2021/01/23 14:55
  • عدد القراءات 1679
  • القسم : المواطن الصحفي

سبب آخر لتدهور الواقع الصحي بالعراق.. تنافس سلبي بين أطباء يمارسون الفساد

بغداد/المسلة: كتب طبيب عراقي..

هناك الكثير من المراقبين للشأن العراقي، مـَـن ْيعتقد أن السبب الرئيسي لتدهور الواقع الصحي في المؤسسات الحكومية في العراق هو نقص التمويل أو التقشف أو نحوهما، أو أن السبب الرئيسي هو انتشار الفساد المالي.

نعم هذه عوامل مؤثرة جداً، غير أنها، من وجهة نظرنا، ليست هي الرئيسية، لأن هناك أسباب أخرى، نعتقد هي الرئيسية، لكنها، من المؤسف، خفية، غير منظورة، لعامة الناس، لا يعرفها إلا بعض الذين يعانون منها أو المتأثرين بها، من الكادر الطبي، وهي: الفساد الإداري والفني والأنانية واعتماد الكسب المادي على حساب صحة المواطن.

فالمواطن البسيط حينما ينظر إلى الواقع الصحي، سيجد هناك مؤسسات صحية مهترئة، متخلفة، لا تؤدي واجباتها الإنسانية والمهنية، كما ينبغي، والمفارقة هنا أن هذا المواطن يعزو هذا الواقع المتدهور إلى الفساد العام المستشري في البلاد، الذي ينخر مجمل مؤسسات الدولة.

لكن هذا المواطن لا ينتبه إلى وجود فساد آخر مختلف تمارسه فئة معينة من الأطباء، يساهم، مساهمة كبيرة، في إعاقة تنفيذ الخدمات الصحية بوجهها الصحيح، فضلاً عن ذلك منعها من التحسين والتطوير، إن هذا النوع من الفساد، هو الذي يمنع التقدم وإصلاح الخدمات الصحية، وسيستمر في ذلك حتى بعد القضاء على الفساد المالي بطريقة أو بأخرى، في عموم هذه المؤسسات.

وعلى هذا الأساس، وحسب استقرائي للواقع الطبي في العراق، ومن خلال ملاحظات زملاء مهنة الطب من مختلف الأجيال، وصلت إلى نتيجة، أعتقد أنها هي السبب الرئيسي في التدهور والتراجع المستمر على مدى العقود الأخيرة، سواء في الواقع الصحي أم في مستوى الخدمات التي تقدمها المؤسسات الصحية كافة، يعود في مجمله إلى التنافس السلبي الذي يحصل بين الأطباء.

لأن بعضهم تمكنّوا من السلطة والنفوذ بسبب القِدم أو الشهادة أو المحسوبية أو المحاباة أو نحوها، وبدلاً من أن يقوموا بمساندة ودعم زملاءهم من الأطباء الجدد، أو الذين ليسوا ذوي سلطة أو نفوذ، نجدهم يقومون بمحاربتهم ومنعهم من تطوير أنفسهم، وبالتالي يمنعوهم من تطوير الواقع الصحي، كنتيجة نهائية من ذلك.

وكمثال على تلك الممارسات والأساليب، هو أن بعض الأطباء لا يقدم العون والمساعدة والمساندة إلى زملائه، من خلال نقل علمه وتجاربه وخبرته بصورة كاملة إليهم، لكننا نجد هؤلاء الأطباء يعملون عكس ذلك، في إبقاء هؤلاء الزملاء، قليلي المعرفة والخبرة، كي لا يتفوقوا عليهم.

ولذلك أرى أن هذا الأمر هو السبب الرئيسي الذي أدى الى التراجع التدريجي في مستوى العلوم والمعارف الطبية، إذ أننا لازلنا نسمع هنا وهناك، أن الطبيب الفلاني كان مستواه العلمي والعملي، في السبعينات، يوازي مستوى الطبيب في إنجلترا أو في أمريكا، وأيضاً كان الطبيب في الثمانينات كذا وكذا.

ولكن الأمر المحزن، أنه رغم كل هذه المستويات العالية التي يتمتع بها هؤلاء الأطباء، إلا أننا نلاحظ أنهم لا ينقلون علومهم ومعارفهم الى الأطباء المتدربين لديهم وبالنتيجة تكون الاجيال المتلاحقة في تراجع تدريجي من ناحية الخبرة والمعرفة العلمية، ومن المؤسف أن هذه الحالة قد استمرت في العراق الى ما نحن عليه الآن، إذ نجد الهبوط التدريجي في مستوى نقل المعلومة، وهو أحد وأهم أسباب التدهور الصحي.

ومع وجود هذا الواقع المؤلم، فإننا نلاحظ كثير من التطورات في الآونة الأخيرة، كما نشهد إنجازات رائعة في مختلف الصُعُد، وظهور إبداعات متنوعة، هنا وهناك، تقوم بها الأجيال الجديدة من الأطباء، لكن بصعوبة شديدة، لأنها مكبلة بمقاومة وعرقلة ومحاربة مستمرة من قبل بعض الأطباء. لذلك، عندما يكون هدف الطبيب هو إعاقة التطوير والتجديد والحداثة، فسينتج عنه حتماً، تدهور في مختلف الخدمات الطبية العلمية والعملية والمادية.

وفي هذا المقام لابد من التأكيد على أن هناك مفاهيم وآراء، مترسخة عند بعض الأطباء، تدفعهم إلى القيام بممارسات وأفعال غير سليمة، كأن يقول أحدهم لنفسه: أنا تغربت وسافرت وتعبت كل هذه السنين، وفي النهاية أعطي هذه الخبرة الى هذا الطبيب على طبق من ذهب، لا وألف لا، إلا أن يتعذب مثلما تعذبت، ويبني نفسه من الصفر.

وعندما يسمع، أحد الأطباء، أن مريضاً ذهب إلى زميل له كي يتعالج، يستشيط غضباً، ويردد: ((ونحن ألا نُقنع (أيها المريض) لتذهب إلى من كان متدرباً لدي)). بمعنى آخر: ونحن ألا ننفعك لتذهب إلى من كان يتدرب عندنا. ألسنا بالكفاءة والخبرة اللازمة لتتركنا أيها المريض وتذهب إلى غيرنا.

وبالإضافة إلى ذلك، أنه عندما يقوم أحد زملاء أولئك الأطباء، بإلقاء محاضرة في مكان ما، نجد بعضهم يستشيط غضباً ويعزف عن الحضور ومن ثم يهاجم الشخص والجهة المُنظمة للفعالية، وربما يقاطعها أيضاً.

وعندما تُطرح فكرة معينة من قبل زميل أحد الأطباء، يقوم هذا الطبيب، على الأغلب برفضها أو تهميشها والتقليل من أهميتها، كي لا يقول قائل أن فلانا قام بتطوير كذا وكذا.

وعندما تحصل فرصة للتطوير، وكان أحد الأطباء لا يرغب بها، يقوم بإلغائها ورفضها دون أن يرشح أي زميل له، كي لا يستفيد منها ويتطور ويصبح أفضل وأعلى شأناً منه.

وإن أهم سبب من أسباب هذه التصرفات، هو العيادات الخاصة، لأنه وببساطة شديدة، أن الكثير من أصحاب هذه العيادات، من الأطباء، قد تقدم به العمر، وعجز أو كسل عن القيام بتطوير نفسه طبياً، ومواكبة عجله التطور الطبي المتسارع في العالم، ولا يستطيع أيضاً مجاراة الأطباء من الجيل الجديد في ذلك.

ومع كل هذا، يسعى هؤلاء الأطباء، للحفاظ على زخم مراجعي عياداتهم الخاصة، ومن أجل إبقاء مدخلاتهم المادية مرتفعة، فإنهم يقومون بالممارسات التي ذكرناها أعلاه من خلال أساليب متعددة، قد لا تخطر على بال القارئ، كالتشبث والاحتماء بالسلطة ومراكز القرار لمنع أي تطوير يقوم به غيرهم، الذي قد يخرجهم من دائرة الضوء والشهرة في المجتمع، ويخسرون مراجعيهم وبالتالي يخسرون الأموال التي اعتادوا الحصول عليها.

وفي الختام، أود أن أشير إلى أن بعض الأطباء، لكن ليس جميعهم، هم الذين يتميزون بالصفات السلبية التي ذكرناها، وبالطبع تجد هنا وهناك، مَن يتميز بأخلاق عالية، تجعلك تقف إجلالاً لهم ويستحقون أن يكونوا قدوة للجميع.

رصد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر


شارك الخبر

  • 9  
  • 1  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •