2020/09/14 11:44
  • عدد القراءات 584
  • القسم : وجهات نظر

منائر سامراء تبقى عالية

بغداد/المسلة:  

د. سليم الحسني

سامراء.. ملوية شاخصة تطل على التاريخ. منارتان شامختان ينظر اليهما التاريخ والمستقبل. منها انطلقت رحلة الانتظار الطويل. فيها وُلد الامام المهدي، ومعه وُلد الصبر الواعي عند أتباع أهل البيت عليهم السلام.

في سامراء يختلف معنى الزمن. يتحول مقياسه من عدد السنين الى قيمة السنين. ينعكس السؤال من: كم مضى؟ الى: كم بقي؟. ويتبدل الموقف من الصبر الكسول الى صبر الوعي في انتظار الامام.

لقرون عديدة كانت سامراء كما أرادها الحكام، رمز التشدد المذهبي، لكن الحال تغير على عهد السيد محمد حسن الشيرازي أواخر القرن التاسع عشر، حين اختارها مقاماً له، فصارت محطة التسامح المذهبي وساحة التآخي الإسلامي بين السنة والشيعة. ومنها أعلن فتواه الشهيرة التي عُرفت بثورة التنباك ضد ناصر الدين شاه.

وحين اغتالوا ابن السيد الشيرازي في سامراء في عملية مدبّرة لإشعال الفتنة الطائفية، رفض الشيرازي تدخل سفراء بريطانيا وروسيا، وقال انها مشكلة بسيطة لا دخل لكم بها. كان رحمه الله يحيط علماً بما يدور في البلاد، فقد عرف عنه انه يجمع حوله المستشارين ليطّلع على التطورات، فقد روي عنه قوله: المرجعية مئة جزء، جزء منها العلم، وجزء منها العدالة، وثمانية وتسعون إدارة.

وبقي علماء الشيعة المقيمون في سامراء يمضون على منهج التسامح، وكان من أعلام التسامح والاخاء المجتمعي في المدينة، الشيخ محمد مهدي الحكيم رحمه الله، الذي ظلت طيبته وتقواه ومواقفه متداولة في سامراء حتى اليوم.

وفي سامراء كان الإنجاز الوثائقي الشاق للمحقق أغا بزرك الطهراني في تراجمه الموسوعية الخالدة.

وفيها توهّجت في رأس العلامة الكبير مرتضى العسكري واحدة من أكبر الإنجازات التاريخية، حيث أكتشف ولأول مرة وجود عشرات الصحابة الوهميين جرى اختلاقهم لتشويه التاريخ والسيرة النبوية.

فقد أخبرني العلامة العسكري رحمه الله، أن البحوث التاريخية أصابته بالتعب والارهاق، فذهب من بغداد الى مسقط رأسه سامراء يستريح بضعة أيام. لكن الفكرة تسلب من العالم استراحته، وفي الليل كان يراجع أوراقه ومصادره، وكان الاكتشاف العلمي الذي أذهل المؤرخين من مسلمين ومستشرقين، بأن مصدر تلك الروايات هو (سيف بن عمر) مختلِق القصص والأحداث والشخصيات.

سامراء الجميلة المسترخية على ضفاف دجلة، عاشت التسامح بجهود علماء ومراجع الشيعة، لكن عُبّاد الفتن الطائفية يحاولون جعلها موقد نار. حتى كان ذلك، يوم اهتزت الأرض بتفجير ضريحي الامامين العسكريين عليهما السلام في مثل هذا اليوم (٢٣ محرم الحرام ١٤٢٧/ مايو ٢٠٠٦).

كان الحدث فاجعة، وكان شرارة شيطانية للفتنة، أوشكت أن تحرق العراق. لكن المرجعية العليا تدخلت، وأصدر السيد السيستاني بيانه الذي سكب الماء على الحريق فانطفأت الفتنة.

لا تتوقف محاولات الطائفيين، إنها تتسلل الى العراق من الدول المصنّعة للفتنة في الخليج. يجربون الوسيلة تلو الأخرى، ينفخون بأفواههم يريدون أن يطفئوا نور الله، والله متم نوره. فما وضعه أهل البيت عليهم السلام، يبقى خالداً شامخاً. يهدم الأعداء منارةً فتقوم مكانها عشر منائر. يغتالون عالماً فيظهر مائة. يقتلون مجاهداً فيولد ألف، إنهم أتباع آل الرسول.


بريد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى)، الذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 


شارك الخبر

  • 1  
  • 0  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •