2016/04/17 10:01
  • عدد القراءات 699
  • القسم : وجهات نظر

الانفجار التجاري الإسلامي في القرون الوسطى المسيحية

محمد تركي الربيعو

 تعد أطروحة العالم البلجيكي هنري بيرين "محمد وشارلمان"، واحدة من أهم الأطروحات الاستشراقية التي زعزعت عالم المتخصصين في القرون الوسطى المسيحية، ولا سيما فيما يتعلق بالكشف عن ظهور مجتمع جديد في القرن الثامن الميلادي داخل أوروبا قائم على الاكتفاء الذاتي، وهو مجتمع سوف يعبر عن نفسه لاحقا من خلال أشكال موهنة من الإقطاعية.

وبرأي بيرين فإن ظهور هذا النظام الإقطاعي الذي ساهم في تراجع أوروبا، لم يكن نتيجة عوامل داخلية فحسب، بل يعود في أساسه إلى ظهور قوة غريبة – الدولة الإسلامية– على الشواطئ الشرقية للمتوسط، ما أدى إلى قطع الطرق القديمة للتبادل التجاري التقليدي بين الدول الأوروبية وآسيا، وترك أوروبا الغربية من دون أسواق لتصريف البضائع، الأمر الذي سبب تراجع اقتصادها ليصبح نظاما اقطاعيا يتميز بمقايضة السلع، وهو ما كان سائدا في القرون الوسطى (في الغرب). وهذا ما أخذ يمهد لمجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى تغيير شكل العلاقة بين الكنيسة والدولة تغييرا جذريا من خلال تتويج شارلمان إمبراطورا مقدسا عام 800 . وقدعبر بيرين عن ذلك بقوله "إنه من غير محمد (ص) لم يكن من الممكن تصور شارلمان".

في هذا السياق، يرى جين هيك استاذ التاريخ في جامعة ميرلاند في كتابه "شارلمان ومحمد، والجذور العربية للرأسمالية" الذي ترجم للعربية بعنوان "الجذور العربية للرأسمالية الأوروبية"، أن أطروحة بيرين السابقة تبقى غير متماسكة نظريا، ذلك أن الوجود الإسلامي على شواطئ المتوسط، لم يكن يعبر عن عداء صريح لأوروبا، بل على العكس من ذلك، فقد ساهم هذا الوجود بعد ثلاثة أو أربعة قرون في توفير مناخ اقتصادي جديد. فنتيجة احتكاكهم المباشر مع المدن الإيطالية، نقلوا الكثير من تكنولوجياتهم العلمية المبتكرة والمتطورة إلى البندقية وأمالفي ومرسيليا، وهي المدن ذاتها التي قال الكثير من المؤرخين الاقتصاديين الحديثين أن الرأسمالية الغربية نشأت فيها.

جذور الركود في أوروبا المسيحية

من جانب آخر، يرى هيك أن بداية العصور المظلمة في أوروبا المسيحية لم تكن أبدا نتيجة عوامل خارجية، بل نابعة من تطورات اجتماعية اقتصادية داخلية، حيث نجد أن علامات ضعف البنية التحتية للإمبرطورية الرومانية ظهرت منذ القرن الثالث الميلادي، أي قبل أربعمئة سنة من بدء التاجر الشاب محمد صلى الله عليه وسلم مهمته الدينية.

فعلى الصعيد الاجتماعي الاقتصادي بدأت أوروبا تشهد فترة جديدة رثاها معظم المؤرخين الغربيين عبر تسميتها بـ"محنة القرن الثالث"، حيث أخذ الوهن والطاعون والحرب الأهلية والتعديات البربرية تضعف من البنى الاجتماعية والاقتصادية في كل مقاطعات الإمبراطورية تقريبا، إلا أن اقتصاد الإمبراطورية الرومانية تلقى الضربة القاضية عندما قرر قسطنطين الأول في أواسط القرن الرابع الميلادي إنشاء عاصمة جديدة في القسطنطينية، الأمر الذي قسم الإمبراطورية السابقة إلى قسمين، عندها أصبح سقوط روما مسألة وقت لا أكثر.

أما التطور الآخر الذي سرع النهاية التدريجية لاقتصاد بلاد الغال فهو التدخل المتزايد للكنيسة في الشؤون الدينية، الذي بدأ مع حدث مفصلي تعرضت له أوروبا، وهو معركة تورز (سنة 732) ذائعة الصيت في تاريخ الغرب المسيحي. ففي هذه المعركة أنقذ تشارلز مارتيل (عمدة باريس) أوروبا من الخطر الكاسح للإخضاع الإسلامي السياسي، وقد كان مارتيل مقربا من الأسقف بونفيس وسان ويلفرد اللذين استفادا من موقعه الجديد، فقاما بجلب العديد من الرهبان للقيام بحركة إصلاحية كبرى من خلال الدعوة لتعاليم الكنيسة الأرذثوذكسية بما فيها العودة إلى عقائدها الاقتصادية الأساسية المتعلقة بالفقر المدقع.

فعلى سبيل المثال كان ثمة تحذير إنجيلي من لعنة الغني "ولكن ويل لكم أيها الأغنياء لأنكم نلتم عزاءكم، فمرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله"، و وصلوا إلى حد التأكيد أن التجارة بالكاد تستطيع أن ترضي الله.

وبالتالي نجد – بحسب هيك- أن الكنيسة منعت دافع الربح والقدرة على أخذ فائدة على رأسمال والسعي الفطري وراء الربح المادي الذي يميز الاقتصادي في نظام السوق الحرة، فكان من ذلك أنها أدت إلى دمار روح العمل الحر في بلاد الغال، لتتحول بذلك أوروبا إلى قربان على مذبح الفقر. ومع ذلك، فان الآباء المؤسسين المبكرين أكدوا أن اليهود وحدهم هم الذين يحق لهم الانخراط في عمليات تتضمن الفائدة، وذلك بسبب شرط في سفر التثنية للعهد القديم ينص "للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا"، ومن هنا يمكن تفسير كيف أن اليهود أصبحوا الوسطاء الأساسيين في تجارة أوروبا المسيحية خلال القرون الوسطى.

في الطرف المقابل، يرى هيك أن نشوء المستوطنات المدينية خلال الفتوحات الإسلامية الأولى كان عاملا رئيسيا ساهم في تجديد الشرق الأدنى اقتصاديا خلال القرون الثلاثة الأولى من الهيمنة الإسلامية. فقد تأسست هذه المدن في البداية كمواقع عسكرية بهدف ترسيخ الفتوحات الإسلامية، كالبصرة والكوفة في العراق والفسطاط في مصر التي تأسست جميعها بين عامي 14 و20 الهجري، وكانت هذه البلدات بحد ذاتها محفزات قوية للنمو الاقتصادي، فلم تسرّع فقط البناء على نطاق واسع، بل سرّعت أيضا تطور وسائل نقل واسعة الانتشار من أجل الربط في ما بينها عبر شبكة عسكرية، بالإضافة لوجود جيش يضم عددا كبيرا من المحاربين المتفرغين للفتوحات والذين يتلقون دخولهم من الغنائم الوفيرة التي غنمها المسلمون، وخلِق نظام خدمات عرف باسم العطاء مؤلف من رواتب نقدية أساسية تدفع إلى المسلمين كلهم بمبالغ متفاوتة، مما أدى إلى تطور شعب مديني استهلاكي ضخم، واستقرار اقتصادي نتيجة لطلب المستهلك.

كما تزامن هذا التراكم للرأسمال السائل داخل الأراضي التي تم فتحها، مع سياسة عدم تدخل كانت تتبع جديا داخل أسواق الدولة الإسلامية، كما تؤكد أدلة في مصادر موثقة أن دافع الربح كان القوة الفعلية الأولى خلف النجاح المنقطع النظير للهجوم التجاري الإسلامي العالمي. وفقا للمؤرخ هيك، فإن هذه الرؤية الاقتصادية داخل دار الإسلام، كانت تعود بالأساس إلى ذكاء العديد من العلماء فائقي الموهبة، كأبي الفضل الدمشقي مؤلف كتاب: "الإشارة إلى محاسن التجارة"، والشيباني "الاقتصاد في الرزق المستطاب"، إضافة لمجموعة من الأعمال المالية والإدارية التي ساهمت مساهمة كبرى في صياغة الصفة التجارية للدولة الإسلامية.

ويقول العالم الفقيه الشهير الذي عاش في القرن الخامس الهجري أبو الفضل الدمشقي في كتابه "الإشارة إلى محاسن التجارة: "التجارة إذا ميزت من جميع المعايش كلها وجدتها أفضل واسعد للناس في الدنيا". وبالتالي تثبت المصادر أن البحث عن الربح عبر التجارة كان في طليعة الطموحات الاقتصادية للمسلمين الأتقياء، وبلغت مثل هذه المحاولات المبكرة في تأويل السوق الحرة ذروتها في الأبحاث البارزة للمؤرخ الاقتصادي ابن خلدون خلال القرنين الثامن والتاسع الهجري.

إلا أن تساؤلات جوهرية حول الفائدة تطلبت على وجه الخصوص نقاشا وجدالا مطولين، فقد كان النبي محمد (ص) مهتما للغاية بضمان تحقيق الإنصاف داخل سوق المستهلك مما أجبر الفقهاء المسلمين على البحث عن حلول بارعة لتحريم الدين بالربا، من خلال ظهور أعمال تأويلية خلاقة تحت اسم "كتب الحيل والمخارج" التي نشرتها المدرسة الفقهية الحنفية المنتشرة آنذاك في جميع أنحاء البلاد، حيث تحوي هذه الكتب على ممارسات خاصة لبعض الأعمال التي يبدو أنها تخالف في ظاهرها التحريم الديني، وكمثال على ذلك كان يمكن استبدال قنطار تفاح بقنطارين من البرتقال إنما ليس بقنطارين من التفاح. كما تركز على وجوب تحقيق ربح أكبر في معاملات الدين "يباع شيء بالقرض مقابل مبلغ أكبر من بيعه مقابل مبلغ نقدي".

الإسلام والانتعاش المسيحي

وأمام هذه التطورات في الضفة المتوسطية الإسلامية، يرى هيك أن هذه الأحداث الاقتصادية لم تتطور في حالة من الخواء الثقافي، بل على العكس من ذلك، كانت مرتبطة بشبكة معقدة من التجارة الدولية، فقد استفاد اقتصاد أوروبا من التوسع السريع لدار الإسلام في القرن الثالث والرابع الهجري والتي استخدمت مواردها المعدنية الثمينة لشراء الأخشاب والأسلحة الحديدية، والمعادن الأولية وغيرها من المنتجات الأساسية الأوروبية الأصل التي احتاجت إليها للدفاع عن نفسها، وهو ما أدى لاحقا إلى بروز طبقة جديدة من التجار والحرفيين الذين يسعون إلى الاستفادة من فرص السوق الجديدة مشكلين بذلك طبقة برجوازية ذات ثروة سائلة لم تكن نتيجة الأرض بل من التجارة الخارجية، الأمر الذي قوض من تفوق الكنيسة والنبالة الإقطاعية المالكة للأراضي.

وقد رافق هذا التشكل البرجوازي، ابتداع بعض الأساليب التجارية ونقل بعض التقنيات الاقتصادية كعقد المضاربة وعقد البيع المزدوج الإسلامي الذي أعطاه تجار أوروبا اسما لاتينيا (موهاترا) المشتق من المصطلح العربي (مخاطرة)، بالإضافة إلى اشتقاق بعض أدوات التسليف التي تحتال على قضية الربا والتي ابتكرها الفقهاء المسلمين. وبرأي هيك، لم يكن هذا التشابه محض صدفة، لكون ذلك العصر قد شهد اختمارا فكريا اقتصاديا إسلاميا عظيما. فقد بدا بعض الفقهاء المسلمين على غرار محمد بن حسن الشيباني في كتابه "الاقتصاد في الرزق المستطاب" وأبو الفضل الدمشقي في "الإشارة إلى محاسن التجارة" بصياغة مبادئ اقتصادية شديدة الحداثة والعمق للسوق الحرة، لتتجذر في تربة خصبة وضمن اقتصاد قوي في تأثيره على عقائد التجارة وإدارة الاعمال في المناطق التجارية القريبة والبعيدة، والتي أجمع المؤرخون على أنها تطورت لاحقا لتصبح المبادئ والممارسات التجارية الخاصة في المدن الإيطالية، التي انطلق منها الانبعاث الرأسمالي الاوروبي.


شارك الخبر

  • 3  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •