي عملية ( إغتصاب). وبغض النظر عن شخصية وزير الثقافة وتحصيله العلمي ومنتجه الادبي او الفني او الثقافي فانّه لا يمكن ان يكون حرّاً لأن كرسي المنصب الذي يجلس عليه قد صنع لوزير من العبيد في دولة كل الوانها تتوزع بين الرمادي والاسود وترفع حكومتها لافتات وشعارات الحرية التي لا توجد الّا في احلام الشعب المقهور. ولذلك فانني اعتقد بان الغاء وزارة الثقافة في العراق سيكون اكثر اهمية وفائدة من وجودها واذا كان ولا بد من وجودها فالافضل ان يدرك المسؤولون بانّ البلاد بحاجة الى وزارتين سيكون لهما اكبر الاثر في حل مشاكل الشعب واهم كثيرا من وزارة الثقافة ووزارة الاوقاف وهما ( وزارة الاخلاق ) و(وزارة الادارة والعمارة ) بعد دمج وزارة (الاعمار) مع (وزارة الاشغال والبلديات) تحت مسمى ( وزارة (الاعمار والبلديات ) واستحداث(هيئة السياحة والاثار) بدلا عن الوزارة الملغية.

ويكفي ان ننظر الى البصرة نموذجا لنرى صراع العشائر بمختلف انواع الاسلحة ومنذ بداية الاحتلال الامريكي للعراق ولغاية لحظة كتابة هذا الموضوع وبطرق همجية لا تختلف عن صراع انسان الكهوف من اجل الصيد دون ادنى تاثير لاي مؤسسة ثقافية ودون استحضار اي جانب اخلاقي وتحت اي عنوان سواء كان اخلاق الجيران او اخلاق ابناء المدينة او أبناء الريف او العشيرة.. الواضح جدا انها صراعات اقرب الى البذاءة منها الى الاخلاق. وعندما يدير المرء عينيه تجاه مدينة عمرها اكثر من ستة الاف عام وتمثل اللبنة الاولى للكتابة والعلم والحضارة وهي مدينة بابل فانه سيجد امامه مجموعة من الخرائب وتلال من القمامة والابنية المهشمة و(شط الحلة ) الذي اصبح مكبّاً للنفايات ومخلفات المستشفيات اسوة بكل انهار العراق لنعرف بان هذه المدينة التي كان احد وزراء الثقافة بعد 2003 من ابناءها وهو الشيوعيين الاوائل وان زميله السكرتير العام للحزب الشيوعي واحد اعضاء مجلس الحكم المنحل السيء الصيت هو احد ابناءها ايضا وان وكيل الوزارة في احد دوراتها هو من ابناء هذه المدينة والمتزوج من احدى النائبات عن بابل في مجلس النواب العراقي وانّ مدير الدائرة المالية في الوزارة هو من ابناء بابل ايضا دون ان ننسى بأن اخر وزير للثقافة قبل سقوط النظام كان من بابل ايضا لنعرف بأن وزارة الثقافة هي وزارة تشكو من الشلل او الكساح وتدّعي قدرتها على الفوز في سباق ماراثون البناء ناسية انها لا تملك قدمين وان يديها مغلولة وسلاح الحزب الذي يجيء بوزيرها موجه الى ظهره وسيطلق عليه عند اول محاولة للتمرّد رغم ان الجميع يعرف بأنه لن يحاول لكي لا يخسر مكتسبات العبودية التي يجلس مستمتعا بما تغدقه عليه.

ان الغاء وزارة الثقافة سيمنح فرصة ومتنفسا لكل (التنويريين) لنشر الضوء في الوطن ويقضي على مئات العاملين في الوزارة بصفة بوظيفة مستشار و مدير عام وخبير وسكرتير ولكنهم عملهم الحقيقي هو (عاطلون عن العمل ) لان منتجهم ومنجزهم المجتمعي لا يتعدّى ابواب غرفهم ومنجزهم الشخصي الوحيد هو سفراتهم ومخصصاتهم ورواتبهم وحماياتهم وسياراتهم ومنازلهم الفارهة.

انّ الزائر الى مدينة بابل الان يستطيع ومن خلال جولة لمدة 15 دقيقة ان يشخّص 1500 مشكلة في هذه المدينة المنكوبة والتي تبدو اقرب الى الموت منها الى الحياة .. وان الجريمة الشنعاء التي ارتكبها المسؤولون فيها بتدمير واحد من اجمل معالمها وهو نصب الساعة - الذي صممه المعماري الشهير قحطان المدفعي عام 1960 - بعد ان قاموا بتغليفه بالواح الالمنيوم مع انارة مشوّهة هو خير دليل على العقلية الريفية التي ترى كل ماهو ليس بزريبة مواشي صالحا للسكن ونظيفاً وجميلاً وهو نفس الفكر الذي دفع عقلا ريفيا لا يدرك قيمة التاريخ والحضارة الى ان يحفر اول حرف من اسمه واسم ابيه على حجارة بابل الاثرية قبل الاحتلال الامريكي الذي مارس عملية اغتصاب وحشية للمدينة الاثرية بجعلها مقراً للقوات البولندية التي كانت ضمن قوات التحالف التي غزت العراق عام 2003 وسلمته الى من اوصله الان الى الهاوية السحيقة .

ان وزارة الثقافة هي مجرد خرافة لا يصدقها الّا المنتفعين منها لانه لا يوجد ما يمكن ان نلمسه لمس اليد او نحس بتاثيره على حياتنا من مخرجاتها وان حاجتنا الى (وزارة الاخلاق ) لهو حاجة ملحة لاننا بحاجة الى ان نعلم الناس اخلاقيات الحوار وتقبل الراي الاخر واخلاقيات التعايش المشترك واخلاقيات المهنة واخلاقيات الطب والتعاقدات والمقاولات والهندسة واخلاقيات التجارة والكتابة والنشر واخلاقيات استعمال وسائل التواصل الاجتماعي واخلاقيات القضاء واخلاقيات رجل الامن والقضاء والصحافة والفن والموسيقى والاعلام و الاختلاط بين الجنسين والخطاب المجتمعي وشرف المهنة واهمية العمل الشريف واخلاقبات التنافس واخلاقيات المسؤول وخلاقيات التعامل الرسمي واخلاقيات الصداقة والسفر والرياضة ومجالس العزاء والحفلات وحيازة السلاح وحمله وغيرها مما لم يعد متاحا للكثير من ابناء هذا الوطن. ان الصراع على اختيار مرشح لهذا المنصب يشبه الصراع لاختيار خليفة للاله ( امون )في القرن الواحد والعشرين فلن يحصل على الغنائم سوى كهنة المعبد امّا الرعية فلهم حق التوسل والعبادة فقط !! حيدر هادي الخفاجي عمّان

رصد  المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 


شارك الخبر

  • 5  
  • 2  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   2
  • (1) - خالد يوسف
    5/28/2020 7:44:04 PM

    وفقا المقولة السياسي الفرنسي اوليفيه فأن الشاعر سعدي يوسف لم يكن مثقفا لانه اوغل في تعصبه ذات يوم ونسي ارثه الشيوعي وتاريخه ضد الدكتاتوريه



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •