2017/04/13 16:04
  • عدد القراءات 2596
  • القسم : المواطن الصحفي

حديثُ ( الكياّ )

بغداد/المسلة: الخلاصة خل نتصافى..

رعد الخاشع  شاب عراقي من بغداد يشاركنا من خلال صفحة "خان جغان" كرم وشهامة العراقين مع الفقير 

أعتدتُ أثناءَ عودتي من الجامعة أن أركبَ سيارةَ ( الكياَ ) المتجةِ من تقاطعِ العامرية الى العلاوي كي أنزلَ في منطقةِ المنصور حيثُ هناك مكان إقامتي المؤقت .

أثناءَ تواجدي داخل ( الكياَ ) أسمعُ وأشاهدّ الكثيرَ من المواقفِ التي ربمّا لزاماً علينا ان نقف عندها كثيراً او لربما نحاول توثيقها نحن كمواطنين عاديين بغض النظر عما يدور من حولنا من صراعات سياسية أو امنية , الكل فيها مستهدف و لكوننا ايضاً مجموعة ( أناس ) يعيشون ويتعايشون على رقعة جغرافية محددة و معينة لزاماً علينا أيضاً ( نحنُ الأناس ) أن نُجسدَ ونوثقَ حياتنا اليومية المشتركة في تلك الرقعة الجغرافية المعينة و المحددة حتى وان وجدنا تقصيراً ( متعمداً او غير متعمد ) من الاعلام الوطني أو الدراما الفنية الوطنية التي من واجبها الاساس هو التجسيد والتوثيق لواقع المعايشة اليومية لأفراد المجتمع العراقي، فمصرّ لم تخلق لتكون ( أمّ ) بل المصريين و اعلامهم الوطني هم من جعلوها أمً لكل الدنيا . 

اليومُ وأثناء عودتي من الجامعةِ وكالمعتاد ركبتُ أنا ومجموعة من الاشخاص في ( الكياّ ) المتجةِ من تقاطع العامرية صوب العلاوي , بعد مسافةٍ ليست ببعيدة من مكان تحرك ( الكياّ ) أستوقفتنا أمرأة يبدو عمرها في بداية الربيع الثلاثيني فتوقف لها السائق جانباً ففتحت الباب وقالت بنبرةٍ موجعة تسكن خلفها ملايين الاهات ( أخويه .. ماعندي كروه .. أصعد ؟؟ ) بدونِ تردد أجاب السائق ( أصعدي أختي .. حياج الله ) .

بعد لحظات من صعود المرآة داخل ( الكياّ ) كأنها أطلقت بصعودها ( صفارة الانطلاق ) لبداية مباراة معينة , فتسارع الجميع الى جيوبهم ليخرجوا منها قيمة الكروه ( 500 ) دينار , وبدت على الجميع ملامح التنافس بالظفر للفوز بالمركز الأول حتى حسمها السائق لصالحه حينما قال ( أني أبو السيارة .. وكروة الاخت مدفوعة من يمي ) .

ربما الى هنا لم تنته  المباراة بعد ولم يقبلَ الجميع بتلك النتيجة التي حُسمت للسائق بشوطها الأول  .. فما هي الا لحظات وقد بدأ الشوط الثاني عندما تقدمَ رجلٌ اربعيني مازال الشيبُ برأسهِ في بداية أشتعاله ليخرجَ من محفظته القديمة ( خمسة ألاف دينار ) فكانت البداية لهجمة مرتدة أخرى , فوضع المبلغ بيدِ شخص كان جالساً بالقرب مني ليعطيه لتلك المرآة التي كانت تجلسُ في الخانة الأخيرة من ( الكياَ ) مردداً بالقول المكتسي بالحياء ( هاي من أخوج ) .

هنا أكتسبَ فريقنا روح المبادرة واصبحت الكرة في ملعبنا وكلمحِ البصر إزداد الهجوم نحو مرمى الخير فأخرج كل واحدٍ منا محفظته وستلَ منها مبلغاً من المال ليضعهُ ايضاً بيدِ الشخص الجالسُ بالقرب مني ليوصله الى تلك المرأة , هذا الشخص كان شابً صغيراً لا يتجاوز من العمر ربما السبعة عشر عاماً لكنه فعلَ فعلةً كأنه بعمر الشيخ الحكيم صاحب الثمانين عاماً عندما فتح محفظته ووجد فيها ( ستة الاف دينار ) حسبتهُ بانه سيعطي ( الاف دينار ) ويبقي الخمسة لكنه فعل العكس وابقى في محفظته ( الف دينار فقط ) وأعطى الخمسة الأف لتلك المرأة  .

بعد دقائقَ إضافية من تلك المباراة الخيرية تخللتها لحظات صمت جميلة، كانت هناك ( عجوز ) تجاوزت تجاعيد وجهها ( الستون عاماً ) تحملُ معها داخل ( الكياّ ) مجموعة ( علاليگ ) فيها خضراوات وفواكه .

هي الوحيدة التي لم تدفع شيئاً لكنها عملت شيء أعظم من ان تدفع المال .

أخرجت من جيبها كيسٌ فارغ وفتحت أكياسها الممتلئة وأخذت بمليء ذاك الكيس الفارغ بالخضراوات والفواكه ، وهي تردد ( والله يا بنتي ما ظل عندي فلوس ، هاچ ذني لجهالچ ) .

أجواء صمت رهيبة تستشعر فيها بأنك ولدت من رحم ( الكياّ ) بجوها الإنساني الرهيب لتبتعد عن كل الوحشية التي عاصرتها في رحم تلك الحياة على مدار سنوات كان الخلاف والاختلاف سيدا تلك الحياة وكنا نحن عبيداً لهولاء السادة .

مختارات "المسلة"..


شارك الخبر

  • 10  
  • 0  

( 1)التعليقات

    • ارسال رد
    • أبلغ عن اساءة
    • 0  
    •   1
  • (1) - ابو رامي
    4/14/2017 7:16:32 AM

    كلام جميل ومشاعر اجمل ولكن ما يفسد ذلك هو يا ترى في كم كيا ستكرر هذه المرأة هذه التمثيلية ؟ أنا شخصيا رأيت اكثر من حالة مثل هذه النماذج !! السؤال الذي يطرح نفسه يا ترى كم من العوائل المتعففة تعاني الفقر والحاجة ولكن لا تمد يدها بل وتتظاهر بعدم الحاجة .. يكفي ما نشاهده يوميا من مآسي وآلام تعانيها العوائل المشردة داخل وخارج العراق فأين يا ترى حديث الكيا من كل هؤلاء؟؟



اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •