2020/06/25 10:20
  • عدد القراءات 431
  • القسم : وجهات نظر

عودة الوعي العربي

بغداد/المسلة:  

ادهم ابراهيم

عندما تخلصنا من الحكم العثماني سرنا في طريق التحضر والتمدن، وتركنا كثير من العادات والتقاليد البالية. وظهر عندنا كتاب ومؤلفين علمانيين يؤمنون بفصل الدين عن السياسة، وينبذون التعصب او الدعوات الطائفية.

وكان الشعراء في العراق من امثال الزهاوي والرصافي يحثون الناس على السير في طريق الرقي والتقدم. وقد كانت مصر رائدة في طريق التقدم، حتى افلام الخمسينات والستينات تعبر تعبيرا دقيقا عن واقع المجتمعات العربية والدعوة للنهوض والتقدم, وكان الفكر السياسي السوري سباق في الدعوة الى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، كما كان اللبنانيون يتباهون عن حق بدولتهم الراقية التي كانت محط انظار الدول العربية والشباب العربي الذين يتمنون الدراسة فيها، واغلب الشعوب العربية تصطاف في ربوع لبنان الراقية المتحضرة.

وكانت التجربة التقدمية في تونس  والتي تبناها الحبيب بورقيبة لأكثر من ثلاثة عقود ، مرحلة مهمة من مراحل التنمية في العالم العربي.

لقد كانت المجتمعات العربية تسير على طريق التقدم والتحضر بخطوات ثابتة مستمرة، وهناك توسع كبير للافكار التقدمية في مجالات الحياة كافة، كل ذلك بسبب التفكير الجاد للنخب الاجتماعية للخلاص من التخلف والجهل والامية وترك التقاليد والعادات القديمة المتخلفة.

ولكن بعد نكسة حزيران المشؤومة عام 1967 بدأت اصوات تنادي بترك الافكار والعقائد القومية والتقدمية، والدعوة لتبني الاسلام السياسي تحت شعار انه الحل. وبذلك فان نكسة حزيران لم تكن هزيمة عسكرية عادية، بل تم توظيفها لاحداث هزة قوية للفكر العربي المعاصر.

وعندما انهارت الانظمة الشيوعية في نهاية الثمانينات، تم التركيز على فشل الفكر الاشتراكي العربي، وقدمت مشاريع اسلاموية باعتبارها البديل عن كل الافكار والعقائد التقدمية العربية السابقة.

وقد سعت الدول الغربية لتسويق الاسلام السياسي في الدول العربية، وكان الدافع لذلك منع  ظهور اي حركة او فكر تقدمي حضاري بديل، واحتواء التململ الجماهيري. ثم جرى في وقت لاحق تدجين الانتفاضات العربية، وتم العمل على نطاق واسع لتغيير السلوك العربي من التوجه القومي الاشتراكي الى الاسلامي الشكلي، الخالي من القيم الاسلامية الحقيقية، فظهرت حركات اسلاموية راديكالية تبنت الهجوم على كل ماينتمي الى الثقافة والفن والحضارة الانسانية، على اعتبارها نشاطات تتعارض مع الدين.

وهنا بدأ الشك واليأس يدب في اوساط الشعوب العربية فدخلت في اشكالية الواقع المأزوم، خصوصا بعد شيطنة الربيع العربي او بالاحرى اسلمته. فتدخلت ايران وقطر وتركيا في كل من سوريا والعراق، وتمكن الاخوان المسلمين من حكم مصر بدعم غربي واضح، خصوصا بعد زيارة اوباما الى الازهر وتشجيعه للحركات الاسلامية.

والكل يتذكر كيف غضبت هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الامريكية من مصر بعد حركة الجيش التصحيحية المستندة على التظاهرات المليونية المعارضة لحكم الاخوان، ومازالت دول مثل تركيا وقطر تعادي الحكم الجديد في مصر.

اما ايران فقد دخلت الى العراق بمباركة الولايات المتحدة لملئ الفراغ الحاصل بعد انسحاب القوات الامريكية منه. كما دخلت ايران في سوريا تحت ذريعة مكافحة الارهاب، فزادت الطين بله.

وعمت الفوضى بعد تسخير داعش كآلات للقتل والعبث خصوصا في سوريا والعراق والقضاء على ماتبقى من العقيدة الانسانية المدنية المتحضرة، وتم كل ذلك وسط صمت العالم (الديموقراطي الحر)، كما كان الجميع حريصون على  الديموقراطية البشعة على الطريقة الأمريكية في العراق. ديموقراطية المكونات والطوائف المتناحرة ، التي حصدت فيما بعد الالاف بل الملايين  بين قتل وتهجير ونفي.

ان ماعرف بالربيع العربي قد تحول من ثورات وانتفاضات لاصلاح الانظمة الديكتاتورية الى ادوات هدم للمدن العريقة ولكل المكتسبات المتحققة في هذه الدول تحت لافتة الديموقراطية تارة كما جرى في العراق، او الاسلام السياسي كما جرى في مصر وسوريا وتونس والان في ليبيا.

وبالشعارات الدينية والطائفية تم خداع الجماهير العربية من المحيط الى الخليج، فركض الجميع وراءها كالسراب، حتى تم القضاء على السلم الاهلي وتقسيم المجتمعات العربية على وفق ايديولوجيات طوباوية وهمية لايمكن تحقيقها على ارض الواقع فانتشرت الفوضى غير الخلاقة نتيجة التدخلات الاجنبية والمال السياسي، والاعلام المشبوه القائم على الكذب والافتراء، والتلاعب بعواطف الشعوب بشعارات تعمق الصراعات المحلية. 

ورغم كل ذلك نجد الشباب الواعي في مصر اولا ثم في العراق ولبنان قد تبينوا خطل الاطروحات الاسلاموية المشبوهة، فانتفضوا ضدها، كما قاوموا الفساد الاداري والسياسي، وتغييب الوعي الوطني والقومي من قبل الاحزاب والجماعات الاسلامية والطائفية، فتراجع الخطاب الاسلاموي امام الحداثة الشبابية الناهضة، واستمرت قوى التغيير بالتأثير على المشهد السياسي والاجتماعي العربي، رغم الملاحقات الامنية واستخدام القوة والبطش من الانظمة المتخلفة، وخصوصا في  العراق ولبنان التي مازالت تعتقد بامكانية استمرارها بالحكم. 

ان قطاعات شعبية كبيرة مستمرة في نضالها ضد الفساد والتخلف وترفض العودة الى الخلف، كما ترفض الاستسلام لقوى الردة الجديدة، وخصوصا في العراق وسوريا وليبيا والسودان والجزائر . وفي مصر تجري مواجهات يومية مع قوى التخلف والردة التي تحمل شعارات اسلامية وبمساعدات مشبوهة من جهات معادية لنهضة الشعوب العربية وخصوصا من تركيا وقطر، اما تونس فمازالت تقاوم حركة النهضة الاسلامية في محاولاتها لادخال البلاد في نفق مظلم من التدخلات الاقليمية.

 وكل ذلك يدل على وجود مؤشرات قوية للخروج من حالة الفوضى العامة، وعودة الوعي الوطني والقومي للشباب العربي الواعي الرافض للاطروحات الدينية والطائفية المشبوهة والمتخلفة، والمتطلع الى التجديد والتقدم، وسيكون النصر حليف الشعوب المناضلة، والتحرر من الضغوط والتدخلات الاجنبية، فالشعوب العربية من الشعوب الحية التي لاتنام على ضيم.

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •