2016/09/03 19:43
  • عدد القراءات 39208
  • القسم : صيد المسلة

حسن الجنابي.. من جمهورية الخوف إلى مملكة الأهوار

بغداد/ المسلة: ظلّت الأهوار لسنين طويلة، تأريخا منسيّا، ومفارقة كبرى في بلاد تزدحم بالعقول والخبرات، ولا توظّفها للحاق في موكب العصر، فآلت دلالتها إلى رموز ميتة، ومعالمها إلى أطلال، فيما الحضارة العريقة ركعت على ركبتيها تتوسل نزع الغبار عن صفحاتها.

ولم يكن ذلك الا نتاج تهجير العقول، وعدم توظيف الخبرات، والعبث بالثروات، فكان الانهيار الكبير بمعاول الحروب حتى عام 2003، الذي أشرقت فيه الشمس على أمل النور الذي يغطي أرجاء بلاد الرافدين، ومنها المسطحات المائية العظيمة التي تُعرف باسم "الأهوار".

وأحد أولئك الذين عادوا من ارض المهجر، كتحصيل حاصل للتغيير الذي أطاح بالدكتاتور، من بين الكثير من النخب السياسية والأكاديمية والثقافية والدينية، حسن الجنابي، الأكاديمي صاحب الخبرة على مدى 35 عاماً في تطوير الأنظمة المائية والبيئية.

هذه الخبرة وجدت نفسها بين أحضان منخفضات القصب والماء، الجنة المنسية التي أكلها التصحر، والتي تزامن إدراجها على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، مع تبوأ الجنابي منصبة وزيرا للموارد المائية.

ظلّت الأهوار مصدر إزعاج للسلطات منذ فجر الدويلات السومرية، ما من سلطة أو ملك أو إله قديم لم يفكر بالخلاص منها، فهي بيت التمرد، ومنطقة الخطر، والبحر الغامض الذي يحفظ الثورات.

ومنذ "زيوسدرا" حين الطوفان الأول الذي غمر العالم القديم، لم تجف أهوار جنوب العراق، رغم الشمس الحارقة للطبيعة، وظل مخطط تجفيفها في نفس كل زعيم.

سرجون الاكدي كان له مخططه في تجفيف الأهوار لتحجيم ثورات الدويلات السومرية ضده، والبابليون كانت لهم رغبتهم بالتجفيف لقمع ما تبقى من المتمردين، والجمهوريات العراقية بعد 1958 استعادت الخشية من الأهوار، التي ظلت على الدوام ، مأوى المعارضين والمنتفضين ، وبلغ ذلك ذروته في انتفاضة آذار 1991، فكان الانتقام منها بالتجفيف والعزل.

هاجر الجنابي من العراق في العام 1979، فاراً من جمهورية الخوف التي بات صدام في ذلك العام، يمسك سلطتها بقبضة القسوة.

 وطيلة 30 عاماً دأب الرجل بالتحضير لمهمته المؤجلة لخدمة بلده، فحط رحاله في بولندا ليحصل الى الماجستير (1984) والدكتوراه (1989) من جامعة وارشو، بعد ان حصل على الشهادة الجامعية من بغداد عام 1978، ليمضي بمشواره العملي ليحصل على شهادة في هندسة ادارة المياه من جامعة سيدني التكنلوجية في عام 1994، وهو ذات العام الذي بدء فيه نظام صدام مشروعه المدمر بتجفيف الأهوار.

مارس الجنابي في دول إفريقيا وأوروبا وأستراليا، إدارة وهندسة المياه، والبيئة، والزراعة، وتطبيق أنظمة المعلومات الجغرافية، وإدارة المشاريع المختلفة، وتنفيذ أنظمة المراقبة الهيدرولوجية، وقدم خبراته لبرامج دولية وأممية، واسهم في حلول عالمية في الحفاظ على البيئة والمياه، وشارك في مؤتمرات عديدة في تخصصه، واضعا خبرته المتراكمة في خدمة بلده.

عمل الجنابي منذ عودته في وزارات مختلفة بدءاً من الموارد المائية والزراعية حتى الخارجية، وتدرج في المناصب ذات العلاقة بتخصصه، حتى بات سفيراً مفوضاً فوق العادة للعراق لدى اليابان في العام 2016، قبل انتدابه لإدارة وزارة الزراعة والموارد المائية من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي، في خطته لاستيزار كفاءات متخصصة بمجالاتها في الوزارات العراقية.

لكن هم الجنابي كان على الدوام ، انعاش الأهوار ، فدرسها تاريخياً وبيئياً وترجم اهم كتاب عنها في 1997، وهو "العودة إلى الأهوار" للصحفي البريطاني "كافن يونغ"، كدليل على اهمية تلك المسطحات المائية الخالدة عبر الزمن، وتعريف هامٍ بها لمن يجهلها كثروة وطنية عظيمة، فانطلق بعمله في الإشراف على تأسيس وإدارة مركز انعاش الأهوار في وزارة الموارد المائية، ومهمته وتأهيل مساحات كبيرة من الأهوار المجففة، وتحليل شروطها الايكولوجية، والهيدرولوجية، والاقتصادية.

هاجر الجنابي من العراق في العام 1979، فاراً من جمهورية الخوف التي بات صدام في ذلك العام، يمسك سلطتها بقبضة القسوة.

عمل الجنابي بمعية فريق عمل على تعزيز إدراج الأهوار ومواقع اثرية على لائحة التراث العالمي التي تتبناها منظمة يونسكو، وتكللت تلك الجهود بالنجاح ، بإدراج الأهوار الوسطى والجنوبية، ومواقع أور وأريدو والوركاء، ضمن لائحة التراث العالمي 2016.

ولعل مصادفة التاريخ، لها حظها مع الجنابي، فالتواريخ الهامة في حياته كانت ردا قاسا على تصرفات النظام الدكتاتوري، فقد التحقت الأهوار الى التراث العالمي، في (17 تموز 2016)، وهو اليوم الذي استولى فيه البعث على السلطة (1968)، ما يعد تصحيحا لمسار التاريخ.

حين الإعلان، طغت على العراقيين فرحة نادرة وتوافدوا على الأهوار محتفلين مستكشفين، فمنذ 30 عاماً مضت، لم تنظم سفرة ترفيهية الى جنوب العراق حيث الأهوار. وعلى رغم الصيف الحار، تسابقت مكاتب السفر على تنظيم رحلات أسبوعية الى "جنة عدن"، وأصبح الهور المهمل أيقونة فخر بفضل المخلصين ومن بينهم حسن الجنابي.

ادرك الرجل عمق الإنجاز، ليصطحب عائلته وأصدقائه في رحلة الى الهور، عقب إعلان الإدراج على لائحة يونسكو ، ليدخلها منتصرا ، وهو شعور غامر جميع العراقيين، وأعاد لهم الثقة في انفسهم.

 


شارك الخبر

  • 80  
  • 0  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 1  
    •   4
  • (1) - حسين منشد
    04/09/2016 10:55:54

    تحياتي للجميع....... ماهية الجدوى الاقتصادية الفعلية للاهوار ؟ سأتكلم على شكل نقاط ، 1- الاهوار يستفاد مجموعة من العراقيين عاشوا فيها وتعودوا طبيعتها. 2- منخفضات كبيرة جدا وتحتاج الى كميات موهوله من المياه. مع عدم وفرة المياه حاليا بسبب تركيا وسدودها وسياستها المعروفه ضد العراق. 3-عطش محافظة البصرة وحاجتها الماسة لماء الشرب والاحرى ان توجه مياه التي تدخل الاهوار للبصرة. 4- عدم توفر الامكانية المادية والافكار لتحويل الاهوار الى فينيسيا الشرق ، وماشاء الله عدنه موظفين بس يحصل على التعيين يستلم ميز ) ويبند) فهم بطالة مقنعة. 5- مع حاجة لمحافظات اخرى كثيرة لمياه الاهوار. أما بالنسبة لوزارة الموارد المائية..... في محافظة كركوك مثلا فتحتاج الى: 1-موظفين أكثر نشاطا وتفاني في العمل خاصة في أعمال صيانة الاعطال التي تحدث في مشروع ري كركوك العملاق. 2-التقليل من عملية)(كتابنا المرقم وكتابكم المرقم ) والنزول الى العمل المباشر بدل احالة الاعمال الى مقاولين لاتراعى في اعمالهم الجودة والامانة. 3-كشف عام على كل منشأت المشروع ، والبدء بالصيانة للمتضرر منها. والغاء كلمة تعال باجر أو الاحد القادم.... 4-تغريم وسجن المتجاوزين على الحصص المائية وعدم محابات احد والقسوة مع المخالفين. 5-هناك محطات ري بالرش متوقفه او عاطله. ضرورة التعاقد مع الشركة الاصلية التي شيدتها والعودة لاعمارها بدل الاعمار الذي حدث من احد المقاولين. هذه المحطات ذات مساحات زراعية كبيرة وانتاجها عالي جدا. 6- هذه الاسباب. نقولها ليس من باب التشكي ضد احد بل من باب الحرص والخوف على ممتلكات الدولة وادامتها. في النهاية. تمنياتي للسيد الوزير. بالموفقية.



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •