2017/04/20 09:57
  • عدد القراءات 1614
  • القسم : وجهات نظر

القناع الشعري للحكاية في «فكرة اليد الواحدة» لعبود الجابري

علي كاظم داود

تصنعُ النصوص الشعرية، بطبيعة لغتها الانزياحية، المراوغة والمخاتلة، فضاءً حكائياً غير مكتمل: قصّةً غائمةً وحكايةً ضبابية. إذ يبدو المشهد السردي، في غضون الشعر، كما لو أنّه مُموّهٌ ومغطى بقناع شعري (لا أعني هنا مصطلح القناع المتداول نقدياً). وقد تكون هذه القصة أو الحكاية المغطّاة هي الهدف الكامن وراء النص، والمغزى الشعري الذي يسعى لأدائه، وليس شيئاً آخر.

وبلغةٍ أكثر أدبية، يمكن القول: أنه في النصوص الشعرية المتوهجة لا تكمن الحكاية أو القصّة داخل النص، بل خارجه. فهي تتخذ مكاناً متاخماً لحدود النص، وحدود الواقع، حيث يلتقيان ليتشكل بينهما برزخ الفضاء السردي في العالم الشعري.

تَمْثُلُ الحكايةُ مثل طيفٍ توحي به اللغة الشعرية، فيحيط بالنصّ ويُؤطّره، مثل هالةٍ مشعّة، كما لو أنّ ريشة رسام تضع اللمسات الضرورية لتحريك اللوحة الشعرية، وصناعة الحدث المرئي في عوالمها. فلا تُهيمن الحكاية على مجمل النص الشعري، وتخرج به من حدود شاعريته، ليقع في السردية النثرية المباشرة، بل تستثمرها بوصفها عنصراً تمثيلياً، لم يعد بالإمكان الاستغناء عنه في أغلب الفنون الإبداعية والأدبية، ومن بينها الشعر. من أجل ذلك لن نجد في النص الشعري قصةً ناجزة مكتملة الشروط والعناصر، بل طيف قصة وظلال حكاية.

هذا هو ما لمسناه، قرائياً، في مجموعة الشاعر «عبود الجابري» الأخيرة، والتي حمل غلافها عنوان «فكرة اليد الواحدة» وهي صادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان، عام 2014، وجاءت في مئتين وخمس وعشرين صفحة من القطع المتوسط، واشتملت هذه المجموعة بين طيّاتها على سبعة وثلاثين عنواناً داخلياً، انقسم بعضها إلى شذرات أو ومضات شعرية قصيرة.

مع عنوان المجموعة تخرج، من الذاكرة، ومن الموروث الحكائي العربي والشعبي، قصص اليد الواحدة التي لا تصفّق، واليد الواحدة التي لا يمكنها كسر العصيّ، واليد التي بقيت لوحدها بعدما ذهبت الحرب بأختها، وتلك التي من دونها لن يكتمل العناق عند اللقاء. ومع أوّل النصوص، يحاول الشاعر صدم القارئ بقصةٍ متضمّنة في نصه الشعري، ما يزال ألمها يصبغ أنهار العراق باللون الأحمر. تحت عنوان «نافلة» نقرأ حماقاتنا الفائضة:

«كلانا نسبحُ في نهرٍ واحد

وحين نقتتل

فإن العابرين لن يميّزوا

لون دمك من دمي».

وإذا كان ثوب هذه القصّة الشعرية فضفاضاً، يتسع لتمثيلاتٍ واقعيةٍ كثيرة، بسبب عدم تحديد شخصياتها وفضائها زماناً ومكاناً، إلا أنها واقعة شعرية شديدة الارتباط بمجريات الواقع، ولو رمزياً، فهي تضع اليد على جرحٍ أدمى وطناً كاملاً سنيناً طويلةً، وما يزال نزفه مستمراً. النهر الواحد هو الوطن الذي منح المختلفين فسحة الحياة على أرضه، لكن اقتتالهما فيه حوّله إلى لون الدم، فاختلطت دماءهم معاً مثلما كانت حياتهم مختلطة عليه، والعابرون أو الطامعون أو الأعداء لا يهمهم دم من هذا، المهم عندهم أن يكون هناك اقتتال على هذه الأرض وأن تتلوث مياه الحياة التي تجري فيها.

نقرأ في هذه المجموعة حكايات كثيرة، لكنها مبتورة، قصص غير مكتملة، ناقصة في المتن، مثل جسدٍ بيدٍ واحدة، أو بلا رأس، لكن عندما نتأملها، وجدانياً، نرى كيف تكتمل مشاهدها أمامنا. هي لا تحتاج إلا بضعة ضربات من ريشة الخيال لتصير لوحات ضاجّة بالحركة. في نص عنوانه «ذرائع للنوم» يواجهنا هذا المقطع بقساوته:

«الوسادةُ ذريعةُ النوم

حين يتعذر عليه الوصول

إلى الرأس المفصول عن الجسد».

وكأن الرأس هو محلُّ النوم، فلا نوم لجسدٍ بلا رأس، رغم أنه نام نومته الأبدية. وخلف هذه الشعرية العالية تكاد تختفي سرديات موجعة، عن أجسادٍ حُرمتْ النوم الهانئ، بعدما فارقت وسائدها فراقاً بائناً، وقد يكون انفصال الرأس المشار إليه في النص انفصالاً رمزياً، لا انفصالاً حقيقياً، كمن يعيش في مكان ما وعقله وتفكيره وقلبه في مكان آخر. لكن هذه الكلمات، على كل حال، تذكّر بما لا يقبل الجدل، بالحرب وسردياتها المستمرة، وبسكاكين الإرهاب وسيوفه وهي تمنع النوم عن الوصول إلى الرؤوس والأجساد المتعبة التي تطلب السلام والأمان والاسترخاء على الوسائد المنزلية البعيدة.

عندما نمعن في قراءة نصوص هذه المجموعة ندرك أنها تسعى للإيغال في ذاكرة الحكايات الواقعية الأكثر ضراوة لتستلّ منها تخطيطات عوالمها الشعرية، وتؤثث لغتها بما يشير إلى تلك الحكايات ولا يصرّح بها، فهي تظل وفيةً لرؤيتها الفنية القائمة على التلميح البليغ المنزاح عن واقعٍ نسيانه لا يقلّ قساوة عن تذكّره.

عن القصص الأكثر ضراوة في يومياتنا، نقرأ في نص «بطاقة تعريف»:

«لم يضع بطاقة تعريف في رقبته

أو في جيبه

وحين مات

لم يتعرف عليه أحد

لا الملائكة

لا الشياطين

لا بلدوزرات الحكومة

حتى الغربان الجائعة

لم تحاول الاقتراب من جسده».

هكذا نص لا يتجه مباشرة إلى الواقع، بل يناور، ويحوم حوله، فهو يذكّر ببطاقات التعريف المعدنية التي كان الجنود يضعونها في حروبنا المديدة، ويستدرج، أيضاً، للمخيّلة، صور القتلى مجهولي الهوية في سنوات ما بعد التغيير. إنه نصّ يعتمد المفارقة والإيهام، نص عميق في بساطته، يطرح تساؤلات عديدة، تفتح أبواباً كثيرة للتأويل. ربما كان إنساناً وحيداً مشرّداً، عاش مجهولاً ومات مهملاً، حتى الغربان لم ترغب في أن تسدّ جوعها من جسده.

تتحول ذات الشاعر، في كثير من النصوص، إلى محور تُنسجُ حوله الحكايات، وتنثال على ملامحه السرود والأحداث، بوصفه شخصية حكائية في إطار المتن الشعري. في نص عنوانه «بلل» نقرأ هذه الصورة الشعرية المتحركة الموحية بقصص خفية كامنة في ذات الشاعر الهشّة، رغم ادعائه غير ذلك:

«لستُ من المطر في شيء

ذلك الذي ينقر على روحي

التي تشبه لوحاً من الصفيح»

تحضر في نصوص المجموعة، أيضاً، شخصيات لها حضور حميم ومميز، يستدعي معها نثريات الحياة وتفاصيلها الحكائية الصغيرة، كـ «الأب والزوجة والأولاد والخبّاز والشرطي والحطاب وغيرهم». كما تؤثث النصوص لغة محتشدة بالأحداث اليومية العادية والمألوفة، تتماهى في فضاءاتها، لتؤكد شدة حساسية الشاعر وارتباطه الوجداني بكل ما يشير إلى الحياة وينمّي تعلّق الإنسان بها، حتى في أقل الأمور أهمية وأكثرها بساطة. ولننصت إلى هذا المقطع من النص المعنون «الماء عارياً» بأسماع قلوبنا:

«ما تبقّى من الماء

لم يكن كافياً

ليغسلوا أحذيتهم من أثر الطين

أولئك الذين تهامسوا:

لو أننا سكبنا ماءً أقل

لبقينا بعيدين عن هذا السؤال

نحن الذين نبحث عن طينٍ

نكمل به أعضاءنا الناقصة».

فهو يتكون من أدوات مألوفة: أحذية وطين وماء وأعضاء بشرية مفقودة، لكنه يثير سؤالاً عميقاً سيبقى بلا جواب: هل يمكن لطين الوطن وترابه أن يرمم أجساد المقاتلين الذين فقدوا أعضاءهم من أجله؟!

لا نجد أمكنة صريحة، سوى ذكره لاسم «العراق»، لكن ثمة ما يشير إلى أمكنة أليفة تظهر بين حين وآخر كـ «الحقول، البادية، المدينة، المدن النائمة، الوطن، الأرض» وهذا يشير إلى شدّة الحنين والشوق المضمر الذي يحاول الشاعر وأده في داخله، لكنه يتسلل من بين مسامات لغته رغماً عنه. فنجد حكايات الحنين والنوستالجيا تشتعل في كثير من النصوص، ومنها «أوطان في غرفة الشاعر» إذ يقول:

«وكأيّ وطنٍ

لا أستطيع أن أكفلك

وأوهم الصغار أنك اهتديت

وأنت ترتكب كل ليلةٍ

أفعالاً خادشةً للحنين

بحقّ آبائهم».

فيؤنسن الشاعر الوطن، ويقوم بتحويله إلى متلقٍّ ضمنيٍّ لخطابه الداخلي، ومن خلال هذا الخطاب يفضح حكايات الوطن وأفاعيله بأبنائه البعيدين في الشتات والمنافي، بعد أن صاروا فرائس تنهشهم أنياب الحنين ومخالبه.

نعاين الشاعر وهو يمشهد هذا الحدث، مستعيناً بمحكياتٍ موروثة ومتداولة، إذ يقول تحت العنوان السابق ذاته:

«كمصباحٍ سحريٍّ

أفركُ قلبي

وأنتظر مارد الحنين

لأقاسمه الحزن

على وطنٍ لم يعد في متناول سحره».

فلم يعد ما ينتظره الشاعر الحكّاء مارداً يحقق له الأمنيات، يخرج من المصباح، بل من قلبه المثخن بالحنين، يفركه، وينتظر خروج هذا المارد الذي سكن فيه طويلاً، مثل جمرٍ لا يخمد.

عبود الجابري في مجموعته هذه «فكرة اليد الواحد» يستخدم، إذن، أقنعة شعرية عديدة، لتسويق حكايات لا يمكنه البوح بها علناً. إنه يناجي متذوقي قصائده بحكايات الوطن الجريح والحنين والذكريات والواقع المعيش، كل ذلك من وراء ستار.

المصدر: بريد المسلة


شارك الخبر

  • 1  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •