مالذي يجب ان نتعلمه من الأمُة الامريكية؟!
7/9/2020 5:10:39 PM  

بغداد/المسلة:  

موسى جعفـر

قد يتفق اغلب سكان الارض على كرههم للامريكان لاسباب عدة منها تدخلهم السافر في شؤون الشعوب وكثرة حروبهم وغطرستهم وتعاليهم وتغليبهم لمصالحهم الانانية مهما كلف الامر، بالاضافة لدعمهم اللامحدود لحكومات دموية تقتل وتعذب وتستعبد شعوبها ولكنها تعرف كيف ترضي او تتحالف مع الكاوبوي الامريكي، في حين تقوم امريكا نفسها بمحاصرة دول اخرى وتجويع شعوبها والتامر على إسقاط انضمتها واحتلالها عسكريا بحجة حقوق الانسان والديمقراطية, هذا الجانب السيء قد يبدوا معروفا للجميع بما فيه الشعب الامريكي نفسه، ولكن في الجانب الاخر ان هذا الشعب له مميزاته التي تختلف عن كل شعوب الارض، فصحيح انه قد ورث عنجهية واستكبار ودموية الانكليز لكنه ابتكر التحرر السياسي وقاتل مبكرا من اجل ان ينال حريته واستقلاله، واستطاع ( في وقت كانت فيه كل شعوب الارض تعبد ملوكها بما فيها الشعوب المسلمة فيما يعرف بالخلافة العثمانية ) ان يعيد الروح للنظام الجمهوري والديمقراطية الاغريقية، وان يجعل من الرئيس الامريكي مجرد موظف بصلاحيات محددة بالدستور ، تنتهي هذه الصلاحيات بانتهاء مدة رئاسته ، وكذلك استطاع الرواد ان ينادوا بالتحرر الديني وحرية المعتقد بدون ان يكون ذلك تبنيا للكفر او الالحاد ( كما فعل الشيوعيون السوفيت)، ومع انه في كل الارض الجديدة ( اعني القارتين الامريكيتن ) موارد وكنوز وارض بكر صالحة للزراعة الا ان الشعب الامريكي استطاع ان يستغل هذه الموارد افضل استغلال خلال فترة وجيزة نسبيا ليبني لنفسه امبراطورية صناعية وزراعية ( قبل ان تتحول الى عسكرية ) نافست في جودة منتجاتها العالم القديم، واضاف هذا الشعب ما لايحصى عدده من الاختراعات العلمية والانجازات  الفكرية التي جعلت كوكب الارض شيئا مختلفا . وفي الوقت الذي كان العبيد لا يملكون اي حق من حقوق الانسانية، ولا يعاملون كبشر خاض الشعب الامريكي حربا اهلية ضروسا اودت بارواح مئات الالاف من ابنائه في سبيل الغاء الرق في بلادهم . وهكذا يستمر مسلسل التميز الامريكي فمع بقاء وجود فوارق في اللون والعرق والديانة الا ان التسامح في الامة الامريكية وتوفير فرص المواطنة واندماج المهاجرين الجدد، لا يقارن بغيرها من دول العالم، ففي دولة الكويت مثلا ما زال الناس الذين ولدوا قبل اكثر من سبعين سنة وعاشوا في بلدهم وتزوجوا وانجبوا اولادا وخدموا وطنهم هم واولادهم واحفادهم مازال هؤلاء غير مسموح لهم ( حسب القانون ) أن يصبحوا مواطنين كويتين لحد الان او ما يعرف ( بالبدون ) .

اما الجديد في سجل انجازات الامة الامريكية ( وهنا يجب التفريق بين الامة الامريكية والادارة الامريكية ) فهو التظاهرات الاخيرة التي اعقبت قتل عدد من رجال الشرطة البيض لرجل اسود في مدينة ( مانابولس ) بطريقة بشعة وهو يصرخ ويستغيث ( اريد التنفس ) ، بالطبع لم يكن هذا المسكين المدعو ( جورج فلويد) الاول الذي يذهب ضحية الغطرسة والتمييز العنصري ولن يكون الاخير . لكن ردة الفعل هذه المرة لم تكن من قبل المواطنين السود فحسب وانما كانت من كل اطياف الشعب الامريكي ، والمطالب التي رفعها المتظاهرون لم تكن بسيطة ومحدودة يمكن تحقيقها بسجن الجناة او حتى اعدامهم ، بل تعدت لتكون مراجعة وتصحيح لكل جذور العبودية والاستكبار الذي عرفتها امريكا . هذا الاستكبار (الذي نشجبه بالعلن ) نجده متاصلا فينا وفي كل شعوب الارض - وان كان تحت السطح – لاننا لا نملك اسلحة ووسائل امريكا لنقهر به الاخرين ولو كان لدينا القليل لفعلنا ما هو اكثر منهم وهناك شواهد لا يسع لذكرها المجال.

ربما نكون اليوم قد نجحنا في استعارة بعض المفاهيم الامريكية في حياتنا، مثل النظام الديمقراطي والتعددية الحزبية ونظام التعليم ، لكن لم نتعلم من الشعب الامريكي كيف ننصهر في بلدنا ( العراق ) الذي ولد فيه ابائنا واجدادنا او كيف نتعامل بوطنية وحرص مع بلدنا وشعبنا وان لا نسرق من قوته ولا نخون الامانة بالاختلاس وبالتزوير وبالرشوة . في حين ان اصدقائنا واقاربنا ممن حصلوا على الاقامة او الجنسية الامريكية قبل عشر سنوات فقط قد انصهروا في امتهم الجديدة واصبحوا مواطنين امريكين لا يخطر على بالهم ان يسرقوا بلدهم ويرسلوا بالاموال الى الخارج كما يحدث في بلدنا, ولم نتعلم من الامة الامريكية ان نتحد لبناء وطننا في بلد يطفوا على بحر من خيرات ولا ينقصه سوى شعب متحد لا ينظر بعضه الى بعض بعين الريبة ( انت ايراني وانت سعودي ), لم نتعلم منهم كيف يمكن للاقلية ان تحكم الاكثرية بانسانية وتعقل او ان تحكم الاكثرية الاقلية بالاحساس بالمسؤولية والعدالة، لم نتعلم من الشعب الامريكي ان التسامح الديني وتركنا الاخرين يتعبدون وفق دينهم وعقيدتهم  هو الطريق الوحيد لاي امة اذا ارادت ان تعيش سويا بسلام .

علينا ان نتعلم الكثير من الشعب الامريكي في انتفاضتهم الجديدة، نتعلم كيف نكسر اصنام العبودية التي بناها بعضنا لحكام (طغاة ) لم يخدموا الا انفسهم ومقربيهم، وزادوا هذا البلد وشعبه اقتتالا وتفرقة وتناحر، مزقوا البلاد وشردوا العباد وفعلوا في بلدنا ما تعجز عن فعله جيوش الغزاة وما زال البعض يعبدهم ويتغزل بامجادهم .

اذا اردنا ان نبني بلدا مزدهرا يعيش شعبه بسلام ورفاهية، فعلينا ان نتخلا عن غطرستنا الفارغة وكبريائنا الزائف وان نتعلم روح المواطنة من الشعب الامريكي ومن كل الشعوب التي سبقتنا، وان ننتفض على كل من يحاول ان يفرق بين سكان بلدنا تبعا للدين او المذهب او القومية، ونستميت في قتال كل من يدعوا الى تقسيمه، وان نبدأ ببناء بلد جديد وشعب متجدد تكون فيه المواطنة (عراقي ) والقومية ( عراقي ) والدين (عراقي ) والمذهب ( عراقي ). وبعدها وليس قبلها، حين نضمن ان لا بائس ولا فقير في العراق، حينما ننجح ان يكون جواز السفر العراقي هو افضل جواز في العالم، وحين نضمن ان يذهب اي عراقي الى اي بلد في العالم وهو مرفوع الرأس محفوظ الكرامة مصان، حينها فقط نلتفت الى اشقائنا (الاعزاء ) ونمد لهم يد المساعدة.

بريد المسلة

المسلَة غير مسؤولة عن المحتوى الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر نصاً و معنى

http://almasalah.com/ar/news/194801/مالذي-يجب-ان-نتعلمه-من-الأمة-الامريكية