2016/04/10 08:24
  • عدد القراءات 743
  • القسم : وجهات نظر

هاجس العودة إلى التاريخ في الرواية العراقية بعد 2003

حسن سرحان

الرواية العراقية المعاصرة، منذ مراحل التشكّل الأولى إلى اليوم، على خصومة شديدة مع الزمن المضارع إذ تفضِّل عليه الزمن الماضي الذي أصبح، بحكم حضوره الدائم أو شبه الدائم في الرواية العراقية، مهيمناً سردياً مطلقاً في البناء الزمني للحكاية.

أنا أعني بالزمن هنا زمن النص (زمن القصة بتعبير تودوروف) أي الزمن الدلالي الخاص بالعالم التخييلي وليس الزمن الخارجي (ما يسميه تودوروف زمن الخطاب) الذي هو، بطبيعة الحال، فيزيائي، تأريخي، أحادي الاتجاه ومحتوم. باحتفائها بالزمن الماضي، فإن الرواية العراقية تتوافق مع معظم النتاج الروائي العالمي. غير أن هذا الأخير شهد، على مر تأريخه، محاولات تجريبية كثيرة غاية في الإثارة قامت على إحداث تماهٍ بين زمن القصة المحكية وزمن الكتابة أو السرد بينما بقيت روايتنا العراقية، في مجملها، مخلصةً لبنية سردية تميل دائما إلى تجذير وجود الحكاية في الزمن الماضي لكأنّه يستحيل، بالنسبة لروائيينا، سرد حكاية أثناء وقوعها.

ليس مصادفةً أن تؤثر أجيالٌ كاملة ومتعاقبةٌ من الروائيين العراقيين العيش، سردياً، في الزمن الماضي. للأمر، على ما أظن، تفسيراتٌ يستلزم الخوض فيها تجاوز حدود النصوص إلى ما هو اجتماعي وتأريخي ونفسي. كان لهذا الاحتفال بالزمن الماضي أن بقيت الرواية العراقية، منذ البدايات وحتى اللحظة الراهنة، تدور داخل فلكين رئيسين هما التأريخ والذاكرة، وهذان مجالان شديدا الارتباط بالزمن الماضي يجد فيهما هذا الأخير أفضل تجسيداته. في هذا المقال سيتركز اهتمامنا على العلاقة بين الرواية والتأريخ. مع ذلك لن تكون الذاكرة غائبة تماماً هنا لأنها، كما سنرى في حالة الرواية العراقية، شكّلت استراتيجية أساسية من استراتيجيات سرد التأريخ.

رغم ما يبدو من مفارقات بين الرواية والتأريخ في المنهج والوسيلة المتبعين لغرض إعادة بناء الماضي، يبقى التخييلُ عاملاً مشتركاً بينهما ولو ضمن حدود ضيقة جداً. يقول كولينجوود إن التأريخ كله من صنع المؤرخ، ما يعني أن كاتب التأريخ، مثَلُه في هذا مثَلُ الروائي يتخيل ولو أحياناً، فينسج وقائع وأحداثاً يتدخل في صنعها ويعيد صياغة بعضها فيحذف منها ويضيف إليها، يغير مصائر أبطالها وأعمارهم وعدد أبنائهم وأسماء زوجاتهم، يحيي من يشاء من شخوص حكايته ويميت من يريد وهذه الأفعال هي عين ما يقوم به الروائي. لا نية لي هنا بالدخول في جدال حول علاقة الروائي بالمؤرخ، ومدى قرب أيهما إلى الحقيقة. كل ما أريد قوله هنا إنني لا أظنهما يقفان على طرفي نقيض حتى لو افترضنا، وهذا فرض فيه نظر، أن الأول، أي الروائي، مبدأه الكذب والآخر، أعني المؤرخ، وظيفته البحث عن الصدق والحق. كان كوكتو يصرخ: أنا الكاذب الذي يقول الحقيقة وقد ينطبق هذا التصريح على حال الروائي الذي يكتب في الـتأريخ.

الرواية العراقية والتأريخ

ليست زيارة التأريخ ظاهرة جديدة على الرواية العراقية، فقد سبق لكتّاب عراقيين كثيرين أن مارسوا دور المؤرخ في نصوصهم الإبداعية.

الجديد أن هذه الظاهرة تحولت، منذ 2003، إلى ممارسة سردية ممنهجة ومحاولة تأصيل تكاد تكون منظَّمة تنمُّ عن إصرار واضح من قبل الرواية على مشاكسة التأريخ وعدم تركه يحيا بسلام ضمن منظومته المعرفية الخاصة به.

ليس من الصعب على المتابع للمشهد الروائي العراقي الراهن استنتاج أن الاشتغال على التأريخ بات يشكل الهاجس المعرفي الموجِّه للخطاب السردي لدى الكثير من كتّابنا الحاليين، بحيث أصبح الأغلب الأعم منهم يتخذ التأريخ موضوعاً وسياقاً لحبكات قصصهم حتى أصبح من الممكن القول ألا رواية عراقية تكتب الآن إلا كي تدور، بشكل أو بآخر، في مدار التأريخ وتتحرك على منواله.

هذه النظرة نحو الخلف بدت، في نماذج معينة، بغير حدود فهي لم تخص القرن العشرين وحده مستهدفة منه مراحله الأكثر دلالة وأحداثه التراجيدية العظام، بل امتدت أحياناً لتعانق أزمنة أبعد من قرون خلت وفترات مضت منذ عهد بعيد.

مع هذا بقيت مراجعة التأريخ القريب والقريب جداً واحدة من الملامح البيِّنة للرواية العراقية المعاصرة وعلامة من علاماتها الكبرى.

قد يكون هوس الرواية العراقية بالتأريخ القريب راجعاً إلى كون هذا الأخير حاول في فترات زمنية معينة من حياة العراقيين فرض هيمنة خطابه على خطاب الرواية التي تريد اليوم، مستفيدة من منزلتها كصورة للعالم الحديث ونموذج له ومحرك لروحه، التشويش على تلك السطوة وخلخلة مرتكزاتها عن طريق طرح خطاب سردي تخييلي مضاد يطلُّ على الماضي من غير أن يدّعي قدرته على قول ذلك الماضي كاملاً.

تقف وراء هذه المشاكسة من جانب الرواية العراقية للتأريخ غير البعيد رغباتٌ أخرى قد يكون من أهمها المنافسة على النطق ﺑ"الصواب" فيما يخص تحليل ووصف الأحداث الغابرة.

للروائي الحق في الظن بأن الرواية أصدق من التأريخ وأقرب إلى الحقيقة منه طالما أن جزءاً كبيراً من التأريخ فرضت طبيعتَه مشيئةُ السلطة وهواها.

رغبةٌ أخرى قد تبرر مماحكةَ الرواية العراقية للتأريخ تتمثل بالبرهان على ما يعتقده بعض روائيينا من "تقصير" المدوّنة التأريخية في نقل وتحليل الأحداث التي شهدها العراق الحديث.

خلال تأريخها المعاصر، أعادت الرواية العراقية طرح العديد من المواضيع التأريخية، لعل أبرزها التالي: دخول المحتل البريطاني بداية القرن الفائت إلى العراق وطرده للمحتل القديم العثماني، ثورة 1958 وزوال الملكية وتأسيس الجمهورية الأولى، انقلاب 1963 ضد عبد الكريم قاسم وتشكيل الحرس القومي وبداية صعود البعثيين إلى السلطة، انقلاب 1968 واستلام البعثيين لمقاليد الحكم بصورة صريحة وبدون شريك، حرب الثماني سنوات، حصار التسعينيات، حرب الـ2003 وزوال النظام السابق، الاحتلال الأمريكي للعراق، حرب الطوائف سنة 2006 إضافة إلى غيرها من المسائل السياسية التي لعبت دورا أساسيا في صياغة الـتأريخ القريب لبلدنا.

ضمن هذه الاستعادة الذهنية للماضي غير البعيد لم يكتف روائيونا بمجرد القص فقط فهم يشككون، يبحثون، يعيدون سرد الواقعة التأريخية ويضاعفون من طرق وصولهم إلى الماضي.

بعضهم جعل من زيارة الماضي ذريعة فنية يتطرق بوساطتها إلى مسائل تقنية تخص السرد الروائي طارحاً خلاله تصوراته عن شكل الحكاية ووظيفة الرواية ومدى علاقة التخييل بالواقعة التأريخية.

تتميِّز معاودة زيارة التأريخ في الرواية العراقية الراهنة بأنها قائمة، بشكل أساسي، على الذاكرة الشخصية للكاتب وهذا هو ما يفسر غياب المصادر التأريخية كالصحف والمجلات والكتب التي تعاملت مع التأريخ في روايتنا الحاضرة.

ما دامت الذاكرة شخصيةً فهي، بالضرورة، انتقائية بمعنى أنها تتعمد إبراز أحداث معينة وتغفل عن أخرى.

ولأنها شخصية وانتقائية، فإن الذاكرة لا تهتم كثيراً بالبحث عن شرعية وصحة ما يقوله النص إزاء التأريخ الواقع فعلاً لأن الرواية لا تسعى، من خلال التذكر، إلى تقرير حقائق، بل عرض تأريخ مهمش غير معروف ولا يحظى بالاعتراف ولذلك أيضا يكتفي روائيونا الحاليون الذين يكتبون في التأريخ باقتراح فرضيات حول ما حصل لا ترتقي، وليس هذا عيباً بقدر ما هو اعتراف بصعوبة نبش الماضي، إلى مستوى الحقائق الناصعة التي لا تقبل الجدل.

الأمثلة على روايات هذا الاتجاه كثيرة لعل من أهمها: "أجمل حكاية في العالم" لميسلون هادي، "طشاري" لانعام كجه جي، "دهاليز للموتى" لحميد الربيعي، "يا مريم" لسنان أنطوان، "خلف السدة" لعبد الله صخي، "مدينة الصور" للؤي حمزة عباس، "خريطة كاسترو" لخضير فليح الزيدي، "السيد أصغر أكبر" لمرتضى كزار، "تذكار الجنرال مود" لضياء الجبيلي، "ذاكرة أرانجا" لمحمد علوان جبر، "ترنيمة امرأة" لسعد محمد رحيم، "أونسام كاميل" لأسعد اللامي، "قتلة" لضياء الخالدي. .

بخصوص معالجتها للتأريخ القريب تبدو لنا هذه النماذج متميزة لأسباب عديدة منها أن كتّابها لم يبنوا نصوصهم بحسب سلطة النقل الكتابي للماضي، بل تبعاً لمنطق التخييل السردي، لذلك اتخذت رواياتهم أشكالا تعبيرية غير منتظمة أو مشوشة في بعض الأحوال.

كذلك، يحسب للروايات المذكورة قدرتها على الإفلات من فخ تبسيط الأحداث التأريخية، وهو فخ وقع فيه قسم ممن تناول تأريخ العراق من الروائيين.

لا بد للأحداث التأريخية، إن شاء المرء أن يكون موضوعيا ما وسعه ذلك، أن تحتفظ بحصتها من الغموض.

بالإضافة إلى ما ذكرنا آنفاً، يلاحظ على تلك الروايات تخليها عن الشكل التقليدي للرواية التاريخية ذات السارد الذي يوغل في الماضي مستنداً إلى منظور يعتمد كلية العلم والحضور مبدئين تقنيين يروي عبرهما كل الأحداث التي حصلت في مرحلة تاريخية معينة، هذه الطريقة تركها أكثر روائيينا المعاصرين لمصلحة إعادة بناء متردد وقلق لتجارب جزئية ومنتقاة.

عبر الاهتمام بالتأريخ، يمرر الروائيون العراقيون اليوم، بطريقة أو أخرى، خطابهم المعرفي أو الأيديولوجي ويقدمون رؤيتهم للحاضر ويجسدون موقفهم الخاص من الماضي.

بطبيعة الحال لم ينجح كل مؤلفينا بتطويع التأريخ وإعادة بنائه فنياً، حيث تماهى بعضهم بشكل شبه كامل مع أحداث المراحل التي كتبوا عنها من دون إعادة النظر فيها وتقديم قراءات جديدة لها فكان ذلك على حساب البعد الجمالي للرواية والدينامية التخييلية للعمل الروائي.

بالضد من هذا، ظهرت بعض التجارب الفنية الناضجة على مستوى تعاملها مع التأريخ بحيث تجاوزت الاسقاط وتخطّت وجوب التكيف مع المعلومة التأريخية وحررت التأريخ من الفكر الأحادي ومن السياق العام وقدمت قراءات مضادة للقراءة التأريخية السائدة وأزالت القداسة عن الوثيقة التأريخية.

القدس العربي


شارك الخبر

  • 0  
  • 1  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •