2020/11/24 10:57
  • عدد القراءات 1559
  • القسم : تواصل اجتماعي

رواية "الطوفان الثاني" لـ فاتح عبد السلام: البحث عن الذاكرة المغيَّبة

بغداد/المسلة:  

 مروان ياسين الدليمي
 
في رواية «الطوفان الثاني» للعراقي فاتح عبد السلام الصادرة عام 2020 عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، لن نقف أمام حدث مركزي، خاصة أن العنوان لربما يوحي بذلك، بل سيجد القارئ نفسه أمام امتدادات سردية تفضي إلى تفرعات كثيرة داخلية وخارجية، تتلاحم مع بعضها في إطار حبكة روائية تشكلت أبعادها السردية بين عالمين: المنفى والداخل، فكانت اللغة السردية بما تحمله من طاقة عالية على البوح أداة الوصل بين هذين العالمين.

البحث عن الهوية
سطوة الشعور بالضياع تزداد كثافة وهي تمسك بالشخصيتين الرئيسيتين سالي وكمال، ولم يكن هذا الشعور قد انبجس فيهما فقط، لأنهما انتقلا من بيئة أجنبية لا مكان فيها لذكريات الطفولة، وليس لأن كل واحد منهما فقد والديه أثناء رحلة الهروب بحثا عن وطن بديل، بعد أن سقط العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي في نفق معتم عناوينه: الحروب وغياب الحرية والجوع، بل جاء هذا الشعور ملازما لذاكرتيهما، ما أن استيقظ وعيهما في بلد اللجوء، وأخذا يحاولان الإجابة على ما تفرضه عليهما الحياة من أسئلة حول جودهما، فتحولت أزمتهما إلى إشكالية، وتمكنت من أن تمتص إحساسهما بالانسجام، بينما كانا يبحثان عن هويتهما وسط مشاعر الاغتراب، التي ظلت تلازمهما وهما يعيشان في بيئة غريبة لم يكن لهما أي إرادة في اختيارها، بل انساقا إليها رغما عنهما، بفعل فوضوية الزمن العراقي، فكانت بريطانيا الملاذ والمنفى في آن، إلاّ أن كمال شاء أن يتقدم بخطوة جريئة لاكتشاف ذاته، من خلال التواصل مع الوطن والوصول إليه من غير أن يدرك حقيقة المخاطر التي ستواجهه في الأيام الاولى من احتلال العراق، من قبل الأمريكيين بعد أن تجتاز السيارة التي كان يستقلها مع آخرين الحدود الأردنية العراقية، فيجد نفسه محتجزا لدى مجموعة تابعة لإحدى فصائل المقاومة العراقية في صحراء الأنبار، إلاَّ أن فترة احتجازه ومعايشته للمقاتلين، وهم يخوضون حربهم ضد الأمريكيين تدفعه إلى أن يعثر على ما كان يبحث عنه من أجوبة، وسط حالات يسودها الخوف والحذر والتوجس، وفي بيئة مفتوحة على المخاطر، ومن هنا يبدأ كمال في تخطي الحدود التي كانت تمنعه من معرفة نفسه، واكتشاف حقيقة المكان الذي ينتمي له بجذوره.

انفردت الرواية عن غيرها من الروايات العراقية، التي صدرت خلال الأعوام التي أعقبت عام 2003 في إزاحة ركام من التغييب المتعمد لحقيقة المقاومة العراقية التي خاضها العراقيون، خاصة العرب السنة لمواجهة مشروع الاحتلال الأمريكي، وكانت صحراء الأنبار ميدانا ساخنا لها، وتحرك جانب مهم من المتن السردي في منطقة مجهولة لدى القراء، ولطالما بقيت مدفونة وسط ركام من عمليات التدوين السردي المضلل، مارسته حفنة أقلام مرتبطة بمؤسسات رسمية، كان الهدف من وراء ذلك خلق ذاكرة متداولة تنحرف بالحقائق، تتنكر للتاريخ الوطني الذي خاضه أبناء المدن ذات الأغلبية العربية السنية، دفاعا عن بلدهم وهويتهم الوطنية ضد مشروع الغزاة الأمريكيين منذ الأيام الأولى للاحتلال، وعبر حبكة محكمة سيكتشف القارئ هذه السردية المغيبة التي لم تقترب منها الرواية العراقية، عندما يلتقي كمال في صحراء الأنبار مع كفاءات عراقية على مستوى عال من الدراسة العلمية والمهنية، والخبرات القتالية انخرطت بإرادتها في القتال ضد جيش الاحتلال.
 
المكان بين المتخيل والواقعي
تشتغل الرواية على المكان باعتباره ملمحا أساسيا في البناء السردي، خاصة في ما يتعلق بتكوين الشخصيات والإشكالية التي تعاني منها في مسار بحثها عن هويتها ووجودها الإنساني الذي سلخت منه رغم إرادتها، بمعنى أن المكان في هذه الرواية يمارس دوره الرمزي إلى جانب وظيفته الواقعية، فالصراعات التي تطرح هنا كلها تدور حول المكان، ولا تنفصل العلاقات بجميع أوجهها عن أبعاد الاستحواذ على المكان بين جميع الشخصيات، وفي المقدمة منها يقف كمال ليدعم هذه الفرضية في سعيه الجاد بالعودة إلى العراق، الذي ولد فيه، والأمريكيون الذين عبروا المحيطات وجاءوا للسيطرة عليه، كذلك المقاتلون العراقيون والعرب في صحراء الأنبار. أما سالي فهي الأخرى تسعى لأجل أن يكون لها مكان واضح في ديار الغربة ليكون بديلا عن خسارتها لعائلتها ووطنها، لذا لم يكن المكان مساحة مجازية شاء المؤلف أن تكون إنشاء إجرائيا لاستيعاب الشخصيات في بعدها الإنساني والاجتماعي، إنما جاء المكان باعتباره معطى متخيلا على علاقة وثيقة بمضون الخطاب الفني للرواية، إذ لم يتمحور على المواقع التي تتحرك فيها الشخصيات فقط، بقدر ما كان دلالة على قيم ووظائف رمزية تمثل جوهرها وحقيقتها الداخلية، كما لم يتموضع الحدث في العلائق السردية التي يطرحها السرد إلا عبر مكان متخيل يمتد بوشائج مع الواقع. والمتخيل المكاني هنا لم يكن بمعزل عن الوجود الواقعي في الوعي الجمعي العراقي وامتداده في الذاكرة الإنسانية، بمعنى أنه ليس حيزا افتراضيا مرتبطا بالمخيلة السردية، ولا وجود له خارج الحيز الإنساني الواقعي. من هنا تتلازم العلاقة المتشابكة بين كمال الشخصية المحورية، مع المكان الذي قطع البحور والمحيطات لأجل أن يكتشف ظلاله التي بقيت ملازمة له في ديار الغربة، كذلك الشخصيات التي كانت تقاتل المحتل، ومن خلالهم يتمكن كمال من الانفتاح على حقيقة المكان، الذي كان يبحث عنه، وما يتحمله الرجال من لحظات عصيبة وهم يواجهون الغزاة من أجل أن لا يصبح المكان مجرد طيف في خزائن الذاكرة.

تناوب الزمن السردي
في البحث عن أواصر العلاقة بين السرد والزمن في رواية «الطوفان الثاني» نجدها تتقاطع مكانيا بين الإطار الذي تتحرك فيه شخصية سالي في بريطانيا وهي تبحث عما يمكن أن يعزز ارتباطها بالعالم الذي وجدت نفسها فيه، وكمال الذي يخوض مغامرة العودة إلى العراق ليؤسس حضوره الإنساني بهويته العراقية، التي كان يبحث عنها، وعلى هذا النحو المتناوب يتحرك الزمن السردي بين المكانين، لنقف أمام عالم روائي صاغته مخيلة خصبة تمكنت من خلق مستويات متراكبة من البناء والعلاقات الإنسانية، عبر لغة اتسمت بقدرتها على الغور في أعماق الشخصيات واستبطان هواجسها. فانتظم السرد بين ثنائيات متقاطبة: داخل وخارج، المنفى والوطن، الغزاة والمقاومون. وانطوت هذه الثناية على كشف المواجهة الثقافية بين عناصرها، وما يرتبط بها من سياق تاريخ واجتماعي وأخلاقي وفكري، بذلك انساق خطاب الرواية إلى فحص تشابكات هذه العلائق الثنائية المعقدة، وكشف ما هو مضمر في المسافات البعيدة داخل الشخصية العراقية. كما أن التموضع المتناوب بين وجهتي نظر الشخصيتين الرئيسيتين كمال وسالي، الذي يندرج في إطار هذه التقنية الثنائية بقدر ما حدد لنا موقع الراوي العليم من السرد، إلاّ أنه أحالنا إلى الصلة بين وجهتي نظر الشخصيتين مع المكان، في إطار البناء السردي، وعلاقتهما مع الراوي العليم حتى لتبدو العلاقة متلازمة معه على طول سياق السرد.

لغة مفارقة
بنية الرواية لم تخرج عن حدود التخييل الروائي، فالعالم الذي اجترح تفاصيله وأحداثه وشخصياته فاتح عبد السلام لم يكتف بمهمة تصوير الواقع العراقي بقدر ما كان دالا عليه عبر تجربة روائية أعادت إنتاجه بفعل سردي قائم على مجاز فني، تجسد بمحاولة «أسيل»الانصهار مع العالم الجديد وغرس جذورها فيه، كذلك في شخصية كمال وسعيه لتجاوز المسافة العدمية التي كانت تفصله عن ماضيه، والتي تحولت في ما بعد إلى علاقة أقرب إلى التصوف، وذلك من بعد أن استقرأ ذاته بينما كان محتجزا لدى رجال المقاومة.

نحن أمام رواية فيها جهد فني كبير لبناء عالم قرين للواقع الذي عاشه العراقيون في الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي، بمعنى أنها لم تتموضع في بعد تاريخي ولا أسطوري، إنما جاءت بنيتها السردية بمثابة محاولة فنية لإيقاظ الحقيقة من تحت ركام المتخيلات المزيفة التي صنعتها أجندة خرقاء في الثقافة العراقية بعد عام 2003 بهدف تكريس الانحراف الذي أصاب الوعي الإنساني بعد صدمة الاحتلال، ومن هنا تكتسب أهميتها في أنها تطرح لغة مفارقة وهي تتوغل في أعماق الشخصية العراقية التي عانت ظروف الحصار خلال تسعينيات القرن الماضي، ومن ثم وقفت عند تخوم المنافي لتواجه محنة الاغتراب، ومن ثم العودة إلى الوطن الأم بحثا عن الجذور والهروب مرة أخرى إلى المنفى بعد أن تحول الوطن إلى خراب.

  المسلة متابعة

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •