2016/05/14 11:38
  • عدد القراءات 649
  • القسم : وجهات نظر

فولتيـر عربيـا

بغداد/المسلة: هناك عناوين تستدعى الى الذاكرة مثيلاتها مقابل اخرى تستدعى على الفور نقائضها، والامر في الحالتين منوط بالدلالات خصوصا حين تنطوي على مفارقات، والكتاب الصادر حديثا للباحث العراقي د. وليد خالص بعنوان لو كان فولتير عربيا يدفع الخيال السياسي للقارىء العربي نحو آفاق عديدة، منها المحرم والمسدود ومنها ما ينتظر اجتراحا جسورا لأن فولتير هو فى النهاية نتاج ثقافة وتراكم معرفي وتراث من التنوير، وتهجيره من سياق حضاري الى آخر يبقى افتراضيا وعلى سبيل اطلاق المفارقة الى اقصاها.

 فالرجل الذي قال إنه مستعد للموت في سبيل الدفاع عن رأى الاخر حتى لو كان مختلفا معه، تخطى مرحلة الإثرة والانكفاء على الذات الى مرحلة الايثار والافتداء، وبالطبع سيبقى حرف لو يعنى الامتناع، لهذا حين كتب مؤرخ فرنسي عن احداث مُتخيّلة تحت عنوان لو تساءل ما الذي كان سيحدث لو ان ونستون تشرتشل سحقته سيارة وهو طفل، او لو ان كارل ماركس توفى بالحصبة الالمانية، واخيرا ماذا كان سيحدث فى فرنسا لو ان الفلاحين لم يقبضوا على آخر لويس من عائلة بوربون، التي سخر منها الشاعر جاك بريفير وقال انها عائلة لم تتقن العد حتى العشرين، اي ان نهايتها كانت في عهد لويس التاسع عشر.

ان ما تتيحه لو للخيال لا ينتهي عند حدّ، وهذه متوالية افتراضية لا طائل من ورائها، لهذا ليس من الممكن ان يكون فولتير عربيا كما ان الراحل جورج طرابيشي الذي كرّس المؤلف كتابه عنه لن يكون فرنسيا ، بحسب مقال نشرته "الاهرام المصرية".

من هنا كان خطأ بعض النقاد العرب جسيما حين وصفوا نجيب محفوظ بأنه بلزاك العربي او حين وصفوا ام كلثوم بأنها اديث بياف المصرية وكذلك فيروز حين وصفت بأنها مارى ماتيو اللبنانية ، لانه لم يحدث ان كتب نقاد فرنسيون او غربيون عن بلزاك باعتباره محفوظ وعن اديث بياف بأنها ام كلثوم فرنسا.

جورج طرابيشي الذي رحل قبل اسابيع عن عالمنا ترك وراءه اكثر من مائتي كتاب تأليفا وترجمة، وكان علمانيا حدّ الغلوّ، ورغم كونه مسيحيا كتب في ادق القضايا الفقهية في الاسلام لأنه تخطى مبكرا القيود الطائفية فكان انسانا وعربيا ولبنانيا بامتياز شأن امين معلوف الذى ألف كتابا بالغ الاهمية بعنوان الهويات القاتلة وانتهى فيه الى ان مفهوم الهوية يتسع لكونه عربيا ومسيحيا ومسلما وفرنسيا وقبل ذلك كله انسانا، مما يذكرنا بالصوفي محيى الدين بن عربي الذي جعل من قلبه مجالا رحبا للقرآن والانجيل والتوراة .

بدءا يوجه المؤلف سؤالا اشكاليا الى الراحل طرابيشى هو : لو كان فولتير عربيا اما كنت ستكونه ؟؟ بالطبع ستكون اجابة طرابيشي كل ما كتب خلال ستة عقود، وليس عبارة واحدة تختزل عمرا من الكتابة والتأمل والسجال .

لقد وقعت في اوروبا بالتحديد احداث جسام سواء فى الحروب او الصراعات الفكرية والايديولوجية، مما دفع مؤرخا مثل هنري ايكن الى وصف القرن التاسع عشر الاوروبي بأنه عصر الايديولوجيات، لكن تلك الاحداث منها ما اقترن على نحو رمزي مع وقائع محددة لاشخاص بحيث اصبحت بمثابة عناوين كبرى لمراحل تاريخية منها قضية درايفوس المجند اليهودي التي اسس عليها البعض من الكتّاب والمؤرخين قضايا كبرى منها سلطة المثقف.

 وهناك قضية اقترن اسم ضحيتها بفولتير فى كتابه الشهير قول فى التسامح، هي قضية جان كلاس الذي حوكم بشكل جائر ثم اعيد اليه الاعتبار، لكننا نادرا ما نجد في ثقافتنا مثل تلك المحطات التي تختزل مراحل تاريخية، ولو كتب المؤرخون العرب عن الاحوال السائدة فى مرحلة اعدام السهروردي او صلب الحلاج او تسميم الكواكبي لاختلف المشهد، لكنها ثقافة تنزع الى التجريد والتعميم وبالتالي تعويم القضايا خشية من المساءلة.

وعلينا ان نعترف بأن المثقف العربي ورث فوبيا لا يستهان بتأثيرها النفسى من قراءته لتاريخ التعذيب كما قدمه الباحث هادى العلوي في كتاب لا يقل اثارة للقشعريرة عن كتاب ميشيل فوكو عن تاريخ التعذيب فى فرنسا خصوصا مشهد تعذيب المسيو دميان الذي مزقت الخيول انسجة جسده بإشراف طبي كي يبقى حيا اطول فترة ممكنة، لأن من مفارقات فقه التعذيب الحرص على حياة الضحية.

وهذه مناسبة للتذكير بما قاله الرائد ابن خلدون مبكرا عن جدلية العلاقة بين الغالب والمغلوب، فالغالب هو المشبه به على الدوام بل هو النموذج الذي يقتفيه المغلوب بسبب ما يتشكل لديه من عقدة النقص، وربما لهذا السبب يشبه ادباء وكتاب عرب بآخرين من ثقافات اخرى، رغم ان بينهم من هم جديرون بأن يكونوا اصولا وليسوا اشباها كنجيب محفوظ وغيره، ولا يعادل الافراط فى المجاز عندما نعقد مقارنات بين الشرق والغرب على مستوى ثقافي الا تلك المقارنات الجزافية التي تتم بين ثورات وحراكات اوروبا فى عام 1848 وكومونة باريس، لأن هذا يقتضى خلع الوقائع من سياقاتها واستبدال تأويل التاريخ بالتقويل المتعسف على طريقة بروكوست الاغريقي الذي كان يبتر سيقان ضحاياه او يمطها تبعا لمساحة السرير الذي يسجيهم عليه .

فالثورة الفرنسية لم تنتج واحدا بالالف مما سبقها ومهد لها من الفلسفات والافكار، وهناك كاتب فرنسي يقول انها لم تنتج غير المركيز دوساد الذي ينسب اليه مصطلح السادية وهو التلذذ بتعذيب الضحية، ان فلسفة حرق المراحل قد تليق بالزراعة والصناعة، وبالافادة من منجزات التكنولوجيا، لكن هناك مفاهيم فى التاريخ البشرى لا تنفع معها هذه الفلسفة ومنها الديمقراطية، والمناخ الفولتيري الحرّ، لأنها تتطلب تأهيلا منذ الطفولة، وبغير ذلك تصبح مصطلحات من هذا الطراز مجرد ايقونات او حجارة كريمة ترصع بها المقالات .

والى ان يعثر فولتير في قبره على توأمه العربي علينا ان نعترف بأن الارنبة لن تلد شبلا وان الغربان لن تهدل فوق كل هذه الخرائب الممتدة من الدم الى الدم وليس من الماء الى الماء!!


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •