2016/05/13 21:41
  • عدد القراءات 1290
  • القسم : وجهات نظر

عبد الكريم كاصد يكتب: الجابي والسيّاب

كتب عبد الكريم كاصد: عادةً ما كنت أستقلّ الباص في الظهيرة عند عودتي إلى البيت.

المشاهد ذاتها: السجن تقابله مستشفى تعقبهما صحراء تمتدّ يقطعها الباص مستقيماً لينعطف في الصحراء ذاتها باتجاهٍ آخر مستقيمٍ أيضاً تلوح في نهايته بيوت تفصلها عن بيوت أخرى صحارى صغيرة.. بيوت كأنها خيمٌ في العراء.

رفعت ناظريّ عن الكتاب الذي كنت أقرأه فطالعني وجه ليس غريباً عليّ غارقاً في صمته، وقد اجتزنا السجن والمستشفى وبدا ما حولنا فراغاً لا معالم فيه، وكاد الباص ينعطف. ظللت أحدّق في الراكب من الخلف، كان يمكنني أن أرى وجهه الجانبيّ، وقد أرى وجهه كله حين تحين منه التفاتة أو حركة خفيفة إذ كنت أجلس في الصف الموازي للصف الذي يجلس فيه.. يفصلنا ممرّ ضيق طويل: أوه.. إنه بدر شاكر السياب! غير أن ما أثار انتباهي أيضاً هو أن قاطع التذاكر الذي نطلق عليه لفظة (الجابي) هو أيضا بدا وكأنّه مشغولٌ بالتطلع في بدر متكئا عند الباب الأمامي مطيلا التحديق فيه. تحديق يخالطه الإعجاب والغرابة والذهول غير أنّ بدر المحاصر منا نحن الاثنين كان في شغل عمّا يحدث حوله بل إنه زاد ذهولاً واستغراقا في صمته، كما لو أنه كان وحيداً وليس وسط هذه المجموعة الكبيرة من الركاب والعيون الأربع المحدّقة فيه.

شغلني الجابي عن النظر إلى بدر فأخذت أتطلع فيه مستغرباً باحثاً عن سبب تحديقه وخشيته من الحديث مع بدر. كانت نظراته يخالطها حنانٌ بالغ ممزوج بما يشبه شفقةً خفيةً ألمحها في ابتسامته الخفيفة التي تكاد لا ترى في وجهه الطيب. أهو قارئ شعر أيضا؟ وربما شاعر يكتب لنفسه! ربما... ربما.. ما أغرب الناسَ! ولعلّ ما هو أشدّ غرابة هو أن الجابي أصابته عدوى الذهول والاستغراق فلم ينتبه إلى نظراتي وتحديقي الطويل فيه. وربما لم ينتبه حتى لنفسه.

كان الجابي ويا للغرابة شاغلي حين هبطت من الباص. ما الذي دعاه إلى مثل ذلك الذهول والاستغراق؟ هل كان قارئ شعر. هل كان شاعرا؟ ..... من يدري؟


شارك الخبر

  • 3  
  • 0  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   0
  • (1) - علي
    5/14/2016 1:55:35 AM

    الى الكاتب عبد الكريم كاصد . ليش هيجي سويت بينا . خليتني انشد لهذا الموقف بينكم انتوا التلاثه حضرتك و الجابي و السياب . اريد اعرف شنوا تاليها . والله عيشتني الموقف .



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •