2020/05/16 20:36
  • عدد القراءات 376
  • القسم : آراء

اليهود يكرهون التطبيع ؟

تابع المسلة عبر قناتها في تطبيق التلغرام

https://t.me/almasalah 

-----------------------------------

بغداد/المسلة: 

محمود الهاشمي

تظهر في افق الصراع بين العرب والمسلمين عموما والكيان الاسرائيلي ، كلمة (التطبيع) باوقات مختلفة ، لتأخذ مساحة من الاعلام ، ومن المواقف السياسية وردود الفعل ، ثم لتغيب وتعود مرة اخرى ، وفي مضمونها العام (ان اسرائيل باتت حقيقة ، وعلى الجميع ان يقر بذلك ، خاصة وانه اصبح لها تاريخ على ارض فلسطين ، وتحظى بدعم دولي ، وما على العرب و الدول الاسلامية سوى ان يقروا بذلك ، وبدلا من الاستعداء ، الذهاب الى (التطبيع) للحفاظ على استقرار المنطقة) كما يُروج لذلك.

في ذات الوقت فان التساؤل الذي يرافق مثل هذه الحملات يأتي سريعاً :- وما الذي جنته الدول التي اقامت (التطبيع) مع اسرائيل ، بعد ان تبادلوا السفارات ورفعوا الاعلام على مبانيها)؟ ان مصر التي كانت السباقة الى هذا الميدان (التطبيع) فيما ما زالت سفارة البلدين مجرد مبنى وعليه علم مرفوع وان الوضع الاقتصادي لمصر في حال مزر ، وان ربيعهم لم يجلب لهم سوى الفاقة وقيادة عسكرية اسمها (السيسي) فيما ظل الشعب المصري في عدائه الدائم لاسرائيل ، ولم يتقبل حتى الان ان يرى اسرائيلياً واحداً ، حيث لمرات عديدة جرب بعض الصهاينة زيارة المراكز السياحية في مصر ، فهاجمهم الناس وقتلوهم ... وهذا الامر يتمدد على الاردن والمغرب ايضاً...

لا شك ان كلمة (التطبيع) تظهر للوجود ، كلما منيت (الامة) بهزيمة عسكرية او سياسية او اقتصادية ، لذلك جاء الحديث بها بعد هزيمة حرب حزيران وتشرين ، و آخر عودة لها في ايامنا هذه ، حيث تتسابق دول الخليج في اقامة المؤتمرات والمسلسلات والتغريدات والمقالات والتصريحات من قبل المسؤولين والاعلاميين المنسجمين مع هذا التطلع..

هنالك (معادلة) يجهلها دعاة (التطبيع) الاولى ان (التطبيع) لم يأت سياقاً اجتماعياً وسياسياً مثلما هو قائم بين الامم تدفعه (الضرورات) انما هو نتاج (هزيمة) نفسية ، وحالة (احباط) تمر بها الشعوب نتيجة سوء ادارات حكامها ، أو (هزيمة) في حرب ، فتكون حالة من (الهروب الى الامام) خاصة اذا رافقها ضغط اعلامي متناسق ومخطط له بدقة ، وهذه (المعادلات) تعتبر حالة مؤقتة ، اذا ما زالت تزول معها توابعها ، وتعود الامم الى صوابها والى ثوابتها ايضاً ، لذلك تجد ان تظاهرات الربيع العربي شهدت هجوماً على سفارات اسرائيل في دول مثل مصر, وتمت ازالة العلم الاسرائيلي وابداله بالعلم الفلسطيني , ومثل ذلك حدث في ايران عقب الثورة الاسلامية , وتحولت سفارة اسرائيل الى سفارة لفلسطين  !

بقي ان نناقش قضية ذات اثر مهم ، وهي ان اليهود هم انفسهم يكرهون (التطبيع) ليس مع العرب والمسلمين انما مع العالم اجمع والسبب هم يرون في (التطبيع) ضياعاً لهويتهم التي عملوا في الحفاظ عليها منذ قرون ، وعدم الاهتمام  بالجغرافيا بقدر اهتمامهم بالثروة والمال ، فاليهودي وطنه حقيبته ، لذا فهم لا يتفاعلون مع الارض التي يعيشون عليها ، ويحثون ابناءهم على ذلك في سبيل عدم (الاندماج) لان التفاعل مع المكان والانسان يجعل المرء لا يقوى على مغادرة الاوطان في حال رغب ذلك ، او يبقى في شوق عام لها ، وهم اي اليهود ... في (خصومة) دائمة مع الاجناس الاخرى من قبل 2000 عام وحتى اليوم ، و لا يمكن لجنس ان يتعمد (الخصومة) مع العالم أجمع بمختلف النظم السياسية  والفكرية واجناسهم وقومياتهم  الا ويتحمل وزر موقفه، وقد تعرضوا نتيجة ذلك ، الى (طرد) من اغلب الدول التي عاشوا بها ، وعلى مختلف الازمنة .

وهنا لا بد من وقفة عند كتاب (اليهودي العالمي) لمؤلفه رجل الاعمال الامريكي الشهير ومخترع سيارة (فورد) هنري فورد  الذي الفه عام 1920 ، ولا شك ان الكتاب يضم بين دفتيه آراء وافكار مجموعة من الكتاب الكبار انذاك ، والذي نشر يومها تباعاً في جريدة (ديربورن اندبندنت) التي كان يباع منها (29) الف نسخة يومياً.

هذا الكتاب والذي ادعو النخب المثقفة الى مطالعته فيه تفاصيل مهمة عن شخصية (اليهودي) لانه عاش معهم وعانى من تصرفاتهم ومخططاتهم ، وكيف وردوا الى امريكا انذاك وسيطروا عليها وهيمنوا على المال والسلطة ، بعد ان أمسكوا بالاعلام والمسرح ومراكز الثقافة و التجارة .

قول الكتاب ان اليهود لا يحبون مهنة الزراعة لانها تجعلهم يرتبطون بـ(الارض) وانهم يعيشون في احياء خاصة ويرون في كل يهودي يعيش معهم او بعيداً عنهم جزء من مشروعهم في السطوة والتسيد,ويقول ما نصه (اليهودي يكره العمل اليدوي او العمل الشاق ، ولديه قدرة واضحة على العيش في بيئة عدائية ممزوجة بقدرة عالية على التماسك العرقي) والسؤال الغريب :- كيف للانسان ان يعيش في بيئة عدائية ؟ وكيف له القدرة على التماسك؟ لقد استطاع اليهود وعلى مدى 2000عام ان يعيشوا في هذه البيئة ! حيث يستثمرون هذه (العدائية) في اشعار (اليهودي) انه في خطر دائم ، وان جميع الاجناس لا تحبه وتكرهه لذا فعليه ان يواصل خصومته معهم وان يواجه العدائية بالمزيد من (التماسك) .. وهذا التحدي الخطير ، جعلهم يستولون على المال دون قلوب الاخرين وهم اول من شيد المصارف واختراع (الشيك) والبيع بـ (الاقساط) خدمة لمصالحهم ، والهيمنة على الاخر .

وهم منذ ان وطأت قدمهم ارض فلسطين استخدموا العنف المفرط والمذابح والمجازر ضد السكان الاصليين للارض من الشعب الفلسطيني ، والهدف كمن يحرق السفن باللاعودة ، وما على اليهود سوى الدخول في (البيئة العدائية) حيث تراهم ومنذ عام 1948 وحتى (الان) في حرب عدائية ضد الشعب الفلسطيني ، وضد الدول العربية المجاورة ، ، حتى انهم عندما طرح احد المفكرين اليهود (خارج اسرائيل)  فكرة التعايش السلمي مع المحيط العربي ، والاستفادة من الموقع الجغرافي والثروة العربية وتشكيل نواة (قطب ثالث) ايام صراع القطبين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) واجهوه بامتعاض وسرعان ما اخفوا الفكرة لانها لا تصب لصالحهم!!

نعود الى نص في كتاب (اليهودي العالمي ص12) حيث يقول (اليهودي لغز عالمي ، فهو فقير بين رفاقه ، وهو مشرد في دول العالم دون بلد او حكومة الا انه يحافظ على جنسه بطريقة غريبة) لذا فان الدراسات عن (اليهودي) تفوق اي دراسة عن جنس بشري اخر ، ويقول الكتاب ايضا ( ان نسبة اليهود في امريكا 3% فقط لكنهم يسيطرون على اقتصاد البلد!)).

صحيح ان اليهود يكرهون (الجغرافيا)  و (المكان) لكن ادبياتهم تؤكد انهم يرغبون ان يتسيدوا العالم ، وعندما يهددون باحتلال هذه الجغرافيا أو تلك فهم يقصدون الاحتلال من الداخل في الهيمنة على قرار السلطة واقتصادها ...

لا شك ان اليهود يميلون الى (الفوضى) كما يؤكد كتاب (اليهودي العالمي) لذا فان (الفوضى الخلاقة) هي من نتاج افكارهم ... حيث توجد حكومة ومؤسسات وجيش ولكن (ميتة) كي يتم التحكم بها عن بعد بواسطة (ريموت الاقتصاد)!

وبذا نحن نقول الى اولئك اللاهثين وراء (التطبيع) انكم تطاردون سراباً ، واذا ما فكرتم بزيارة (اسرائيل) فسوف تتعرضون الى كل انواع (السخرية) كما – لاحقا – هم من يحرضون ضدكم ويفضحونكم وربما يشجعون على قتلكم على يد شعوبكم ، ان الصهاينة – لو ارادوا (التطبيع) لاقاموه مع عرب فلسطين الذين يعيشون معهم ، فهم في خصومة دائمة ، وهم يصورون حوادث العنف لزرع الكراهية والعدائية ضد (الجنس الاخر).

ورب سائل يسأل :- اذا كان اليهود لا يرغبون التفاعل مع المكان ، فلماذا اوجدوا (دولة اسرائيل) ؟

ان اليهود بشكل عام يميلون الى (العولمة) ويرون ان الحدود الجغرافية تخنق حركتهم وتعطل عملهم ، فهم مع حركة العمل والتجارة وسرعة الاتصال التي تلغي الثوابت العامة للقوميات الاخرى من ارض وتأريخ وحدود وتأريخ مشترك ، لان ذلك يجعلهم اقلية وسط قوميات واعراق واسعة وكبيرة ، لهذا عملوا على (نظام العولمة) ونجحوا في ذلك ، وكما يردد في الاعلام (العالم قرية صغيرة) ولكن ما يسمى بـ (دولة اسرائيل) قد فرضته ظروف (الطرد) التي تعرض لها اليهود من قبل اغلب دول اوربا بسبب عدم انسجامهم مع عادات وقيم سكان العالم ، وذلك بطريقة جمع المال والاستحواذ على السلطة واستخدام (الربا) والقسوة والغلظة في التعامل مع الاخرين حتى اصبحوا عنوانا كبيرا للكراهية ، وتجسد ذلك في مسرحية شكسبير (تاجر البندقية) كنموذج للشخصية اليهودية الغليظة القلب والقاسية.

ولا شك فان اعمال التهجير و القتل على اليهود تمثل تاريخا ططويلا لما تعرض له (اليهود) عالمياً ، لا يمكن الاشتمال عليه بسهولة ، وهذا الامر جعل الطرفان ، الاوربي الذي يرى وجود اليهود داخل المجتمع الاوربي (مشكلة) خاصة في نقمة الشعوب عليهم جراء تعاملهم في الحربين العالميتين الاولى والثانية ، والطرف اليهودي الذي بات يرى الحاجة الى (موقع مركزي) يلجا اليه اليهود عند الحاجة ، وما وعد بلفور الذي صدر عام 1917 بإيجاد (وطن قومي لليهود) الا ترجمة ذلك ، وقد وجدوا في ارض فلسطين مكانا مناسبا بالنسبة لبريطانيا لموقعه الجغرافي وضمان لمصالحها بعد ان كانت مستعمرة عثمانية ، وموقعا دينيا لما في ادبيات اليهود من ثقافة في ذلك.

ان (دولة اسرائيل) لم تتشكل كدولة (مدنية) انما هو موقع امريكي غربي متقدم ، وهي عبارة عن ترسانة عسكرية وكل زعمائها هم في الاصل قادة عسكريون و امنيون ، واسرائيل اكثر دولة تدعو قواتها للاحتياط ، ولا يسلم من الالتحاق الاجباري للجيش حتى النساء!!

اذن هي ليست مشروع دولة مدني ، و لا يمكن لها ان تكون كذلك ، كما انها لا تواجه خصومها بواسطة كيانها فقط انما بادواتها من اليهود المنتشرين بالعالم.

فالتطبيع الذي يدعو له البعض معها لم يأت عن رغبة لدى (دول التطبيع) او دعاته ، انما يأتي عبر حصار سياسي و اقتصادي ودبلوماسي واستخدام كل ادوات الضغط ، فمثلا ان دولة السودان عاشت حصارا اقتصاديا وعزلة في زمن عمر البشير على مدى (25)عاما من قبل امريكا واسرائيل  ، وان مجرد لقاء البرهان مع نتنياهو في اوغندا تحول الامر الى اعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ، ومع الغرب عموماً ، وبدأ الحديث عن مشاريع اقتصادية وموانئ وغيرها ، ولكن النتيجة واحدة اسوة بكل من انخرط بالتطبيع (دولة فقيرة تعيش على المساعدات ونهب للثروات وضياع للهوية) وسنرى بعد حين !

قد يسأل البعض : هل تعيش اسرائيل حياة مستقرة؟ الجواب ، ان المجتمع الصهيوني ليس لديه روابط تأريخية ولا اجتماعية ، وهم جاؤوا من اصقاع شتى من العالم ، لذا سرعان ما انقسموا كلاً وفق اصوله ، فهذا يهودي غربي وشرقي وافريقي لذا تجد عدم الانسجام يتوزع على جميع حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية!

واسرائيل ما زالت تعيش على المساعدات ، باعتبار انها تقدم خدمة لليهود بأسكان نصف اليهود بالعالم على ارضها ، ومشكلة الارض ومساحتها الصغيرة التي تضيق في بعض مواقعها الى مسافة (50)كم ، فيما الشعب الفلسطيني ما زال مصراً في العودة الى ارضه مهما اغترب او ابتعد ، وان لدى الشعب الفلسطيني ارادة اكبر من عناد الصهاينة ، ومثلما (التطبيع) مشروع فاشل ، يعتقد قادة المقاومة ومعهم كثيرون من اصحاب الرأي ان الظروف التي شكلت اسرائيل هي ذاتها الظروف التي ستزيلها يومها.

المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 0  
  • 1  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •