2020/05/28 15:40
  • عدد القراءات 3474
  • القسم : مواضيع رائجة

الكاظمي... بلا ظلال

بغداد/المسلة:  

كتب مراقب سياسي

أدبيات سياسية تضخّها بلا هوادة، قنوات اعلامية فيّاضة التمويل، تضرب على مسمار فكرة مُختلقة، ملفّقة، تزرعها في الذهنية العراقية، مفادها ان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، "رجل أمريكا في العراق".

وفي منحى مواز لهذا الخطاب، لكن بنعومة اكثر، يُتداول الوصف للكاظمي على انه "الشيعي، العلماني، غير الإسلامي، الصاعد الى سدة السلطة رغما عن الأحزاب الدينية"، وهو وصف ملغم، يُقصد في ظاهره، مغازلة أطياف تتوق الى السلطة، وفي الباطن للإيقاع بين رئيس الوزراء، والنخبة السياسية والقواعد الشعبية الشيعية "المتدينة"، بشكل خاص، وبين المجتمع العراقي، بشكل عام.

واحدة من الاطروحات المُتخيّلة التي لا تمت الى الحقيقة بصلة، تسويق الهواجس التي لا تستند الى منطق تحليلي صائب، بان حقبة الكاظمي هي "نهاية الحقبة الإيرانية في العراق"، وبداية "مرحلة أمريكية" يقودها سياسي شيعي "تابع" الى واشنطن.

تركّز الأجندة على أساطير مصنوعة في مختبرات صناعة الفوضى، سعيا الى الخلط الذي يمسخ الصورة الحقيقية التي ترسم شخصية الكاظمي في "الاعتدال"، و"التوازن".

المواصفات والمهارات التي يمتلكها الكاظمي، تضعه في تصنيف آخر، في غير المربّع الذي يقف عليه سياسيون عراقيون سابقون ولاحقون في حقبة ٢٠٠٣، مع التفهّم لظروف تجليّ كل واحد منهم، وادراك أسباب النجاح والاخفاقات التي طبعت حقبهم، ذلك ان مصطفى الكاظمي، لم يستمد عناصر قوته، من تشريعات، ومراكز نفوذ، وأموال، هي تحصيل حاصل لرياضيات ما بعد ٢٠٠٣، يمكن لها ان توطد وجوده السياسي، ولم يتسامى من خلال ناد سياسي يداري أعضاؤه، بعضهم البعض.

الخلاصة ان الكاظمي، بلا ظلال سياسية، كما زعم تحليل، فيما القول بانه رجل المرحلة، ينطبق على الواقع تماما، بعدما اجتبته القوى السياسية بنفسها، ولم يُفرض عليها من جهة إقليمية او دولية.

في شأن الطبيعة التكوينية للكاظمي، فان ذلك يستدعي المقارنة بينه، ورموز النفوذ منذ ٢٠٠٣، اذ اجبرتهم تداعيات، واستقطابات على السير أمام  وتحت ظلال القوى الخارجية، إن لم تكن الوصاية. ومن دون ذكر اسم، فان تقليب صفحات التاريخ، ينبأ عن ذلك.

فضلا عن كل ذلك، فان الشخصيات التي قادت المشهد السياسي، لم تكن يوما ذات تكوين قيادي مارس السلطة وابتلاها، حتى يقال عن الكاظمي، بانه طارئ على العملية السياسية، فعدا فعاليات المعارضة المتواضعة ضد النظام السابق، لم تكن للرموز التي علت في سماء السياسة، على اختلاف مسمياتها، التجربة العملية في السلطة، حتى اذا وُضعت على المحك توفرت النتائج، والعراقيون ادرى برسوبها الذريع.

العراقيون لا يبحثون عن الأسماء الكبيرة التي سطعت بطلاء أموال الدولة، والأحزاب، والانتماءات، بل عن زعامة حقيقية، لا تتعجل ان يصنّفها القوم على انها اسم كبير، لأنها لو حققّت للعراقيين، الأهداف، وخلّصتهم من مأزق الفشل، ستكون هي الأجدر بكل الألقاب، السالفة واللاحقة.

بل قل، ان الكاظمي خلّص النخب السياسية، من ورطتها في القطيعة الخطيرة مع الجمهور، الذي لا ينكره الا مغفّل، او متعام.

بيْد ان الكاظمي يُدرك انه لن يكون جسرا للنظام السياسي الحالي مع الشعب، إذا لم تنسلخ الكتل والقوى السياسية عن منهاجها الذي آل الى مشروع حكم فاشل بكل معنى الكلمة.

للإنصاف، لم يكن الكاظمي بعيدا عن الطبقة السياسية الحالية، بل كان يعيش مخاضات تجاربها الفاشلة لكنه كان ناظرا، مراقبا، لا مشاركا.

تفاعل مصطفى الكاظمي مع مشروع احمد الجلبي، وشاركه تفاصيل مشروع الخلاص من النظام السابق، وكان يمكن ان يجد له ظلا طويلا فيه، لكنه انسحب بعدما وجد ان الظروف اضطرت صاحب المشروع بعد ٢٠٠٣، الى ان يكون صّيادا ماهرا في لعبة تقاسم غنائم الصيد.

انسحب الكاظمي تحت وطأة الألم من فشل تجربة حكم ما بعد ٢٠٠٣، الى المشروع الثقافي والإعلامي، في توثيق ذاكرة العراق، واعادة تشكيلها من خلال مشروع الارشيف، فضلا عن مشاريع ثقافية مستقلة بذل الجهد الجهيد لاستمرارها، لكن نقص التمويل حال دون ذلك، وكان يمكنه الحصول عليه، لو كان اختار الوقوف تحت ظلال المموّلين المحليين والخارجيين.

صعودي الكاظمي بهذه السرعة الخاطفة، هو حاجة، وطنية، ونخبوية، اذا اردنا عدم ابراز دور الشارع الباحث عن التغيير.

الأحزاب التي عركت السياسية ودهاليزها، لم تكن غافلة عن هذا الصعود، وهي التي صنعت الظلال للكاظمي، على النقيض مما يروّج له بانه كان يبحث عنها، بعد ادركت الخطر على وجودها السياسي الذي دلت عليه انتفاضة اكتوبر ٢٠١٩.

على هذا النحو فان الكاظمي، هو صاحب الفضل، على الأحزاب، وليس العكس، ولهذا يرفض ان يكون "تحسيناً شكليّاً" لها.

اكثر من ذلك، ان الرياح الإقليمية والعالمية هي التي سيّرت الظلال الى الكاظمي، لان الدول المتصارعة تدرك عظم المأزق التي هي فيه، فيما لو تفجّر نزاع لا يبقي ولا يذر، فضلا عن ان تلك القوى، شرقية كانت او غربية، ادركت بوعي تام احتراق رموزها وادواتها، جميعا، ولا مفر اذن من رجل مرحلة، عصامي، لم يكن يوما ظلا لأحد، بدأ مسيرته في الكلمة، ووظّف مهاراته في الإدارة والقيادة وحل النزاعات، لصالح توازن إيجابي، وعزز مسيرته الوظيفية برئاسة جهاز المخابرات وبنجاح مشهود.

الكاظمي، يفضّل الوقوف تحت الشمس، واضحا، وبلا ظلال، شرقية أو غربية، كما يخطر على بال حذّاق الخرافة السياسية، ومن يدمن النور لا يبحث عن مستويات الظلال لكي يستظل بالأعلى، الذي هو ديدن الكثير من السياسيين الذيليين.

الموضوع برمّته، ومربط الفرس فيه، ان الكاظمي، يدير اليوم ما لا يدارُ، بفعل أزمة المال، والمرض، والفساد، وأنقاض الخرائب التي خلّفها الماضون.

ملاحظة: المقال يستقرأ تحليلا نشرته وكالات عراقية، تحت عنوان "الكاظمي .. مدمن الظلال العالية ولا مناص من ظل جديد"، ومفاده ان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، يبحث عن الظلال السياسية من دول وأحزاب لكي يصعد الى المناصب عبرها.

المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 5  
  • 17  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •