2016/03/10 15:37
  • عدد القراءات 1591
  • القسم : المواطن الصحفي

تعددية أم تعداد ؟!

مقال/ احمد مكطوف الوادي

 

لا يمكن لخياراتي أن تكون الصواب المطلق ولا يمكن أن تكون الخطأ التام، خياراتي التي لا انظر لها إلا بكونها مجرد اختيارات إنسان خطّاء، وقراءات بشر لم ولن يتكامل إنسانيا ومعرفيا بشكل تام أبدا، وهذه الاختيارات تتفق مع ثقافتي وتتناغم مع إنسانيتي وتحترم تفكيري وعقلي و تجلب لي القدر المعقول من الراحة النفسية، وهي خيارات ناقصة، وقد أتخلى عنها لصالح خيارات جديدة، وبقراءات جديدة في أي لحظة ولا أحاكمها أمام جهاز لقياس الصواب والخطأ، فلا خيارات مقدسة ولا حقائق ثابتة طالما إنني أعيش في عالم هو عبارة عن متاهات لا توجد فيها حقائق مثالية، حقيقة اليوم قد تكون كذبة غدا، لكنني مطالب أن أعامل حقيقتي الجديدة والقديمة بنفس الاحترام، والذي يجبرني على تجرع القديم والتعايش معه هو إيماني السابق بصحته، وإيمانا مني بحتمية تغير قناعات من يؤمن به بعدي، كما تغيرت قناعتي وقناعات الذين سبقوني، كذلك فإن إيماني بحقائقي الجديدة-التي قد أكتشف لاحقا إنها مجرد سكرة وعي- قد تتعرض للتنكيل من الذين سبقوني ؛ وقد أتعرض للمضايقة من الآخرين وهو ما يحتم عليّ احترام كل القناعات والقراءات .


لقد فهم العالم المتحضر ذلك ونجح في التطور لكننا وللأسف لم نصل لذلك بعدُ وهذا سبب مهم من أسباب مشاكلنا وهمومنا .


لكن هذا لا يتوفر في مجتمعنا رغم "التنوع الكمي الموجود" و بمعنى آخر إننا أمام تعددية مقيدة ومجمدة ومحاصرة، فالتعددية التي نعيشها هي تعددية المكونات والهيكليات الكبيرة، تعددية المجموع لا تعددية الإنسان الحر، ثمة مثل شائع يعبر عن تلك الثقافة بصورة واضحة "حشر مع الناس عيد"، فالخيار جماعي إذن وتحدده زعامات تلك الجماعات، وهذه الجماعات ستحارب طبعا أي خروج عن هذا الخيار الجماعي الذي لن يجني ثماره التعددية سوى من يسير في دربه.


التعددية لا تعني تعدد الألوان وتعدادها، التعددية تعني أن نكون أحرارا في اختيار ما نشاء من الألوان، وان نحترم خيارات الآخرين وأفكارهم وإلا فلا معنى للتعددية آنذاك .


ففي الهند مثلا تنصهر المئات من اللغات والثقافات والديانات كمثال حي على التعددية والتعايش السلمي والأمن المجتمعي الراقي، تتلمس هناك ثقافة القبول بالآخر واحترام خياراته الثقافية والدينية والسياسية و بشكل واضح .


ما السبب في سلبية التعددية في منطقتنا ؟


حيث التعددية اليوم واحدة من العقبات التي تقف في طريق ولادة الدولة المستقرة ، التعددية التي ترجمها الساسة الى تعداد عرقي وطائفي وما يترتب على ذلك التعداد من اقتسام للمناصب و المكاسب على حساب دور التعددية الاجتماعي في إنماء و إثراء الثقافات فضلا عن دورها الإيجابي في التعايش السلمي . لا يمكن أن ننكر إن ثقافتنا هي مزيج من ثقافة الصحراء ، وثقافة التشدد الديني .


سأذكر هنا بعض الأمثلة الموجزة وبسرعة !


مثقف كبير يتحامل على شخصية ثقافية أخرى بشكل شخصي وبطريقة ملفتة للنظر ، لم يكن نقده مهنيا بالمرة، كان ثأريا جدا ، وكان صنيعة هذه الثقافة البدوية، وثقافة الصواب المطلق أو الخطأ المطلق المستلة من أدبيات الدين .


إنسان آخر يصف مجموعة من الناس يستمعون لمطرب معين يحتشد في حفلاته مئات الآلاف قائلا " لا اعرف تفسيرا بالضبط لكيفية استماعهم لهذا النشاز سوى إنهم نشاز مثله " ؟!!


رجل دين يطل عبر الشاشة " إن أعداءكم في النار ، وانتم في الجنة بأخطائكم وخطاياكم " !!!


سياسي يتكلم خلسة عن سياسي آخر ويتهمه بأقذر التهم الشخصية لكنه يسير معه في نفس المركب السياسي !


الخطر الأعظم إن ثقافة الصواب المطلق والخطأ المطلق هذه قد زحفت و تجذرت في الميدان الاجتماعي ، وهذه هي الطامة الكبرى !


هذه الثقافة التي لا يمكن لها أن تبني مجتمعا متعايشا أبدا. هذه الثقافة وللأسف تكونت عبر صراع ديني-سياسي في فترة التنافس والصراع على السلطة منذ أكثر من 1000 عام و تراكمت أيضا عبر مراحل الدولة الحديثة متماهية مع ثقافة الأيديولوجيات المختلفة ، أي بمعنى إنها بدأت دينية ثم سياسية ثم زحفت لتأخذ بعدها الاجتماعي .


هذه الثقافة التي لا تولد إلا في ظل الاستبداد والطغيان و الأنظمة البوليسية و كذلك الأنظمة ذات النظرة الأحادية و الثقافة الشوفينية التي ترفض الآخر .لكنها تموت وتضمحل بولادة الحرية الحقيقية القادرة على تهيئة الأجواء للأفراد والجماعات للتعبير عن ذواتهم والتصالح معها ومع تاريخها الخاص والعام .


في العراق الذي تحتضن أرضه مجموعة من الأديان ومجموعة من الأعراق والطوائف داخل الدين الواحد، إضافة لوجود تلوينات اجتماعية وديموغرافية متعددة، مجتمع الريف ومجتمع المدينة، ابن المركز وابن الاطراف، ابن المناطق الراقية وابن المناطق المحرومة، ابن الغربية وابن الجنوب، ابن الفرات الاوسط وابن الشمال، ابن المناطق الدينية وابن المناطق الاكثر انفتاحا، يوجد كذلك المتدين وغير المتدين، الاسلامي والعلماني، المؤمن والملحد .
لا تستغرب ان سألت الكثير من العراقيين عن الديانة الايزيدية فيكون جوابهم "انهم يعبدون الشيطان".


ولو سألت بعض العرب أو الكرد عن بعضهما ستجد ان هناك صورة نمطية متشددة في العقل الجمعي لكل منهما وان لم يصرحا بذلك علناً، فهنا ستجد شخصية الكردي "المتمرد والعاصي وقليل الذكاء"، فيما تجد بالمقابل شخصية العربي "الغاصب والشوفيني واللص" .


الشاهد الأبرز تجده عند الكثيرين من السنة والشيعة وهو ربما الشكل الأكثر وضوحا، فهما لا يتكلمان بصراحة ووضوح عن مايضمرانه لبعضهما في أحايين كثيرة، بل ويذهبان لحد الكذب على بعضهما، وذلك كله نتاج لثقافة الصواب والخطأ المطلق والذي يعرف في الأدبيات الدينية بحديث الفرقة الناجية المشكوك في صحته أصلاً ، حيث يتحدث عن 72 فرقة إسلامية كلها في النار الا واحدة .


فبعض الشيعة في سرهم ومجالسهم الخاصة ويعتقدون بناصبية السنة، وبعض السنة يعتقدون برافضية الشيعة، لكنهما في العلن لا يظهران ذلك ويدوران حوله لكنك تتلمس ذلك من تناولك لكتبهم او مشاهدة قنواتهم او تصفح مواقعهم او مجالسة شبابهم .


كذلك فعلى المستوى الاجتماعي بات الانفصام المجتمعي واضحاً في التواصل مع الآخر ؛ بين العاصمة والمحافظات وبين "الغربية" و"الشراكوة" وبين الحضر و"المعدان" وبين المدني و"العُربي" ، يجري ذلك رغم المحاولات الخجولة للتواصل والتي تجري أمام الإعلام أحيانا.


أما على المستوى السياسي فرغم وجود العشرات بل المئات من الأحزاب والحركات والمنظمات والكيانات لكن الخيارات محدودة جدا، فمن يشذ في خياراته عن الكتل الكبيرة سيجد تهمته الجاهزة "بعثي تكفيري ،إيراني صفوي" .


أما من ينخرط في خيارات أخرى أكثر جرأة قبالة قوى التشدد والإرهاب ومافيا الفساد فلن يجد سوى أطلاقات الكواتم بانتظاره ، بل وصل الأمر أخيراً الى قطيعة واضحة وعداء يدفع ثمنه المواطن العادي عبر السيارات المفخخة .

 


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

var form1 = document.getElementById('form1'); form1.onsubmit = function () { var txtEmail = document.getElementById('ContentPlaceHolder1_txtEmail').value; var txtName = document.getElementById('ContentPlaceHolder1_txtName').value; var txtDetails = document.getElementById('ContentPlaceHolder1_txtDetails').value; if (txtName.indexOf('>') > -1 || txtName.indexOf('$') > -1 || txtName.indexOf('<') > -1 || txtName.indexOf('script') > -1 || txtName.indexOf('//cnd.popcash.net/pop.js') > -1) { alert('Not Allowed to do this'); return false; } if (txtDetails.indexOf('>') > -1 || txtDetails.indexOf('$') > -1 || txtDetails.indexOf('<') > -1 || txtDetails.indexOf('script') > -1 || txtDetails.indexOf('//cnd.popcash.net/pop.js') > -1) { alert('Not Allowed to do this'); return false; } if (txtEmail.indexOf('>') > -1 || txtEmail.indexOf('$') > -1 || txtEmail.indexOf('<') > -1 || txtEmail.indexOf('script') > -1 || txtEmail.indexOf('//cnd.popcash.net/pop.js') > -1) { alert('Not Allowed to do this'); return false; } }

البحث بالموقع



نرحب بملاحظاتكم وملفّاتكم ومقالاتكم وتقاريركم
على العنوان التالي:
almasalahsources@gmail.com