2016/11/11 18:51
  • عدد القراءات 2480
  • القسم : المواطن الصحفي

العبادي.. الحكمة والحنكة

بغداد/المسلة: كتب طاهر المؤمن الى زاوية "المواطن الصحافي" مقالا، تنشره "المسلة" كما ورد:

كنت واحدا من القلائل المتفائلين بتولي الدكتور حيدر العبادي رئاسة الحكومة في نهاية صيف 2014، وهي سنة لا تُنسى ولا تُمحى من ذاكرة العراقيين والمنطقة بل والعالم، حيث نكسة حزيرانها وابتلاع (بضعة مئات) من الدواعش لأكثر من ثلث مساحة العراق في غضون 48 ساعة، واحتلال نينوى بكاملها وصلاح الدين بأقضيتها ونواحيها ومساحات من كركوك وديالى وكل محافظة الانبار باستثناء المجمع الحكومي في مركز المحافظة ! فضلاً عن مناطق في جنوب بغداد وشمالها وغربها، مضافاً الى جرف الصخر (الخاصرة المتسرطنة) والحصن العتيد للارهاب منذ سنوات عديدة !..

 العبادي استلم الحكم على خلفية تركة ثقيلة، قولا صحيحاً بكل المعايير، إذ كان العراق ينوء ويترنح بكل ثقل الأزمات المختلفة.

كان التشاؤم يلف الجميع، والتقاطع والتصارع السياسي في اعلى مستوياته، وشوارع المدن الخارجة عن سيطرة داعش تعج بالسلاح بمختلف صنوفه من بغداد الى أقصى الجنوب ! ولم يكن ثمة أمل في عراق موحد شبه مستقر، والتحدي كان تحدي وجود وبقاء، وكل ما في جعبة العراقيين - خاصة الوسط والجنوب - هو الدفاع عن النفس والعرض والأرض، بالمعنى الذي يمنع سقوط بغداد ومدن الجنوب ليس الا !.. وكان لكل هذه المخاوف مبرراتها.

في هذه الصورة المعتمة كلياً، أمنياً، سياسياً، اقتصاديا واجتماعياً، وأمام هذا التحدي الرهيب المرعب يستلم العبادي دفة الحكم ولم يكن صاحب تجربة في التصدي الأمني !.

وبالتزامن الغريب تبدأ أزمة مالية وهبوط حاد لأسعار النفط، وخزينة حكومية خالية خاوية على عروشها. مع طاقم وزاري عبارة عن رؤوس الكتل السياسية، كالشهرستاني والجعفري وصولاغ وعبدالمهدي والجميلي وبهاء الاعرجي وزيباري الخ !. وقد كان سلفه يتمتع بكاريزما وقدرة خطابية حاصداً أعلى الاصوات في الانتخابات، الأمر الذي زاد الصورة تعقيداً أشد.

ومن هنا كان القول إن العبادي استلم الحكم على خلفية تركة ثقيلة، قولا صحيحاً بكل المعايير، إذ كان العراق ينوء ويترنح بكل ثقل الأزمات المختلفة.

ومن أول اللحظات تحرك العبادي أمام هذا المشهد بكل ثقة وسط تشكيك الكل، ويأس الكثير، وعرقلة البعض. وبعد مرور عامين وشهرين على حكومته، هدأ روع الكثير وبدأ التفاؤل يطغى على المشهد، والعبادي يسير على ذات الخطى الواثقة، والحنكة الراسخة في إدارة الملفات المتشابكة.

لنقف أمام أهم أربعة ملفات نجح العبادي (حتى الان) في إدارتها نجاحاً ملحوظاً، الخصم يشهد به قبل الصديق، وتلك هي :-

1 – الملف الأمني : لسنا بحاجة لاعادة شرح خارطة العراق لسنة 2014، لكن الجدير بالذكر أن القوات الأمنية التي شككنا جميعنا بها بعد نكسة الموصل اعيدت هيكلتها بالشكل الذي أعاد مهنيتها بشكل مقبول، وانطلقت لتحرير المدن والأراضي من احتلال داعش، مع التنويه على أن الحشد الشعبي جزء من القوات الأمنية وهو خاضع لإدارة العبادي مباشرة وينفذ أوامره وتعليماته وفقاً لتشريع وقانون خاص بهيئة الحشد الشعبي.

لم تخسر القوات الامنية أي معركة مع الدواعش في عهد العبادي، والتحرير يحصل بأقل الخسائر سواء في القوات الأمنية أم أبناء المناطق المحررة. وأخذت بعض التجاوزات التي حصلت في بدايات التحرير بالانحسار شيئا فشيئا حتى وصل الأمر الى ثقة متبادلة بين القوات الأمنية والمواطنين في المدن المحتلة، وقد كانت مفقودة!.

هذه الانتصارات المتوالية والمبهرة واستعادة القوات الأمنية لمهنيتها، لم تأت اعتباطاً ولا ضربة حظ، إنما بناءً على الحكمة في الادارة والحنكة في السياسة ! لأن الملف الأمني ملف سياسي بامتياز. فالتعامل مع دول الجوار والتحالف الدولي والأطراف السياسية الداخلية له الدور الفاعل في النجاح، كما أن طريقة قيادة القوات الأمنية ومتابعتها لها الدور الأبرز، وقد كانت أول الخطوات في حل مكتب القائد العام للقوات المسلحة خطوة موفقة وباكورة القضاء على روتين وبيروقراطية العسكر، تلاها إبعاد الكثير من القيادات التي تدور عليها الشبهات.

وكان للتواجد الدائم والحضور الفاعل للقائد العام للقوات المسلحة في غرف العمليات وساحات المعركة دوراً مفصلياً في تحقيق النصر وتطويق مكامن الخلل، ومما يُحسب للعبادي أنه لم يترك مدينة صغيرة او كبيرة الا وتواجد وسطها رافعا العلم العراقي في الساعات الاولى من تحريرها !.

هذه الانتصارات المتوالية والمبهرة واستعادة القوات الأمنية لمهنيتها، لم تأت اعتباطاً ولا ضربة حظ، إنما بناءً على الحكمة في الادارة والحنكة في السياسة 

2 – الملف الاقتصادي: اذا كان ثمة هامش لأمل لوجود خيط من الضوء في الملف الأمني وتحرير العراق من احتلال داعش، فإنه يكاد يكون معدوما في حالة الأزمة الاقتصادية، فمبيعات النفط بالأسعار المتدنية لا تكفي لسد الرواتب فقط ! فكيف بتوفير الأموال الهائلة لإدامة المعركة مع داعش من تسليح وتمويل ومخيمات نزوح وإعادة نازحين، والمقتضيات المالية الأخرى الضرورية للدولة ؟ !. لم يتوقع أحد (مع استمرار الأسعار المتدنية للنفط) أن العبادي سيتمكن من الصمود أمام هذه الأزمة دون أن يمس رواتب الموظفين أو يقوم بتسريح الالاف منهم توفيراً للمال، حتى أن وزير المالية صرح لأكثر من مرة أن الحكومة لا تستطيع دفع رواتب الموظفين لأكثر من شهرين فقط !.

لسنا في معرض معرفة تفاصيل الآلية التي أتبعها العبادي في التخلص من خناق الازمة المالية والخروج منها بنجاح حتى الان، بقدر ما نتعاطى مع النتيجة، وهي تُحسب له بدرجة كاملة أو كما يقولون عشرة على عشرة.

3 – ملف الاعتصامات والإصلاح والتغيير: لم يكن هذا الملف ضمن قائمة الملفات اثناء تسلمه الحكومة، الا بقدر الفساد الذي استشرى بشكل مذهل. ولانه ملف طاريء فهو الأصعب، وبينما قواته الأمنية تقاتل في طول الأنبار وعرضها وتستعد لتحرير الفلوجة وتقاتل بضراوة في بيجي وتخوم طوزخرماتو وجيوب شمال بغداد، والأزمة المالية تحكم قبضتها، ينفجر الشارع بالتظاهرات والاعتصامات والمطالبات بالإصلاح والتغيير والمطالب التي لا تعد ولا تحصى، حتى تفاقمت الأزمة، واقتحم المتظاهرون الخضراء ومجلس النواب ومكتب رئيس الوزراء، وتعطل مجلس النواب، وكل تلك الايام الحبلى التي نتذكر تفاصيلها جيداً، حتى أصبحت تهديداً جدياً للبلد بشكل عام والحكومة بشكل خاص، وإديرت اجتماعات مغلقة ومعلنة للاطاحة بالعبادي.

من استطاع أن يدير هذه الملفات المعقدة بنجاح في هذه الظروف الاستثنائية لقادر أن يحقق النجاح ويعيد كامل الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي

كل هذا وعلى العبادي أن يدير هذه الأزمة مضافاً الى ملفي المعركة مع داعش ومعركة الأزمة المالية، فكان الامتحان الأصعب له في الحكمة والحنكة للخروج منها دون اي انعكاسات سلبية. فكان له ما أرد ووقى الله العراق والعراقيين شر فتنة داخلية كادت أن تحرق الأخضر واليابس.

4 – ملف العلاقة مع كردستان: ملف الضارب في عمق العلاقة التاريخية المأزومة بين الأكراد والحكومة المركزية، حتى أصبح مرضاً مزمناً وأزمة مستديمة. وهذه الأزمة مركبة من كافة الجوانب فهي متداخلة مع الاوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية. فللأكراد كتلة كبيرة ومؤثرة في مجلس النواب وعدد من الوزارات في بغداد، وهؤلاء مرجعيتهم السياسية في أربيل. كما أن هناك قوات كبيرة في عددها "البيشمركة" يُفترض أن ترتبط بوزارة الدفاع المركزية لتأخذ تمويلها مركزيا لكنها تتبع تعليمات وأوامر الاقليم، وكردستان تشترك في الحدود مع أكثر من دولة جارة للعراق فضلاً لحدودها مع الموصل المحتلة من داعش !. والنفط والكمارك والمنافذ الحدودية هي الأخرى بؤرة متورمة في هذا الملف.

بذات الطريقة الهادئة والحكيمة تعاطى العبادي مع ملف العلاقة مع كردستان، فكان الاتفاق النفطي قبل أكثر من عام بداية الطريقة العادلة، ومفاده أن الاكراد يحصلون على حصتهم من الموازنة بنسبة ما يبيعون من النفط ويسلمون ريعه الى المركز، ورغم انهيار هذا الاتفاق لأنه لم يخدم الاكراد خاصة بسبب انهيار أسعار النفط، لكنه أفضى الى أنها المرة الأولى الذي لم يستلم فيها الأكراد حصتهم من الموازنة (17%) كاملة غير منقوصة ودفعة واحدة، بل أكثر من ذلك فقد كانت الحكومة المركزية تقرضهم مبالغاً فاقت الأربعين ملياراً !!. على عكس ما يُقال وما يُشاع تماماً. ولعل أهم ما في العلاقة الإيجابية مع الاكراد والتي أنحت بالازمات جانباً، الاتفاق الاخير في مشاركة البيشمركة في تحرير الموصل بالاشتراك مع بقية صنوف القوات العسكرية، على أن تعود قوات البيشمركة الى مواضعها قبل بدء انطلاق عمليات قادمون يا نينوى. والصورة الابرز هي دخول قوات الجيش العراقي كردستان (ولأول مرة) مروراً للمحور الشمالي في عمليات تحرير نينوى، الأمر الذي يصب سياسيا وعسكريا لصالح عمليات التحرير بشكل خاص والاستقرار السياسي بشكل عام، تمهيدا الى الوفاق والاستقرار المجتمعي المنشود. وما كان لهذا الاتفاق أن يحصل ولهذا التقارب أن يتحقق لولا أسلوب وطريقة العبادي الحكيمة والهادئة في ادارة الملفات بعيداً عن الأحكام المسبقة وردود الفعل المتشنجة.

من استطاع أن يدير هذه الملفات المعقدة بنجاح في هذه الظروف الاستثنائية لقادر أن يحقق النجاح ويعيد كامل الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي، لكنه بالتأكيد - مهما كان حكيما ومحنكا – بحاجة الى الدعم من مختلف الشرائح لان نجاح العبادي لا يعود لشخصه ولا لحزبه ولا لمذهبه، إنما يعود للعراق كل العراق، ويجني ثماره كل العراقيين.

أمام العبادي بعد تحرير الموصل وطرد الدواعش من كل شبر من العراق وتأمين الحدود بشكل متقن، أمامه تحديات كبرى، وهي تحديات ما بعد التحرير وتتمثل بأهم ثلاثة محاور، الاول : إعادة الوحدة الوطنية وطمر كل مخلفات الطائفية السياسية وتثبيت أوتاد الأمة العراقية. والثاني، تأهيل وتطوير الاجهزة الامنية الاستخبارية كافة بالشكل الذي ينسجم مع المعركة المقبلة وهي معركة استخبارية بامتياز. والثالث : هو إصلاح النظام الاداري المقيت في هذا البلد، فهو يستنزف جهود المواطنين في المال والوقت وحتى الكرامة، فالدوائر الحكومية في العراق تسير وفق أنظمة لا تحترم بالمطلق المواطن العراقي، مع علمي أن بوادر اصلاح هذا النظام بدأت منذ فترة لكنها ينبغي أن تسير وفق منهج وسقف زمني محددين.


شارك الخبر

  • 37  
  • 3  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •