2020/05/31 15:27
  • عدد القراءات 787
  • القسم : آراء

الأمم المتحدة على خطى عصبة الأمم

بغداد/المسلة: 

حيدر السيد حسين الياسري

هنالك مؤشرات تدل على تراجع دور الأمم المتحدة في حل النزاعات الدولية وكذلك ضعف أداء وكالاتها المتفرعة كالأونوروا واليونسكو وغيرها نتيجة لتقليل الولايات المتحدة من مساهماتها فيها .

وحالة التراجع هذه آخذة في الإزدياد حتى إن فجوة التفاهم بين الأمم آخذة في الإتساع ولكن لابد لنا من تسليط الضوء على أسباب إنبثاق كل من  عصبة الأمم والأمم المتحدة 
إن من أهم أسباب تأسيس المنظمة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى هو لمنع الصراعات المسلحة بين الدول الكبرى المنتصرة في الحرب وبدلا من ذلك هو إتخاذ ذلك المنبر الأممي منصة لفض النزاعات سلميا.

ومن هنا قفزت الولايات المتحدة وتصدرت الدول المنتصرة على الرغم من مشاركتها الرمزية في الجهد العسكري مستغلة انسحاب روسيا منها مما أعطى للأمريكيين الدور الريادي لقيادة الدول المنتصرة والتي انهكتها الحرب.

ومن هنا وبمبادرة من الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ولسون، والذي تمكن بذكاء من فرض رؤيته على المنطمة الوليدة بغية توسيع نفوذ بلاده على حساب الدول الخاسرة من خلال تقسيم ممتلكات المنهزمين في الحرب وتقسيمها على المنتصرين.

ومن هنا جاء الذكاء الأمريكي من خلال تأسيس بؤرة توتر جديدة تهيء الأرضية لحرب عالمية أخرى وذلك من خلال إستقطاع مقاطعتي الإلزاس واللورين وضمهما  الى فرنسا، بحيث قام الرئيس ولسون، بالتأسيس لحالة الغليان والرغبة بالإنتقام للكرامة الوطنية من خلال فرضه لبنوده الاربعة عشر على المعسكر المنهزم  وكان نتيجة لذلك هو ظهور الفاشية في ايطاليا وأسبانيا والنازية في ألمانيا وما تبعها من سياسة غض الطرف عن التسلح الالماني. 

ولذلك فإن عصبة الأمم لم تفلح في إستتباب الأمن والسلم الدوليين حيث إستغلت اليابان الضعف والوهن السائد آنذاك من خلال غزوها لمنشوريا وقيام ألمانيا بضم النمسا وغيرها كل ذلك جرى من دون رادع عندها لا مفر من إندلاع الحرب العالمية الثانية والتي قضت على 60 مليون انسان بالإضافة الى التأثيرات الإقتصادية والبيئية وغيرها.

وبذلك تكون ظروف وأسباب إنبثاق  المنظمة السابقة تنسحب على ولادة الأمم المتحدة لذلك فأن الموقعون على ميثاق سان فرانسسكو وهي الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ومرة أخرى تفرض الولايات المتحدة رؤيتها على المنظمة الجديدة من خلال كسب موافقة بقية الأعضاء الضمنية على تلك الرؤية وذلك بعد التعهد الأمريكي بتقديم الدعم لكل هيئات المنظمة الدولية.

ولكن وفي السنوات الأخيرة أخذت بعض الدول الطامحة للعب دور أكبر على الساحة الدولية من خلال مزاحمتها للنفوذ الأمريكي في جميع المناطق الساخنة حول العالم مما أربك الأستراتيجية للولايات المتحدة سيما وإن ميزان القوى العسكري  آخذ في التمايل لصالح الطامحين الجدد مجتمعين معا  في مواجهة القوة الأمريكية ولا يجب أن نغفل أهمية  العامل الإقتصادي في تأجيج تلك الصراعات.

ولذلك فأن مؤسسات الدولة العميقة إستشعرت مدى خطورة وإتساع طموحات تلك الدول وأهما روسيا والصين وخاصة الأخيرة والتي أخذت تتغلغل في جميع الإتجاهات تاركة أذرع أخطبوطها يلتف حول عنق المصالح  والفضاء الحيوي الأمريكي عندها أدرك واضعوا الاستراتيجة في واشنطن على ضرورة التحرك الفوري من خلال سحب الموثوق بهم من الحلفاء وإعادة التموضع من جديد.

و كان ذلك على شكل خطوات أهمها إخراج  بريطانيا من الإتحاد الأوروبي والأهم من ذلك هو الإصرار والمثابرة الأمريكية على بناء الجدار الحدودي مع المكسيك ولو غايته منع تدفق المهاجرين الغير شرعيين ولكن حقيقة الجدار هو عسكري بحت تحسبا للنفوذ الروسي الصيني المتعاظم في جنوب القارة الأمريكية وكذلك هو بمثابة الإعلان عن بداية النهاية لمبدأ الرئيس جيمس مونرو، وفك الإرتباط مع أمريكا اللاتينية.

لذا  أخذت إنسحابات إدارة الرئيس ترامب طابعا تصاعديا من هيئات المنظمة الدولية كان آخرها الإنسحاب من منظمة الصحة العالمية لذلك لا ينبغي  أن نتفاجأ من الخطوات الأمريكية القادمة بالتحلل من جميع التزاماتها تجاه الأمم المتحدة بعد أن تم فرملة الكثير من القرارات الأمريكية في مجلس الأمن من قبل الفيتو الروسي والصيني في مناسبات عدة وكذلك  فهي تريد توفير الكثير من المال لصالح خزينتها وتحميل الدول الطامحة لتلك الأعباء المالية.

وبذلك تكون الإدارة الأمريكية قد أربكت الخصوم وكسبت الوقت لإعادة رسم ستراتيجيتها وتأمين مجالها الحيوي من خلال الإعداد لهيئة أممية جديدة تتماشى مع الرؤيا الأمريكية في القرن الحادي والعشرين وتكون ركيزتها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا وعندها ستكون الأمم المتحدة من الماضي ولكن ليس قبل أن تنشب صراعات مؤلمة تعيد كتابة التاريخ ورسم خرائط الجغرافية من جديد.

المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

 


شارك الخبر

  • 2  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •