2016/09/29 14:50
  • عدد القراءات 2697
  • القسم : وجهات نظر

الدكتور خزعل الماجدي في محاضرته: العراق الجمهوري .. تدمير الدولة الحديثة

بغداد/ المسلة: قدم الدكتور خزعل الماجدي في لاهاي بهولندا، في خلال هذا الاسبوع، ضمن فعالية ثقافية حضرتها "المسلة" بحثا عن  وحدة وتنوع حضارات العراق، وكانت بعنوان (العراق الجمهوري (1958-2016) : تدمير الدولة العراقية الحديثة )، وحضرت “المسلة” المحاضرة التي أقيمت في النادي الثقافي المندائي.

وقال الماجدي في تصريح خاص لـ”المسلة”، إن “ المحاضرة إنقسمت إلـي قسمين أساسيين وإن القسم الأول تناول تاريخ العراق الجمهوري من فترة ١٩٥٨ إلى غاية ٢٠١٦”.

وأضاف أن “ القسم الثاني تطرق إلى مظاهر التحضر والتدمير في العراق الجمهوري في الجوانب السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية”.

  “المسلة” تنشر محاضرة البحث كاملة.

الدكتور خزعل الماجدي في محاضرته ال26 :

العراق الجمهوري (1958-2016) : تدمير الدولة العراقية الحديثة

 

القسم الأول : تاريخ العراق الجمهوري 

(1958 – 2016 ) ( الأحداث ، المنجزات ، التدمير (

ابتدأ المحاضر ، أولاً ، بعرض منهجه في البحث العلمي لهذه الحقبة التاريخية وقال أنه يستند إلى معايير علمية دولية  تسمى إجمالاً مؤشر الدول الهشة (سابقاً مؤشر الدول الفاشلة) وهو التقرير السنوي الصادر عن( صندوق السلام ومجلة فورين بوليسي في الولايات المتحدة منذ سنة 2005). وتضم القائمة الدول ذات السيادة في الأمم المتحدة فقط ، ويستند التصنيف على مجموع الدرجات إلى 12 مؤشر. بالنسبة لكل مؤشر، يتم وضع تصنيفات على مقياس من 0 إلى 10، و 0 يدل على (الأكثر إستقراراً) و 10 تعني (اللامستقرة). النتيجة الإجمالية هي مجموع 12 مؤشر وهي على مقياس من 0-120.أما المؤشرات ال12 فهي ( الإجتماعية : الضغوط الديموغرافية ، الحركة الكبيرة للاجئين والمشردين ، هجرة الأدمغة . الإقتصادية : التنمية الإقتصادية غير المتوازنة ، التدهور الإقتصادي . السياسية ، تحريم أو نزع الشرعية للدولة ، التدهور التدريجي للخدمات العامة ، الإنتهاك الواسع لحقوق الإنسان ، الأجهزة الأمنية تظهر كدولة داخل الدولة ، صعود النخب المنقسمة ، تدخل الدول الأجنبية بالدولة ). وأحصى الموشروضع الدولة العراقية واستنتج  أنها  كانت تتعرض للتدمير المتسارع تدريجيا حتى حصلت في السنوات العشر الأخيرة على لقب أسوأ دولة في العالم مع بضعة دول قليلة أخرى. 

تحدث المحاضر وقال أن العراق الحيث حكمه (3ملوك 37 سنة ، 7 رؤساء جمهورية 58 سنة)، ورأى أن فترة العراق الجمهوري تنقسم إلى أربع فترات أو أربع جمهوريات وهي :

1.الجمهورية الأولى (اليسارية ): رئيسها محمد نجيب الربيعي ، رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم

2.الجمهورية الثانية ( القومية ) : عبد السلام عارف ، عبد الرحمن عارف 

3.الجمهورية الثالثة ( البعثية ) : أحمد حسن البكر ، صدام حسين 

4.الجمهورية الرابعة (الإسلامية ) : غازي الياور، جلال الطلباني، فؤاد معصوم ، رئاسة الوزراء: مجلس الحكم 12، أياد علاوي، إبراهيم الجعفري ، نوري المالكي ، حيدرالعبادي.

1.الجمهورية الأولى (اليسارية 1958 - 1963 ): رأى المحاضر أن الجمهورية الأولى حققت إنجازات نوعية لكنها لم تستثمر نتائجها  ولم تطورها ، وقد ساهمت  الخلافات بين زعمائها ببداية تدمير الدولة العراقية . ودمرت مركزية الحكم فيها المنجزات السياسية النوعية للنظام الملكي ولم تضع بدائل لها مثل البرلمان وقانون الأحزاب وتعددها  وحرية الرأي وتعدد منابر الإعلام . 

تميز حكمها بوطنية الدولة وعدم تبعيتها وبنزاهة الحكم وتعففه وانعدام الفساد ، فقد كان عبد الكريم قاسم ومازال أنزه شخصية حكمت العراق في كل تاريخه ، وأكثرهم ابتعاداً عن أي انتماءٍ طائفيّ أو عرقيّ أو إثني أو عشائريّ ، ولذلك التفت حوله الكفاءات الوطنية بقوة وناصرت مشروعه السياسيّ ، لكنه للأسف أبقى الدولة عسكرية الطابع ولم يحولها إلى دولةٍ مدنية  في الوقت الذي لم يكن فيه مضطراً للبس بزته العسكرية وكان بإمكانه أن يتخطى ذلك ويُبعد عنه شبهات التفرد بالحكم خصوصاً أنه لم يفكر بإجراء انتخابات أو  بترك منصبه لغيره بعد خمس سنوات من الحكم . ومن أخطائه القاتلة  إصراره على موضوع  تبعية الكويت للعراق وانزلاقه نحو بوادر التوتر وخروجه ، بسبب ذلك ، من عضوية جامعة الدول العربية مما زاد في عزلته عن المحيط العربيّ .

بقيت علاقته بقادة الأكراد غير قوية ولم تحل المشكلة الكردية وكذلك بقيت علاقته بالمراجع الشيعية ضعيفة خصوصاً بعد صدور قانون الاحوال المدنية الذي ساوى المرأة بالرجل في الإرث. وساءت علاقته بأعضاء تنظيم الضباط الوطنيين الذين لم يسلموا من الاعتقال والتحقيق والإهانة وتلفيق التهم. ومال لجهة أو حزب على حساب الآخر رغم أنه لم يكن عضوا في أي تنظيم أو حزب بعينه ويستشهدون بإيعازه أو فسح المجال لميليشيات المقاومة الشعبية بحدوث عمليات اعتداء وقتل . 

التأسيس للعنف السياسي الإجتماعي وبروز ظاهرة التحزب المتطرف وهو ما أدى لانقسام الشعب على نفسه وهيأ الظرف لردات الفعل والإنتقام، و عدم استثمار فرصة التحول من نظام ملكي الى نظام جمهوري  

 للبدء بعصر اجتماعي جديد كان فيه الشعب متهيئا لقبول الاصلاحات المتدرجة النامية وقمع الجانب الثوري الذي يشعل المراحل ويحتمي بالشعارات والخطب الرنانة، ورغم عمله العظيم في اسكان فقراء بغداد وبناء مدينة الثورة لكن خطوة أخرى كان يجب أن ترافق ذلك وهي تأهيل الفقراء اجتماعياً عن طريق التعليم الواسع والمدروس بعد اسكانهم. أما المنجزات الاقتصادية فقد كانت كبيرةمثل قانون الإصلاح الزراعي الذي قضى على الإقطاع لكنه لم يشترط على الفلاحين زيادة الإنتاج الزراعي الذي بدأ بالتراجع تدريجياً ، وفشلت أغلب الإجراءات الإقتصادية الأخرى تدريجيا مع الزمن بسبب التركيز على الإشتراكية وبسبب عدم بناء قطاع خاص قويّ ، ومنع  اقتصاد السوق الحر والمفتوح.

2.الجمهورية الثانية ( القومية 1963- 1968 ) : وهي فترة حكم الأخوين عارف التي بدأت بداية دموية في 8 شباط على يد البعثيين والحرس القومي وكانت فاتحة لخراب وتدمير كبير للدولة العراقية  التي جعلها عبد السلام عارف ضعيفة وتابعة لمصر بسبب ميوله الناصرية ، ولم يكن عبد الرحمن عارف قوياً لكي يبني دولة عصرية مستقلة رغم أن فترة حكمه شهدت هدوءاً نسبياً أتاح للمجتمع نوعاً من الإستقرار السياسي وعدم الإحتراب الداخلي لكنها كانت مرحلة خاوية اقتصادياً رغم  ظهور حملة إعمار العراق التي ركزت على القطاع العام فقط وقامت بتأميم عدد من الصناعات والشركات الأجنبية والضخمة دون إدامتها لاحقاً ، وفي هذه الحقبة بني الجسر المعلق وافتتح عام 1965 ، وتأسست منظمة أوبك في بغداد في العام ذاته ،  وبرغم الدعايات التي انتشرت عن رئيس الوزراء طاهر يحيى حول فساده ونهبه للمال العام لكن الزمن لم يثبت ذلك .

وفي الجانب التربوي والتعليمي  بدأت خطوات التعريب الأولى في المؤسسات والجامعات  من خلال المجمع العلمي العراقي ، وتأسست الجامعة  المستنصرية وجامعة الحكمة والجامعة التكنولوجية وحافظ التعليم على مستواة الجيد في العراق .

أما في الجانب الثقافي فلم تكن هناك خطوات ثقافية واسعة رغم بغض الظواهر البسيطة مثل تأسيس وكالة الأنباء العراقية  وتأسيس استوديوهات الفديو في التلفزيون العراقي وافتتاح قاعة المعرض الوطني للفنون في ساحة الطيران ودعم الفرق المسرحية والتمثيلية .

وبقي الجانب السياسي هشّاً بسبب ماخربه البعثيون وعبد السلام عارف ولم تنشأ حلول سياسية للقوى الوطنية وحوارها ولا للمسألة الكردية  وظلت الكثير من المشكلات السياسية عالقة .

3.الجمهورية الثالثة ( البعثية 1968-2003 ) : عاد البعثيون للسلطة بقيادة أحمد حسن البكر ، وكان صدام حسين مسؤولاً عن أجهزة الأمن الحزبية ومساعداً له  ثم برز دوره بوضوح منذ منتصف عام 1970 ، ولكي  يمسح البعث صورته القاتمة التي رسمها في 1963 قام بمجموعة كبيرة من الإصلاحات والقرارات مثل  اتفاق 11 آذار في الحكم الذاتي للأكراد وقيام الجبهة الوطنية والتقدمية وتأميم النفط ومشروع عودة الكفاءات ومشروع الخط السريع وغيرها .. وكانت مرحلة أحمد حسن البكر قد شهدت مثل هذه الإنجازات وسادت تفاهمات جديدة في السياسة والمجتمع جعلت التفاؤل ممكناً بعد خراب 10 سنوات جمهورية  مدمرة ، لكن استلام صدام حسين للسلطة  عام 1979 كان بمثابة بداية انهيار جديد فقد افتتح عهده بمجزرة دموية لأكثر من خمسين من قيادة حزب البعث كانوا ممتعظين من استلامه للسلطة وقام بجعل البكر تحت الاقامة الجبرية ، وبعد عام دخل العراق في واحدة من أطول حروب القرن العشرين وهي الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات تعرض فيها المجتمع العراقي للدمار والخراب وترك الناس والعمال والموظفون مهنهم من أجل الحرب وحلّ محلهم العمال والمزارعون المصريون بشكل خاص ، ونشأت الشخصية المحاربة والعنيفة والقاسية للفرد العراقي ، وبدت كل المنجزات وكأن لاقيمة لها  في ظل الحرب، وما ان انتهت هذه الحرب حتى قام صدام حسين بغزو الكويت  تحطم بعدها الجيش العراقي الذي خرج قوياً بعد الحرب وتمزق بالضربات التي قادتها اميركا وقوى التحالف الغربي والعربي ضد العراق  من اجل استعادة الكويت ، وتمزق المجتمع  العراقي اقتصاديا في ظل الحصار الذي دام 13 عاماً وتغيرت الشخصية العراقية تحت ذل وهوان الحاجة وهاجرت الكفاءات وترسخت الدكتاتورية وازداد المجتمع العراقيّ عسكرةً وتحزباً .

لم يكن هناك منجز سياسي يمكن الحديث عنه في ظل هذه الظروف  فقد ابتعدت كل الحلول ونال الأكراد استقلالاً نسبياً وفرته لهم قرارات الأمم المتحدة بمنع الطيران الحربي العراقي في خطوط العرض المحددة، أما الإقتصاد العراقيّ فقد تحطم كليّاً وظهر الكساد وانهارت العملة العراقية  واختفت فرص العمل  لشعب كان جائعاً وخارجاً من حروب استمرت طويلاً، وهكذا نال الدولة العراقية أكبر تلف في تاريخها فضلاً عن تغير طبيعة المجتمع العراقي وتحوله نحو العنف والفساد ، وهبوط التعليم في العراق منذ منتصف السبعينات ووصوله لمستوىً خطير من التدني وهجرة الكفاءات العراقية .

4.الجمهورية الرابعة (الإسلامية 2003- 2016 ) : حكم فيها الرؤساء غازي الياور، جلال الطلباني، فؤاد معصوم ،وكان نظام الحكم يدار من قبل  رئاسة الوزراء: مجلس الحكم 12، أياد علاوي، إبراهيم الجعفري ، نوري المالكي ، حيدرالعبادي.

التراجيديا التي أوصلت النظام السابق لغزو الأمريكان للعراق  معروفة للجميع ، ومعروف أيضاً أن جميع أحزاب المعارضة العراقية استلمت  العراق من الغزاة ولم يكن لهم جهد في إسقاط النظام ، وحين بدأ مجلس الحكم ، تحت سلطة الإحتلال ، بدأت تظهر ملامح النظام الجديد ، ويمكننا أن نلخصها في الحقل  السياسي  بما يلي:

1.الديمقراطية في بلد متخلف حطمته الحروب والحكومات العسكرية والحزبية تتحول من مسؤولية حضارية إلى الفوضى ،وهو ماحصل في العراق مابعد 2003 والى الان. 

2.ضعف التيار العلماني و المدني وسيادة الأحزاب الدينية الطائفية (الإسلام السياسي)

النظام الفيدرالي زاد في تمزيق العراق وفقدان سيادته، وهو أمر مبكر يشبه الديمقراطية المبكرة الفاشلة. 3.

. 4.الثغرات التي في الدستور صارت منفذاً لتسلل الأخطاء السياسية وشرعنتها

. 5.سيادة الفساد السياسي وانهيار صورة العراق الموحد المتجانس القوي

أما في الجانب الإجتماعيّ فكان هناك :

.1.الإنقسام الديني بين المسلمين وغيرهم واضطهاد وتهجير المسيحيين والإيزيديين والمندائيين وغيرهم

. الأنقسام الطائفي بين المسلمين وسيادة لغة القتل والتدمير والشقاق .2

3.الإنقسام القومي بين العرب والاكراد  واستغلال الاكراد ضعف العرب بسبب انقاسامهم الطائفي والاستحواذ على محافظات ومناطق متنازع عليها فضلاً عن الثروات..

4.اتضاح هشاشة التكوين المجتمعي العراقي وعدم بنائه على اسس علمية وعملية  وظهور الخلافات المخبأة والتي طمرتها التصالحات الشكلية وعدم ايجاد الحلول المجتمعية لها 

التمسك بالقومية والطائفة والعشيرة دليل على انهيار البناء المجتمعي. 5.

6.يروز الظواهر الاجتماعية المريضة كاللصوصية والجريمة والتعصب والعنف والفساد.

أما في المجال الإقتصادي فرأى المحاضر أنه اتّسم بمايلي:

1.عدم وجود خطط اقتصادية للنهوض بالبلاد من حالها المتردي.

2.الفساد المستشري في البلاد والحكومة والمجتمع من أعلى قمتها الى أسفل مكوناتها يوضح أن الشعب العراقي ميؤوس تماما من نهضته الاقتصادية. 

3.الاعتماد على الاقتصاد الريعي من خلال بيع النفط وضمور نشاطات الزراعة والصناعة والإنتاج المحلي والقطاع الخاص بشكل مريع لم يحصل سابقاً مايشابهه .

4.التجارة الزائفة والدورة الهزيلة للبيع والشراء من خلال وسطاء ، والاستيراد المدمر من مناشيء رديئة وفاسدة كالصين وتايوان و.. الخ.

5.خواءالعمل والعمل الوظيفي وعدم جدواه (يبين الإحصاء الدولي للعمل  ان الموظف العراقي يعمل جدياً  6 دقائق في اليوم الواحد). 

ومعروف أن العراق بعد 2003 أصبح في أدنى مستويات شعوب ودول العالم في التعليم ولم يعد يدخل أصلاً في القوائم الدولية لمستويات التعليم ، وقد أصبح العراق في إحصائيات الدول الفاشلة أحد أكبر الدول الفاشلة في العالم .

هذه هي الحصيلة إذن ، يقول المحاضر الماجدي، وصلنا الى نهاية المشهد التراجيدي لتدمير الدولة العراقية ، فقد بدأ  التدمير مع الجمهورية الأولى قليلاً ولكنه كان سبب احتراب وتقسيم أعطب البلاد ثم كبر التدمير مع الجمهورية الثانية وفي الجمهورية الثالثة انتابت الدولة العراقية والمجتمع العراقي أكبر مظاهر التدمير والخراب وأصبحت الدولة بيد فردٍ وعائلةٍ ، وفي الجمهورية الرابعة اجتاح التدمير كل مرافق الحياة وتحطمت الدولة والسيادة كليّا وانقسم المجتمع ودخل في نفق مظلم يصعب الخروج منه .

القسم الثاني : مظاهر التحضر والتدمير في العراق الجمهوري(1958- 2016)  من خلال الجوانب (السياسية، الإجتماعية ،الإقتصادية، الثقافية )

كانت مظاهر التدمير تمضي بوتيرة أسرع بكثير من وتيرة مظاهر التحضر ، وانتصرت أخيراً وماعاد أي مظهرٍ حضاري واضحاً في بحر الأخطاء والإنهيارات الشاملة .وقد رصد المحاضر مجموعةً من مظاهر التدمير خلال العصر الجمهوري كله بين (1958- 2016) ، ففي المظهر السياسي وجد مايلي :

1.طغيان النشاط السياسي على النشاطات الأخرى وبدت السياسة والأحزاب وكأنها المفتاح السحري للحل في حين أنها كانت سبب الخراب الأول بسبب راديكاليتها واتسامها بالتطرف والغلوّ والتحزب والعنف واقصاء الآخر. وكان الأجدر من ذلك التركيز على النشاط الإقتصادي للشعب واعطائه الفرص في تنمية واسعة ، وكذلك الإهتمام بالعلم والتعليم والعمل.

2.الطابع العام للسياسة خلال ال 44 سنة الجمهورية هو الطابع الثوري ، وهو من وجهة نظرنا طابع أصوليّ راديكالي ، كل طرفٍ فيه يؤمن أنه من يمتلك الحقيقة ، والآخرون  جميعاً فاشلون ولايمتلكون شيئاً من الحقيقة .

3. تدمير الدستور وحرية الأحزاب والقانون ومعالجة المعارضين بالموت والسجن والتعذيب والتشريد.

4.تخريب وتدمير مفهوم الوطنية الذي كان يجب ان يكون عاملاً يشترك في الجميع .

5. الإعلاء من شأن الشعارات والوطنيات والعمل بالضد منها على أرض الواقع فلا الوحدة تحققت بل تشظى الوطن نفسه ولا الحرية كانت بل الديكتاتورية والقمع ولا الإشتراكية حصلت بل فوضى التملك واعتباطيته ولا الشعب كان سعيد ولا أحزابه ولا العروبة صانت نفسها أو صانت من عاش معها ولأجلها.

6. التعكز الدائم على فكرة المؤامرة الداخلية والخارجية والاستمرار بالكذب وتحطيم الاخرين تحت هذا الستار.

7. تدمير  مفهوم الدولة وتحطيم مؤسساتها  واحلال مفهوم الحكومة محلها والتي تماهت مع الدولة ودمرتها بسبب الصراع الحكومي المحتدم داخل كل جمهورية وبين الجمهوريات الأربع.

 

أما في المظهر الإجتماعي فقد توصل الى :

1.المجتمع الذي تكون بشكل أوليّ في النظام الملكي تفكك وعاد لطوائفه وعناصره القومية وعشائره .

2.المجتمع العراقي شريك حكامه وزعمائه في تدمير نفسه بسبب الولاءات الثورية التي كان ومازال المجتمع العراقي يميل لها .

3. الغياب المطلق للتخطيط المجتمعي والاعتماد على الهبّات والنخوات والصحوات وغيرها من المفاهيم القلقة والعابرة .

4.الازدواجية المثلثة للفرد العراقي بين البداوة والريف والمدينة ومحاولة جمعها في شخصية واحدة ، والإزدواجية المثلثلة بين الدين والعلم والفولكلور في شخصية واحدة وعدم تنظيف الشخصية من تناقضاتها الصارخة جعل من المجتمع العراقي سريع العطب والتكسّر والتشظي .

 

وفي الجانب الإقتصادي رأى المحاضر أن مظاهر التدمير هي :

1.مال الإقتصاد العراقي ، بشكل عام ، للنمط الإشتراكي الذي حذته  دول العالم الثالث بمختلف مسمياته ، و لم يأخذ بالرعاية التدريجية للنمط الرأسمالي في أن طريقه إلى الدولة والمجتمع ، واذا علمنا ان النمط الاشتراكي قد تحطم في منشأه (الإتحاد السوفييتي ) فماذا ستكون نتائجه في التجارب الفرعية الصغيرة !!

2. تدمير القطاع الخاص في الصناعة والتجارة وعدم تشجيعيه تحت حجج البرجوازية وعدم الثقة به وغيرها .

3.كان قانون الاصلاح الزراعي جيداً من حيث المبدأ لكنه لم تتم السيطرة على الاقتصاد الزراعي ليحافظ على مستوى ونوع  انتاجه بعد القضاء على الإقطاع فهبطت الزراعة في العراق تدريجياً حتى وصلنا عام 1973 حين استورد العراق الحاصلات الزراعية بينما كان مصدراً لها في العصر الملكي.

4.اتجاه العراق بقوة نحو الاقتصاد الريعي من خلال انتاج النفط واعتماد ميزانيته عليه بنسبة 95% .. أي انه تحول الى مجرد دكان لبيع النفط ولم تنمو الاستثمارات الإخرى فيه.

5. سحق وتدمير العقول الاقتصادية التي حاولت ان تشيع مبدأ الإقتصاد الآخر واضطرارها للهجرة .

6. لم يكن هناك اقتصاد حرّ في العراق ولم هناك اقتصاد السوق أو تنوع المشارب الاقتصادية .

7. الفساد الاقتصادي الذي بدأ مع صدام حسين ( المكرمات والهبات والعطايا وحصة كولبنكيان في النفط المؤمم)  ووصل إلى اعتبار العراق أحد أكبر دول الفساد في العالم الآن .

8. انهيار مستوى العمل العام والحكومي في الدولة وشيوع البطالة المقنعة والعمل الوهمي والفضائيين وسيطرة الأحزاب على المال العام .

وفي المظهر الديني رأى مايلي:

1.ظلت قيم التسامح الديني في العراق سائدة نسبياً بين الأديان المختلفة حتى 2003 لكن ظهور القاعدة وداعش في العراق أحدثا شرخاً كبيرا في هذا التسامح والتعايش ونال منه بشكل خاص الإيزيديين ثم المسيحيين وبقية الأديان القليلة العدد .

2. كان التأجيج الطائفي دفيناً في عصر الجمهورية الأولى ثم تصاعد مع الجمهورية الثانية بسبب شخصية عبد السلام المتدينة الطائفية نسبياً ثم ظهر مع عصر صدام بنسب مختلفة دون أن يأخذ صراعاً مجتمعياً حاداً واشتعل الوضع الطائفي مع الجمهورية الاسلامية الرابعة وطهور الاسلام السياسي والقاعدة وداعش.

3. هيمنت القيم الاسلامية الدفينة على الشخصية العراقية ولم تسمح لها بالنمو المدني الحر والتعبير عن شخصيتها في العصر الجمهوري والأمر مازال قابلاً للتوسع والامتداد .

4. ربطت القيم الدينية الشعب العراقي بمعسكرين طائفيين كبيرين خارجيين هما السعودية وأيران ، وقلل هذا من الشخصية الوطنية العراقية . 

أما الجانب العلمي والتعليمي والتربوي فقد توصل إلى : 

1.حافظ نمو المستوى العلمي والتربوي والتعليمي على وتيرة نموه البطيئة ( ولكن المثمرة ) منذ العصر الملكي وحتى السبعينات حين دخلت الأديولوجيا على التعليم العالي ثم التعليم الثانوي والدراسات العليا ، فقد كان لقرار التعريب وتسييس التعليم  اثرهما السيء وكان لاحتكار حزب البعث ساحة التعليم  واغلاق الكليات سياسياً ، وعدم تجديد المناهج أثره الكبير في تدهور التعليم .

2. التوجيه السياسي للعلم اضعف من حركته وجعله رهين المسؤليين السياسيين والحزبيين .

3. ضعف حركة البحث العلمي ودورياته وعدم ربطه بالبحث العلمي في العالم .

4. التركيز على التصنيع العسكري واهمال التصنيع المدني أوجد ثغرة كبيرة في ربط حركة العلم والتكنولوجيا بحركة المجتمع .

5. وجود مايقرب من ربع مليون من حملة الشهادات العليا  لايعني ازدهارا للعلم بل يعني المزيد من البطالة المقنعة بواسطة العلم لأن مهنة التدريس الجامعي لاتعني التقدم بالعلم بل تعني جيوشاً من حملة الشهادات العليا بلا وظائف مما اضطر حملتها الرحيل خارج العراق وممارسة مهنة التعليم في بعض الدول العربية . 

 

ورأى المحاضر أن الأخلاق والقيم العراقية مبنية أساسا على أسس ثلاثة هي الدين والقومية والعشيرة.ولم تنبني قيم واخلاق مدنية رصينة بسبب قصر الفترة الزمنية التي حاول فيها المجتمع العراقي تشكيل نفسه من جديد وعدم رسوخ قيم المدينة .

2. تعرضت الأخلاق والقيم العراقية الى تصدعات كبيرة سببتها الأحزاب والطوائف ، وأصابها تبدل نوعيّ منذ الحصار (1990- 3003) لتدخل بعدها في النفق الطائفي الذي دمرها.

3. الجانب المدني من الأخلاق والقيم ضعيف وهش وقابل للكسر بسرعة بسبب عدم بناء مجتمع مدنيّ.

وأفاض في تحليل المظاهر الثقافية فقد ناقش جوانب (الفكر والأدب والعمارة والفن التشكيليّ والغناء والموسيقى والمسرح والسينما )  ورأى مايلي : 

الفكر : لم ينتج العراق مفكرين متميزين طيلة العصر الجمهوري ، قياساً لما حصل في العالم أو حتى بعض الدول العربية المعروفة في هذا المجال . 

1.ضعف التقدم في مجال الفكر بسبب المناخ الثوري للمرحلة الجمهورية والتي لاتصنعُ مفكرين بل تصنع عقائديين يصعب نموهم الفكري في ظل متحولات العالم الفكرية الكبيرة منذ ستينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا .

3.لاوجود للمفكر الحر العميق والمؤثر لأنه سيكون منبوذاً ومحاربا من المفكريين العقائديين ومن المجتمع المسيس الذي لايبحث عن الحقيقة بل يبحث عن مايرضي انتماءه العقائدي.

4. الخوف من الدخول في البحث في مجالات ثلاثة هي (الدين ، السياسة ، الجنس) سميت بالمثلث المحرم وهذا يتناقض مع البحث العلمي الرصين .

الأدب: نشط الأدب نوعياً واستطاعت النخب المهنية والمحترفة في الشعر والسرد والنقد والتأليف المسرحي أن تنتج متوناً أدبية جيدة حتى نهاية السبعينات ثم حصلت الانتكاسة برحيل اغلب هؤلاء قبل وبعد السبعينات لشعورهم بما ينتظرهم من تسيس ومضايقة ، واستطاعت بعض النخب المتبقية ان تُبقي على الوهج القليل المستمر لكنها رحلت هي الاخرى ، وانقسم الأدب العراقي الى أدب الداخل والخارج .وقد ابتلى الأدب بالتسيس في كل المراحل ثم ظهر ادب التملق للسلطة وأدب المديح وهي وصمات سوداء في الادب العراقي الحديث، وفي الاونة الأخيرة تراجعت فاعلية الأدب ونوعيته ولم يعد العراق في طليعة دول المنطقة في الانتاج الأدبي رغم المحاولات القليلة المضيئة.

العمارة: 

1.كان بالإمكان نمو عمارة عراقية (بغدادية وبصرية وموصلية إلخ.. ) بشكل خاص ومازلنا نلمحها في الشناشيل وفي عمارة شارع الرشيد وغيرها ، لكن (العمارة العشوائية) في العصر الجمهوري تسيدت على المعمار العام ، رغم ظهور قيم معمارية جيدة ومعماريين كبار بعد 1958 .

2. لم تتبن الدولة العراقية سبل تأسيس وإشاعة عمارة عراقية حديثة خاصة رغم وجودها.

 

الفن التشكيلي:

1.الفن الحديث تأسس في الاربعينات والخمسينات ، وفي الستينات ظلت جذوته   مشتعلة وظهرت أسماء ومدارس وبيانات نوعية منها (الرؤيا الجديدة، البيان التاملي ، المجددون).ورسامون ونحاتون  كبار مثل جواد سليم وفائق حسن واسماعيل فتاح الترك وكاظم حيدر ونوري الراوي .. ومحمد مهر الدين وعلي طالب ...الخ

2.بدأ تدهور االفن التشكيلي حين ظهرت الأديولوجيا السياسية التي كانت تريد فناً يخدم شعاراتها.. وتجلى هذا مع ما سمي بمعرض الحزب السنوية ومحاولات بعضهم لأدلجة الفن التشكيلي ، لكن الفنانين العراقيين ظلوا بصفة عامة بعيدين عن مثل هذه الأمور .

2. لم تظهر مؤسسات فنية كبيرة تتبنى نهضة شاملة بالفن التشكيلي العراقي الذي كان احد أهم اركان الابداع العراقي الحديث، ونشط التشكيليون في تكوين قاعاتهم الخاصة.

3. هجرة التشكيلين خارج العراق بشكل لافت منذ نهاية السبعينات اعطت صورة عن اهمالهم وتهميشهم .

4. ظهور أجيال عقدية للفن العراقي بفعل نشاط خاص واضطرارهم لعدم اكمال مشاوريهم او رحيلهم خارج العراق.

الغناء والموسيقى :

1.تأسست  الأغنية العراقية في العهد الملكي على يد الفنانيين اليهود بشكل خاص ، وفي الستينات ظهر لون خاص باغنية المدينة من تأسيس فنانين عراقيين مثل ناظم الغزالي ، رضا علي ، زهور حسين فاروق هلال غادة سالم ، مائدة نزهت ، احلام وهبي .. وغيرهم.

2.الاغنية السبعينية تأسست على يد كبار هم : حسين نعمة ، ياس خضر، فؤاد سالم ، فاضل عواد ، سعدون جابر . وكان الملحن طالب القرغلي ، محسن فرحان ، وغيرهم معهم وطابعها الدمج بين اغاني المدينة والريف .

3. الاغنية الثمانينية : طابعها حربي  خرج منها بسلام كاظم الساهر كمعبر عن هذا العقد بامتياز.

4. الاغنية التسعينية : شهدت هبوطاً واضحا وتردياً تخلص منه  رياض احمد وكريم منصور بشكل خاص.

5. اغنية المرحلة الحالية : هبوط شامل  وضياع الملامح والتهريج وصبغة الملاهي .

المسرح :

1.في الستينات بدأت ملامح المسرح بالوضوح تمثيلاُ وبقي الإخراج والتأليف المسرحي 

ضعيفاً.

2.ومع أواخر الستينات ومطلع السبعينات من القرن العشرين عادت إلى بغداد مجموعة من خريجي المعاهد المسرحية العليا في غربي أوربا وشرقيها. وكان من أبرز وجوهها قاسم محمد وصلاح القصب وابراهيم جلال وفاضل خليل وعقيل مهدي وغيرهم وتوجه معظم الفنانين لمعالجة الواقع الإجتماعي والسياسي. وفي السبعينات تبلورت شخصية المسرح العراقي بوضوح شديد وازدهر الإخراج والتمثيل .

3.في الثمانينات ظهرت اجيال من المخرجين والممثلين وتعثرالمسرح الرصين  قليلاً  في ظل الحرب.

4.في التسعينات استمر الازدهار رغم ظروف الحصار وظهرا اعمال كثيرة وفاز بجوائز عربية كثيرة .

5. بعد 2003 تعرض المسرح لانتكاسة كبيرة بسبب الموقف الديني منه .

السينما: 

1.السينما العراقية خضعت بقوة للقهر السياسي والتوجيه الأديولوجي في أغلب مراحلها .

2.احتكار القطاع العام للسينما منذ منتصف الستينات ساهم في تدمير القطاع الخاص والسبب هو الخوف من انتاج افلام تتحدث بجرأة عن احوال العراق السياسية والإجتماعية .

3. السينما صناعة قبل ان تكون فناً والصناعة في العراق فاشلة بكل معنى الكلمة .

4. الافلام العراقية لم تعبر عن العمق الحضاري للعراق بل خاضت في مشاكل ثانوية سريعة ومباشرة .

على مدى حوالي 100  سلايد ضوئي عرض الدكتور خزعل الماجدي محاضرته وحشدها بالكثير من المعلومات والصور المناسبة  ،استمرت المحاضرة حوالي ثلاث ساعات  ثم أعلن عن  المحاضرة القادمة  والتي ستكون (الفولكلور العراقي وأثره في بناء الشخصية والهوية العراقية ) في  شهر تشرين الثاني من عام 2016 .


شارك الخبر

  • 6  
  • 1  

( 2)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   2
  • (1) - سلام الحبوبي
    9/30/2016 9:27:50 PM

    دراسة تحليلية ممتازة من لدن دكتور قدير شخصياً لم اعش فترة العصر الملكي لكني سمعت من أناس عاصروا تلك الحقبة انها كانت أفضل والعراقي فيها محترم سواء داخل أو خارج البلاد. توسمت خيرا بالشريف علي بن الحسين بعد 2003 ولكن واصح أن هناك موجة عالية ولا مجال لذوي النيات الحسنة. تحياتي للجميع



    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   2
  • (2) - سلام الحبوبي
    9/30/2016 9:49:16 PM

    دراسة تحليلية ممتازة من لدن دكتور قدير شخصياً لم اعش فترة العصر الملكي لكني سمعت من أناس عاصروا تلك الحقبة انها كانت أفضل والعراقي فيها محترم سواء داخل أو خارج البلاد. توسمت خيرا بالشريف علي بن الحسين بعد 2003 ولكن واصح أن هناك موجة عالية ولا مجال لذوي النيات الحسنة. تحياتي للجميع



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •