2020/09/19 14:26
  • عدد القراءات 842
  • القسم : وجهات نظر

بطل من هذا الزمان

بغداد/المسلة:  

محمد زكي ابراهيـم

كان هناك حوار ساخن مع عراقي علا صيته في السنوات الأخيرة، وبات ضيفاً دائماً في القنوات الباحثة عن الإثارة. لم يجذبني حديثه لأنني أعرف مقدماً ما سيتفوه به من بذاءات. لكني أردت الإصغاء للضيف الآخر الذي أعرفه منذ سنوات طويلة. كان الفارق بين الاثنين كبيراً. لكن الغلبة في حوارات كهذه لصاحب النبرة العالية، والصوت المجهور.

لم تكن الشهرة التي حازها هذا العراقي، لكونه رجل أدب، أو سياسة، أو اقتصاد، أو فن، أو هندسة، أو طب، أو كيمياء، أو غير ذلك من المعارف التي تثير اهتمام الناس. فهو أبعد ما يكون عن ذلك كله. لكنه أصبح نجم الشاشة، بعد أن غير معتقداته السابقة، التي كان يشي بها زيه "الكهنوتي"، وتاريخه "النضالي" في مجموعة ذات جمهور عريض ،وأفكار متطرفة. على أنه لم يستطع التخلص من ماضيه هذا، ولم يتبن منهجاً معتدلاً. بل بقي كما هو دون تغيير.

وللأمانة فأنا لم أسمعه يوماً يعيب على مجموعته القديمة التي هجرها، أو ينحو باللائمة على أصحابها. أي أنه لم يجد فيها ما يتناقض مع عقيدته الجديدة. بل ربما حسب أنها امتداد لما كان يؤمن به من قبل، أو انتقالة في العمل الثوري الذي مارسه في وقت من الأوقات. لكنه درج على ذم خصومها الآخرين، المعلنين أو غير المعلنين. بمن فيهم أكابر القادة، وأشهر الزعماء، وأعاظم الفقهاء. فالسخط الذي تلبسه لم يوفر أحداً داخل العراق أو خارجه من الذم والإساءة والسخرية. 

والناس لدينا مولعون بتتبع أخبار من صبأ عن دينه، وتنصل من قناعاته، حتى لو مضى في اتجاه غير مقبول. صحيح أنهم يشتمونه ويعرضون به، لكنهم يحرصون على الاستماع إلى ما يصدر عنه من كلام غير مألوف.

ومن الغريب أن الرجل الذي يعيش الآن في دولة أوربية، مازال كما كان عنيفاً، صاخباً، شرساً. لم يتعلم من بلاد الصقيع التي يقيم فيها الهدوء وبرودة الأعصاب، ولم يتقن فن الحوار أو الأخذ والرد. وبقي كما كان في فصيله المسلح ممسكاً بالبندقية، واضعاً أصبعه على الزناد!

ولم يقطع الرجل صلته ببلاده، أو يقنع بالعيش الهانئ في بيئته الجديدة، فهو يحلم بالعودة لقيادة الجماهير المظلومة. وقد نسي أن جانباً كبيراً من الظواهر التي يدينها الآن، كان هو طرفاً – ولو صغيراً – فيه. ولو كان منصفاً لاعتذر عن تلك الحقبة، وآثر السكون والعزلة، بدلاً من تهييج الخواطر، وتحريض الناس، وتوزيع التهم على هذا الطرف أو ذاك. ربما يكشف سلوكه هذا عن هوس متجذر بالعنف والإيذاء وإهانة الآخر. إذ لم يزل يدين سيرته القديمة، سواء عرف ذلك أم لم يعرف، شعر به أو لم يشعر، لكنه لا يكف عنها، أو ينفض يديه منها. ويعد وجوده في نصف الكرة الغربي، ميزة للتنصل من القيم التي طالما دعا الناس إليها، واختلف مع سواه عليها.

إن شخصاً مثل هذا لا يستطيع أن ينسى ماضيه. ولا بد له أن يلملم شتاته، ويعود أدراجه، حتى لو كان ذلك في الظهور المتكرر في وسائل الإعلام. وقد ألف توجيه الاتهامات، وتحريف الحقائق، حتى يصبح في نظر متابعيه بطلاً قومياً. أما مدن العالم الهادئة، المنشغلة بالعمل والإنتاج، والتجارة والمال، فهو غير قادر على التأقلم معها طرفة عين. وليس بوسعه أن يلم بأسباب تفوقها قلامة ظفر. فمثله لا يدرك أن الزعامة الحقيقية التي يسعى إليها الفرد السوي هي البناء، والإصلاح، لا القتال أو افتعال المعارك. ولا يعرف أن القيم الغربية التي انبهر بها لا تلائم مزاج الشرقي، ولا تناسب ثقافته التي ورثها عبر آلاف السنين.
 

بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 4  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •