2017/04/30 10:13
  • عدد القراءات 1727
  • القسم : وجهات نظر

صداقة التحذلق في العالم الافتراضي

واثق صادق

كلنا يسعى دوما الى أن يكون صاحب ذوق رفيع في كل شيء، بدءا من اختيار ملابسه والوانها، مرورا بتصفيف قصة الشعر، وأثاث المنزل، حتى في انتقاء الاجهزة الالكترونية، وغيرها من الكماليات التي قد لا تؤثر بشكل كبير على منزلة الشخص ومكانته ودوره بين الآخرين. لكنّ خيارا وحيدا يبقى يبعث على القلق، وقد نقضي سنينا او عقودا من دون ان نجد ما يرضي اعماقنا وميولنا واتجاهاتنا وطبيعة نفسياتنا.

هذا الخيار لا يتعلق بحاجة يمكن ان نستعملها مدة مؤقتة، بل يتعلق بحاجة نفسية عميقة، برغبة في اختيار شخص يكون مرآتنا في كثير من الأحيان، واعني هنا الصديق، اذ ليس كل من نعرفه، نلازمه، نزامله، نصاحبه، يكون صديقا، وقد نجد في هذا الحرص بذورا تتعلق بتوجهاتنا العائلية الأولى، وبتنشئتنا، ولهذا فإن عملية الاختيار لا تتم اولا بشكل واع تماما، كما انها لا تتم ايضا بشكل مخطط له في الآن ذاته.

في ذات مرة، قرأت ما نشره أحد الاصدقاء بشأن ثقافة "قبول طلب الصداقة" على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كان شيئا مهما في حينها، يتحدث عن أن الموافق على الطلب لا يجب عليه أن يزهو بنفسه، لكونه اصبح شخصا مركزيا يستقطب العديد من الاشخاص، سواء كان يعرفهم ام لا، وان عليه هو أن يشكر صاحب الطلب، على اعتبار أن الاخير صاحب المبادرة بهذه العلاقة الانسانية "الافتراضية"، كان في هذا البوست كلام كثير يوحي بأن صاحبه متحصل على خبرة انسانية كبيرة، ونظرة صادقة حقيقية تجاه الاشياء، وان لديه رغبة حقيقية في أن يفهم الآخرون الآليات الكبيرة التي يتيحها موقع التواصل الاجتماعي وصولا الى جعل العالم أكثر ألفة ومحبة وتسامح وإخاء وتفهم..

بالتأكيد، ليس كل الناس في الفيسبوك، يجدون دوما طلبات صداقة من آخرين، يعرفونهم او لا يعرفونهم، كما ان ليس كل الناس في الوقت ذاته، يوافقون على هذه الطلبات بشكل سريع ومن دون اي مراجعة لصفحات طالبي هذه الصداقة، بل اعرف على المستوى الشخصي، أن اناسا كثيرين تمتلئ صفحاتهم بطلبات الصداقة من دون ان يعيروا اصحابها اهتماما ما، لاسباب كثيرة، قد يكون في مقدمتها أنهم لا يقبلون اشخاصا لا يعرفونهم، او تكون صفحاتهم اساسا مكرسة لهمّ ما، فهم لا يسمحون لأي كان بالولوج اليها، او الاطلاع على اسرارها المباحة، فيما تجد آخرين قد وصلوا الى الحد الأعلى في قبول هذه الطلبات، وأنا اشك هنا في ان هذا العدد الذي يصل الى خمسة آلاف شخص، أي مدينة كاملة على وفق علم الاجتماع، أقول: أشك أن هؤلاء جميعا يتواصلون ويتفاعلون كلهم في صفحة هذا او ذاك، وقد يكون مئات الاشخاص غير الفاعلين في صفحة احد ما، قد حرموا آخرين أكثر قدرة على التفاعل والتواصل والانفتاح.

المسألة الاخرى، في علاقات الصداقة الافتراضية التي تنشأ في الفيسبوك، هو ما يمكن ان نطلق عليه "القطيعة الاختيارية"، اذ احيانا ما يقبل الفرد صداقة مجموعة من الاشخاص، ليتفاجأ بعد حين بأنهم لا يلتقون معه في اي تفصيل من تفاصيل الحياة او الفكر او التوجه او الميل، وهنا، يصبح هذا أمام خيار ما، قد لا يكون "الغاء" هذه العلاقة الافتراضية بعيدا، وقد يكون أقرب الخيارات، لكي يجنب نفسه الخوض في تفاصيل او احاديث او مجاملات او جدالات لا طائل منها، او ان يهملهم، وقد يقيدهم، وقد يلغي متابعته لهم، فلا يضطر الى رؤية ما ينشرونه، فيغدو وجود هؤلاء من عدمه شيئا واحدا.

ملاحظة شخصية: ما لم افهمه من البعض، واشدد "البعض"، أنهم يقبلون صداقات الكثيرين، ليغدوا هؤلاء موضوعا دسما، للسخرية والتندر احيانا، او للفذلكة و"التعيقل" احيانا، او "لاستعراض العضلات والبطولات".. بالنسبة لي، انا احرص دوما في اختياري، سواء في طلبي للصداقة، او في قبول طلبي، أن أجد لدى الاخر، ما يغريني في التمسك به، كأن يكون اكثر علما، أكثر ثقافة، اكثر انسانية، فيكون عونا لي فيما يكتب او ينشر، يضيف لي، يزيد من خبرتي في مواجهتي للاشياء.. كما احرص ايضا أن لا اقبل صداقة "طارئ"، او "متفيقه"، او "لا يمتلك شيئا"، لذا، كان على هذا البعض أن ينتقي وينقي قائمة الاصدقاء بدلا من ان يظهر لنا بوجه بشع منتقدا للآخرين الذين "تفضلوا" عليه في طلب صداقته... في النهاية، هي وجهة نظر قد لا تكون ناضجة تماما.

تنوه "المسلة" إلى ان ما جاء من تفاصيل، لا يعبر عن وجهة نظرها، وان من حق أصحاب العلاقة، الرد على ما يرد في المنشور، عملا بحرية الرأي، وسياسة "الأبواب المفتوحة" أمام معلومات المتابع، ووجهات نظره، كشفا للحقائق.

مختارات المسلة


شارك الخبر

  • 0  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •