2021/06/01 14:28
  • عدد القراءات 4708
  • القسم : وجهات نظر

حينما يكون الخوف سبباً لأخطاء السياسة

بغداد/المسلة:

ابراهيم العبادي

تعجز اتجاهات نظرية التحليل السياسي عن الاحاطة الكافية بمتغيرات الواقع السياسي العراقي، كما تعجز شقيقاتها (النظريات الاجتماعية) في اعطاء تفسيرات وافية للعواصف المتلاحقة في الاجتماع السياسي، فللاضطراب السياسي عندنا جذور تاريخية، مذهبية - طائفية، اقتصادية - طبقية، نفسية- قيمية، اقوامية - عشائرية، وقد اجتمعت عناصر كثيرة لتجعل من هذه الارض ومن سكنها ظاهرة منفردة الى حد ما عن مثيلاتها.

ورغم ما يعزى الى اختلاف المصالح والافكار والقيم من اسباب كامنة وراء هذا الاختلاف المزمن! لكن من الحق ايضا ان يشار الى الاسباب النفسية الكامنة، والى ما تمثله من محركات ودوافع للسلوك السياسي والاجتماعي الصراعي فرديا وجماعيا، فنظرية الصراع الاجتماعي لاسيما تلك التي طورها عالم الاجتماع كارل مانهايم (1893 - 1947) قد تستوعب الكثير من اسباب الصراع والتنافس في المجتمعات، كصراع الاجيال، وصراع المؤدلجين والطوباويين (حكاماً ومحكومين) وصراع الفئات الاجتماعية والسياسية والدينية المختلفة (اديان، مذاهب، احزاب، سلالات، عرقيات، اثنيات، قاهرين ومقهورين اغنياء وفقراء، مستكبرين ومستضعفين).

في تقديري ثمة عامل نفسي صار يغذي اشكال الصراع، ويهدد فرص الاستقرار ويقوض امكانيات الاجتماع على مصالح مشتركة وهوية جامعة لأمةٍ عانت كثيرا من العنف والصراعات على السلطة والقيادة والريادة والأحقية، هذا العامل هو الخوف، الخوف بالمعنى النفسي الجماعي الذي يتخذ شكل الاضطراب او الفوبيا Phobia، والذي اصبح مغذيا ومعززا لجميع اشكال التنازع والتنافس والصراع والعنف، فحينما يتجاوز الخوف حدوده الطبيعية بوصفه رد فعل شعوري فزيولوجي على كل اشكال التهديد المعتاد، فانه يصبح مرضا خطيرا يقود الى جميع اشكال السلوك العنيف، تحت ضغط الحاجة الى الدفاع عن الذات والتمركز حولها ونبذ الاخر، الذي يمثل تهديدا ومنافسا لايتشارك معها في الافكار والرؤى والمصالح والانتماءات.

الخوف اذن هو مايغلف المواقف والسياسات والسلوكات الاجتماعية ذات الصلة بالحيز الاقتصادي السياسي، والديني، فثمة خوف على حقوق الطائفة او القومية او المذهب، او الحزب، او الجماعة بما يقود الى الاستعداد الدائم لتفسير كل شيء بما يخدم فكرة الصراع حقا وافتراضا.

لدينا في العراق صراع دافعه الخوف من خسارة الكرد مثلا لمكتسباتهم القومية وتباطؤ مشروعهم لبناء (الامة- الدولة) وصراع اخر منشؤه الخوف من الاضطهاد الطائفي بما يجعل السني يحاول الوصول الى القيادة ودفة الحكم لينفرد بالسلطة بما يضمن له الدفاع عن وجوده الجماعي ومصالحه السلطوية في المجتمع والدولة كما كان سابقا، ولدينا خوف الشيعة من خسارة السلطة بما يعيد تنشيط ذاكرتهم باحداث المجازر الجماعية والابادات والاضطهاد والمقابر والتهميش.

من يحررنا من الخوف، حتى نبصر الواقع بدون تأثيرات هذه الفوبيا والوعي الزائف وحفريات الزعماء وماكينات الاعلام والدعاية التي لاتتوقف؟ لا سبيل لاصلاح الحياة السياسية وتنمية المجتمع ثقافيا وقيميا، واعادة الحياة للتنشئة السياسية السليمة الا بالتحرر من عقدة الخوف هذه، ويصبح ممكنا الاتفاق والتوافق على المصالح الجماعية، والاقتراب من التفكير السليم باهمية ترسيخ منطق الدولة والقانون والديمقراطية، منطق الدولة الحديثة التي تحتاج الى عقول وارادات متحررة من الخوف المرضي الحقيقي والمفتعل.

 رصد المسلة

المسلة غير مسؤولة عن المحتوى (نصا ومعنى) والذي يتضمن اسم الكاتب والمصدر

 

متابعة المسلة - وكالات

المسلة

 

تابع الجديد والمفيد في المسلة اكسبريس عبر موبايلك اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في قناة المسلة تليغرام.. عبر الموبايل اضغط هنا

تابع الجديد والمفيد في صفحة المسلة على فيسبوك اضغط هنا

 

 


شارك الخبر

  • 2  
  • 5  

اضف تعليقك

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار المسلة علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.

  •  
       
  •