2021/03/28 14:48
  • عدد القراءات 398
  • القسم : وجهات نظر

نهاية تاريخ فوكوياما وولادة عصر المهدي المنتظر

بغداد/المسلة:  

طاهر باقر

نَشَرت مجلة ناشيونال إنترست في عام (1989) مقالا تحت عنوان "نهاية التاريخ" للعالم والفيلسوف الامريكي ذو الاصل الياباني فرانسيس فوكوياما، وقد لقي المقال صدى واسعا في المحافل العلمية والاكاديمية، مما ولد طابعا حسنا بامكانية تحويل المقال الى كتاب، واقتراحات من الاصدقاء والاقرباء لكي يعيد فرانسيس بناء المقال ليظهر على شكل كتاب يشرح من خلاله رؤيته للحاضر والمستقبل.

فبعد هزيمة الايديولجيات المنافسة للديمقراطية مثل الملكية الوراثية والفاشية والشيوعية يبرز سؤال كبير حول شرعية الديمقراطية الليبرالية واهليتها للحكم ويخلص الى ان اشكال الحكم السابقة شابتها عيوبا خطيرة وانتهاكات للعقل ادت في النهاية الى سقوطها وان الديمقراطية الليبرالية قد تكون خالية من تلك الشوائب والتناقضات الاساسية الداخلية ولذا اعتبر الديمقراطية الليبرالية وقيمها مثل الحرية الفردية والمساواة والسيادة الشعبية والليبرالية الاقتصادية انها تمثل المرحلة الخاتمة للتطور الايديولوجي البشري.

واستنتج فرانسيس بان هذه النظرية قد حسمت صراع الايديولجيات لصالحها مؤكدا بان الحجج الآيديولوجية للآخرين لا ترقى لمقارعة الديمقراطية الليبرالية متحججا بان تطور المجتمعات البشرية ليس بلا نهاية ويجزم بان انتشار الديمقراطيات الليبرالية والرأسمالية والسوق الحرة في أنحاء العالم هو مؤشر على نقطة النهاية للتطور الإجتماعي والثقافي والسياسي للإنسان، وبالطبع هو لم ينكر الاخطاء الفضيعة التي حصلت في تجارب الدول التي اتخذت من الديمقراطية الليبرالية منهجا للحكم مثل الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها لكنه يعزو وجه الفشل في تلكما التجارب للقصور في تطبيق المبدأين "الحرية المساواة".

ويتحدث فوكوياما عن جدل واسع احدثه مقاله في الفكر العالمي ويشير في مقدمة كتابه الى فئتين من الناس انتقدوا رؤيته منهم من اساء فهم مراده ومنهم من اصاب كبد الحقيقة ، لكنه انتقد الذين فسروا التاريخ بمعناه التقليدي المبني على اساس ان التاريخ سلسلة من الاحداث وانهم لجاوا الى اعتبار احداث مثل سقوط جدار برلين والغزو العراقي للكويت والاجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات الشيوعية الصينية في تيانمين تخالف رؤيته بكون الديمقراطية الليبرالية هي خاتمة الفكر البشري وان تلك الاحداث تدل على ان التاريخ مستمر، ولن يتوقف عند الديمقراطية الليبرالية.

لكنه اوضح في مقدمته بان ماالمح اليه ببلوغ النهاية لم يكن وقوع الاحداث بل التاريخ باعتباره عملية مفردة ومتطورة لتجارب الشعوب ويشير الى نظرية التطور لدى ماركس وهيجل ويقول بانه لدى المفكرين ثمة تطورا متلاحما جلي الملامح للمجتمعات البشرية من مجتمعات قبلية بسيطة قائمة على العبودية وزراعة الكفاف الى مختلف اشكال الحكومات الدينية والملكية والارستقراطيات الاقطاعية، وانتهاء بالديمقراطيات الليبرالية الحديثة والرأسمالية القائمة على التكنلوجيا ولم تكن هذه العملية التطورية بحسب فوكوياما عشوائية في مسارها حتى وان لم يكن التطور في خط مستقيم.

والنقطة الابرز التي يشير اليها فوكوياما في مقدمته بخصوص مايشير اليه هيجل وماركس هو اعتقادهما بان " تطور المجتمعات البشرية ليس الى مالانهاية " وانه سيتوقف حين تصل البشرية الى شكل من اشكال المجتمع يشبع حاجاتها الاساسية والرئيسية وهكذا افترض الاثنان بحسب فوكوياما ان "للتاريخ نهاية" هي عند هيجل الدولة الليبرالية ، وعند ماركس المجتمع الشيوعي ويرى فوكوياما بان هذه النتيجة لاتعني انتهاء الدورة الطبيعية للحياة من الولادة والموت وانما يعني هذا انه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في تطور المبادئ والانظمة الأساسية وذلك لان كافة المسائل الكبيرة قد حلت.

لكن المشكلة الحقيقية هي انه ليست هناك مسألة كبيرة قد حلت، ولازالت البشرية تعيش الجدل العظيم في المسائل الكبيرة ولازالت تجرب الخيارات التعيسة في الحكم ولازالت ترتكب المزيد من الاخطاء بانتظار اذعان الجميع والاعتراف بخطأ التجربة البشرية.

وبعد 18 عاما من الغزو الاميركي لايزال العراق يعيش تداعيات فشل تجربة الليبرالية الديمقراطية، وسقطت من ذهنية العراقيين فكرة ان الاميركيين هم الذين سينقذون العراق من ازماته العظيمة، وسقط الحلم الوردي الذي صنعه كل عراقي لنفسه بان يتحول بلده الى المانيا الشرق الاوسط بفضل الدعم الاميركي لتجربته الحديثة، وتجددت الآمال بصنع مستقبل جديد وبزوغ عصر جديد هو الذي يحلم به كل عراقي بل كل عربي ومسلم.

عصر سيأتي ويملأ الأرجاء نورا بعدما امتلأ الظلم والظلام كل فجوة في الكون، سيشع هذا النور عما قريب ليدخل كل حيز استولى عليه الظلام، وتبدأ حينها مسيرة التحولات الكبرى، التحول الاول سيبدأ من الانسان الخاتم وهو خلاصة التجربة البشرية العظمى ومن ثم يجري في الاشياء كجريان الدم في العروق حتى يصبح كل شيئ نوراني في وجوده بل يبث النورانية في كل الاتجاهات وقتها لايجد الظلام له مكاناً أو متسعاً لأن الاشياء اضحت اشعتها تبهر العيون حتى الجمادات تعكس الانوار التي في محيطها وتبعث برسائل حكيمة لاصحاب العقول.

فلو ألقينا النور على الاشياء عند ذلك سنشعر بجمالها وكمالها، العقل يصبح نيراً والعمل منيراً والانسان النوراني يحمل طاقة ايجابية تشع بها حياته وحياة المحيطين به، وسرعان ماتسري في شرايين المجتمع

وعندما يتحول المجتمع الى نوراني ستعمل شرائحه بطاقة عالية ومتوازنة من دون الحاجة الى سلطة عليا تفرض عليه اللوائح والقوانين لأنها تعمل في اطار من النورانية العالية التي سرعان ماتتحول الى لغة عامة لكافة افراد ذلك المجتمع.

هذا النور سيأتي عما قريب ليخلق بشراً سوياً طال انتظاره وحلمت جميع الحضارات البشرية بمجيئه لكنه سيأتي وهذه عاقبة لامناص منها، بشّرتنا بها الاديان السماوية عندما تحدثت عن "المُخلّصَ" و بشرتنا بها العقائد البشرية عندما تحدثت عن الانسان الخالص وهما يمثلان الانسان الاعلى في قالبين مختلفين، فكل العقائد البشرية والسماوية تسيران باتجاه واحد هو عصر الخلاص الذي سيحرر البشر من الظلاميات التي تحيط بحياتهم وتقودهم الى الخاتمة السعيدة بما يشبه جنة الارض.

نهر الحياة يشق طريقه في عمر البشرية ويمتد الى العصور الوسطى حتى يصل الى محيط الحياة الانسانية الخاتمة وهناك سيولد الانسان الجديد او مايعرف "بالسوبر" ليؤسس الحياة الجديدة وفق المعايير والقيم العالية فقد انطلقت مسيرة البشرية بالغموض والجهل والخطيئة وفي اواسط عصورها جربت الوسطية في الوضوح والمعرفة والايمان؛ والانسان فيها متردد مابين الخير والشر وهو على نصف يقين، اما الخاتمة فإنها ستتسم بالعلم والمعرفة والايمان؛ والانسان فيها عارف وفاعل للخير وهو بهذا الوصف سيتمكن من بناء جنة الارض.

وامكانية تحقق هذا الامر مبنية على اساس المزاوجة بين العلم والايمان وعلاقتهما تنبع من أن معظم اخطاء البشر ناجمة عن الجهل، فإذا استطاعوا ان يتعرفوا على حقيقة الاشياء فإنهم سيدركون ماهية الشر المظلمة بل هم سيرونها بأم اعينهم لذا هم سيتجنبونها لأنهم سيكتشفون ضررها بالأجهزة العلمية .

وفي آخر الزمان سيتحد العلم والايمان الى درجة لايمكن التفكيك بينهما وهما يسيران باتجاه واحد في بناء نموذج الانسان الصالح والقادر على تأسيس الحضارة المتكاملة على الارض، بعد ان جرب عصر الظلمات وعاش آلامه بكل تفاصيلها .

الحياة الانسانية جربت عصرين: عصر الظلمات عايشتها البشرية ونعيش انصرام ايامها الاخيرة، وعصر نوراني قادم سنشهد تشكله قريبا، وهو حتمية تاريخية بشرت بظهوره كافة الايديولجيات الدنيوية والدينية بأسماء وعناوين مختلفة!

 بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 0  
  • 10  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •