2016/05/07 09:20
  • عدد القراءات 1962
  • القسم : وجهات نظر

قراءة في مثلث الموت للعراقي علي لفتة

بغداد/المسلة: يُخيل إلى كثير من الباحثين أن الرواية تكتفي بتقديم المتعة الفنية للقارئ؛ وهذا في اعتقادي حكم جائر في حقها؛ إذ إن الرواية تعتبر بمثابة سلة أهداف متنوعة في طبق من ذهب؛ ينتقي منها القارئ ما يريد؛ ومن هذه الأهداف تقديم الواقع المعيش بجماله وقبحه لغاية تاريخانية؛ تنكشف داخل الأحداث وفي الوقت نفسه تُحرض لكي يكشف القارئ تلك الأحداث عبر تجريدية واشية؛ ومؤنسة داخل شجرة السرد التي تفرد غصونها مفردات الرواية.

وهذا النوع من الرواية واسع التأثير في المتلقي الاستقبالي؛ من خلال تراكيبها المعتقة في براميل السرد الروائي؛ بما تملك من قدرة على مخاطبة كافة الأجيال؛ في مختلف الأمكنة والأزمان؛ باعتبار أنها من الحياة إلى الحياة؛ ومن البشر إلى البشر، حسبما ذكرت "القدس العربي".

من هذه الروايات المعتقة نذكر رواية مثلث الموت للأديب علي لفتة سعيد ؛ وهي رواية تحكي أحداثها مغامرة أربعة صحافيين وهم منتظر وسلام وأحمد وخضير؛ الذين ركبوا مغامرة البحث عن الخبر من مصدره؛ في ظروف سياسية خطيرة ومعقدة في العراق حيث القتل على الهوية؛ بأوامر من رجال الدين الذين يفسرون الدين على هواهم وعلى مقاسات معتقداتهم ..رجل دين واحد قادر على إخراج مليون مواطن.

ومن جهة أخرى اصطياد السياسيين غنائمهم في الماء العكر باستغلال حالة الاضطراب لتصفية كل من يعارض سياستهم؛ على اعتبار أن الطاغية دوما مستمر في العراك؛ وعدوهم الرئيسي هم الإعلاميون الذين ينظرون إليهم على أنهم عملاء للحكومة التي لا هم لها سوى تسقيط الشرفاء والوطنيين.

وعلى الرغم من معاناة مهنة المحن فإن الشخصيات الأربع ظلوا مصرين على المبادئ التي تربوا عليها وهي أن الذي يريد أن يكون مثقفاً عليه أن يكون قادراً على المواجهة؛ وأن يكون قوياً وإلا ما معنى كل تلك الكلمات التي قرأها وهي لا تحرك ساكناً لتغيير ما يعتقدون..إنه هامشي في الحياة أو إنه مؤثر سلباً عليها لأن الإنسان العراقي في ظل سطوة الحرب وتعرضه الدائم للقمع والقهر حتى بات الهتاف يدخل ضمن الشخصية العراقية التي لا تنفك عن حاجتها إلى الرمز، لتنتهي الرواية بإعلان منتظر اختفاء الثلاثة ليتأكد في الأخير من موت أحمد وخضير ويبقى سلام مختفيا ليطرح أمر اختفائه عدة أسئلة…

رواية مثلث الموت تعتمد على تقنية الانطلاق من الداخل إلى الخارج؛ من داخل الشخصيات إلى الخارج الاجتماعي المظلم والقاتم الذي تفوح منه رائحة الموت؛ من خلال السارد الضمني الذي له أهمية بالغة في تسيير لعبة السرد المحايد؛ والموضوعي؛ حيث يقف على مساحة قريبة من القارئ؛ يسيطر على المواقف؛ ويوزع الأحداث على الشخصيات؛ في أزمنة وأمكنة مختلفة؛ يرسم ملامحها الخارجية؛ لترسيخها في ذهنية المتلقي لكي يتتبع العالم المتخيل الذي تقدمه الرواية؛ ومن الخارج يعود مرة أخرى إلى الداخل؛ أي إلى نفسيات الشخصيات للتعبير عن مشاعرها وأحاسيسها ووطأة الواقع عليها.

إن رواية مثلث الموت بأحداثها المأساوية ولغتها التي تفوح منها رائحة الموت؛ تبهر القارئ الغض؛ المرهف الأحاسيس؛ وتدخله في لعبة السرد المغامراتي؛ الذي يؤكد على دور البطل المُبهِر؛ الذاهب إلى الغيب والمجهول؛ ربما هذه الشخصية البطلة تتماها مع شخصية الحسين أو الخضر؛ قد يكون القتل مصيره والفجيعة الدامية نهايته؛ نشعر بأن الروائي يترك القراء قلقين جدا وتائهين؛ أتلفت الأحداث المأساوية عقولهم؛ بأحداثها الدموية ومغامراتها المخيفة، لتبقى الرواية في النهاية كنص مفتوح لتأويلات متعددة تتعلق خصوصا بشخصية سلام الغابر الظاهر الذي يبقى غيابه أو تغييبه؛ لغزا في الرواية كأنه المخلص؛ الداعي إلى السلام المقتبس من اسمه؛ أو أن السارد ترك مصيره معلقا بيد الروائي لرواية أخرى مقبلة قد تكون هي الجزء الثاني من مثلث الموت.

إن الروائي يقدم الحوار بلغة الصمت، بل هو الصمت عينه؛ حين تتحدث الشخصيات؛ فكأنها لا تطلب ردا أو إجابة أو تفسيرا أو حتى مشاركة؛ لأن الحوار في غالب مساحة الرواية كان تحت سطوة الخوف من صناع الموت؛ فرفع الصوت يعني انكشاف المهمة؛ والانكشاف يعني الاتهام بالمؤامرة؛ وهي التهمة التي تلفق عادة للصحافي؛ وبالخصوص الصحافي المراسل لجريدة أو مجلة أجنبية، كما هو حال شخصيات مثلث الموت.

كما أن مساحة الحوار في عموم الرواية كانت صغيرة؛ فرضها قصر الزمن المعطى للشخصيات؛ إلا أنه حوار يفعل الحدث وينقله من السكون إلى الحركية ويجعله يحتدم؛ وكأن داخل الشخصيات قدرا يغلي ويفور حين يبدأون الكلام. ونسجل كذلك بأن السارد يتدخل في طريقة الحوار؛ مرة يكون بشكل مونولوج ومرات يكون بشكل حوار خارجي بمستويات لغوية مختلفة؛ مرة باللغة الفصيحة التي ترقى إلى ذائقة ومستوى أنواع معينة من القراء؛ ومرات بلغة عامية تعبر عن ملفوظ فئات عامة الناس؛ ومرة بلغة ثالثة هي اللغة الصحافية التي جاءت عليها أغلب فصول الرواية.


شارك الخبر

  • 1  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •